شرح كتاب لم الدر المنثور 31

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 31، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

باب التحذير من سب الصحابة وفضلهم وموقف العلماء من خلافاتهم

يستعرض المحور آيات قرآنية وأحاديث نبوية تثني على الصحابة وتنهى عن سبهم، مبيناً أنهم مجتهدون مأجورون وأن ما وقع بينهم من قتال كصفين والجمل لا ينقص من قدرهم. ويؤكد أن الفتنة أُجِّجَت من قبل الخوارج وأن الصحابة مغفور لهم لسابقتهم وإيمانهم.

مقتل عثمان وخروج الخوارج ووجوب الإمساك عن الخوض في خلافات الصحابة

يتناول المحور الفتنة التي اندلعت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وخروج الخوارج على علي رضي الله عنه، وإجماع الصحابة على قتالهم. ويؤكد وجوب الإمساك عن الخوض في خلافات الصحابة لأنهم مجتهدون، مستدلاً بأحاديث تبين فضلهم وأنهم أمنة للأمة.

حرمة سب الصحابة وموقف أهل السنة من محبتهم وتفضيلهم وترتيب الخلافة

يقرر المحور تحريم سب الصحابة ومن تاب منهم، وأن سبهم كبيرة من الكبائر قد تصل بالكفر، وعلى من سبهم لعنة الله. ويبين منهج أهل السنة في محبة جميع الصحابة، وترتيب الخلافة والأفضلية: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، والتقرب إلى الله بمودتهم رجاء الحشر معهم.

خاتمة الدرس وذكر اسم المترجمة

يختتم المتحدث الدرس بالحمد لله والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر كخاتمة للجلسة العلمية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال المؤلف - وفقه الله - في باب التحذير من سب الصحابة، ومن بغضهم أو أحد منهم، ومعرفة قدرهم، والكف عن ذكر مساويهم، ومعاقبة من ينتقصهم. في هذا الباب ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - آيات عظيمات في الثناء على الصحابة. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [المجادلة: 22] الآية. ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة: 100] الآية. ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ [البينة: 7]. وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 101]. وقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ﴾ [الحديد: 10]. قال المؤلف - حفظه الله -: قال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». الحديث متفق عليه من حديث أبي سعيد، وفي مسلم من حديث أبي هريرة. وهذا الحديث قاله عليه الصلاة والسلام لما حصل بين عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد شيء، فتكلم خالد في عبد الرحمن بن عوف، وبعد ذلك جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «لا تسبوا أصحابي». خالد تكلم في عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن من المهاجرين السابقين الأولين، أحد العشرة المبشرين، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال هذا: «لا تسبوا أصحابي». قيل: في من؟ قال: في خالد - رضي الله عنه - متفقين. لا تسبوا أصحابي. فمع أن هذا الحديث قاله عليه الصلاة والسلام في خالد، إلا أن هذا الحديث عام كما قال أهل العلم، فلا يجوز لأحد أن ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من المهاجرين والأنصار، كما تقدم في الآيات في بيان فضلهم وشرفهم. لا تسبوا أصحابي، لا تنتقصوا أحدًا منهم، ولا كذلك تتكلموا فيهم، واحفظوا ألسنتكم عنهم، وفيما شجر بينهم، حتى في صفين الذي حصل في صفين، والذي حصل في الجمل، وغيرها مما حصل بينهم. فإنهم كما قال أهل العلم مجتهدون، مع أن عليًا - رضي الله عنه - ومن معه هم الذين كانوا مصيبين، والجميع اجتهد، ولكل مجتهد نصيب من الأجر، نصيب من الأجر. وأهل العلم ذكروا هذا في كتبهم، ذكروا ما حصل بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ولم يخرجوا عن طور الأدب، فلم يعيبوا أحدًا من الفريقين. وسماهم الله مؤمنين، وسماهم الله مؤمنين: ﴿ إِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الحجرات: 9]. فالفريقان في صفين، مع ما حصل بينهم، مات فيها من الصحابة - رضي الله عنهم - وأقع وقعته الجمل، فكلهم مغفور لهم؛ لأن لهم سابقة، لهم سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجهاد ومن الإنفاق في سبيل الله عز وجل. لكن سنة الله سبحانه وتعالى أن حصل ما حصل بينهم - رضي الله عنهم أجمعين - في مسألة الخلافة والأحق بها، وهكذا. ولا شك أن هناك في ذاك الزمان من كان يؤجج، من كان يؤجج الفتن، كالخوارج. بدأت من مقتل عثمان - رضي الله عنه - وما ذكر شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله تعالى - في مجمل الاعتقاد: أن هناك طوائف سعت في شعال الفتن بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فأججوا الفتن في عهد عثمان. الخوارج خرجوا من مصر وقتلوا عثمان، وسفكوا الدماء الحرام، فعابوا على عثمان وسبوه وطعنوا فيه، بل ومنهم من كفره. وهكذا أيضًا بعد ذلك خرجوا على علي - رضي الله عنه - ومن معه من الصحابة، فقاتلوا عليًا في النهروان، واتفق الصحابة على قتالهم، فخرج أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وقاتلوا الخوارج يوم النهروان، فقتلوهم، شر قتلة، شر قتلة، وقتلوا ذلك المخدج ذا العلامة الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالصحابة ما حصل بينهم، الواجب فيه الإمساك، يعني لا يتكلم ولا ينتقص أحدًا منهم، ولا يعاب أحد منهم؛ لأن منهم من اجتهد فخرج مع هذه الطائفة، ومنهم من اجتهد فخرج مع هذه الطائفة. والنبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم قال: «ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية». وعمار كان في صف علي، كان في صف علي، وقتل في صفين، تقتله الفئة الباغية. فسماهم النبي صلى الله عليه وسلم فئة باغية، لكنهم عندهم إيمان، وعندهم حسنات كثيرة، حتى وإن حصل منهم شيء من الخطأ، فعندهم ما يمحو هذه السيئات أو هذه الأخطاء، فعندهم الجهاد والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال، وقال، وقال صلى الله عليه وسلم: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون». حديث رواه مسلم، حديث أبي موسى. النجوم أمنة للسماء؛ لأن النجوم يهتدى بها في الظلمات، فهي بمثابة الأمان لمن أراد أن يهتدي بها في الطريق، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. كذلك إذا ذهبت هذه النجوم وغارت يوم القيامة، وانكدرت وانطفأت، أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي: النبي عليه الصلاة والسلام أمن لهم من الوقوع في الضلال، فهو عليه الصلاة والسلام الموجه وهو المرشد لهم. وكذلك الصحابة أمن لمن بعدهم، فإذا وجد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام انتشر الخير ووجد الخير، فإذا ذهب الصحابة تأتي الفتن، الفتن. وقد حصل هذا عند ذهاب الكبار من الصحابة. انظروا إلى عهد الخلفاء الراشدين: من أبي بكر - رضي الله عنه - ثم عمر، ثم علي، ثم عثمان، أو ثم عثمان ثم علي، كان الشر قليلاً، وكانت البدع خافتة. فما ظهرت البدع: بدعة القدرية، بدعة الخوارج، وهكذا الجهمية، إلا في عهد أواخر الصحابة. ظهرت الخوارج في آخر عهد الصحابة، ثم جاءت القدرية بعدهم، وهكذا تتابعت هذه عندما يموت أولئك الذين يحملون العلم والذين ينشرونه بقوة ويبثونه بين الناس، ولا يخافون في الله لومة لائم، مع قوة السلطان. عندما يوجد السلطان الحاكم العادل المسلم، فإنه لا شك البدع هذه تضمحل وتذهب. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا». رواه الطبراني من حديث ابن مسعود، وهو في صحيح الجامع. إذا ذكر أصحابي، أي: إذا ذكرتم أو ذكر عندكم الصحابة، فأمسكوا، يعني: ألسنتكم من الوقيعة فيهم، فلا تقعنوا فيهم، ولا تسبوهم، مهما الذي حصل فيما بينهم، أو حصل من أحد أفرادهم، أو حصل من أحد أفرادهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام رجم ماعزًا، ورجم كذلك شارب الخمر، ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن سبهم. نهى عن سب الغامدية لما سبها رجل بعدما أقام عليه الصلاة والسلام عليها الحد. قال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم». وقال في ذلك الذي سب شارب الخمر: «مخزاك الله، نحوها ما أكثر ما يؤتى بك». قال: «لا تعينوا عليه الشيطان، لا تسبوه». فلا يجوز سب أحد ممن تاب وحسنت توبته، والنبي عليه الصلاة والسلام شهد له بالتوبة الصحيحة. فلهم سابقات من الخيرات، ولهم كذلك ذنوب تابوا منها، يعني: إن حصل منهم شيء، فحسن الظن بالصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أنهم إن حصل منهم شيء قد تابوا، وأنهم استغفروا ربهم، وأن الله عز وجل يتوب عليهم ويغفر لهم ذنوبهم. قال صلى الله عليه وسلم: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله». حديث رواه الطبراني عن ابن عباس، عن ابن عباس: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله». هذا وعيد، هذا وعيد. اللعن كما قال أهل العلم لا يكون إلا على كبيرة. كبيرة تعريفها: ما وعد فيها بعذاب وعقاب، أو حد يعني يقام عليه الحد، أو كذلك فيه لعن وطرد من رحمة الله، أو غضب من الله سبحانه وتعالى. هذه الكبيرة، فالواجب التوبة منها. فعليه لعنة الله، يدل على أن سب الصحابة كبيرة من كبائر الذنوب. وكما تقدم أنه قد يصل به إلى ماذا؟ إلى الكفر بالله سبحانه وتعالى، خاصة إذا كان سبهم على العموم، أو سب الشيخين: أبا بكر وعمر، كما تفعل الرافضة. فالرافضة تكفر الشيخين وتسب الشيخين، والخوارج يسبون عثمان وعليًا، والناصبة يسبون عليًا، وهكذا. فمنهم من سب أشخاصًا معينين أو كفرهم، كما ذكر هذا شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله تعالى - فيقع في هذا الذنب العظيم. وشيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - ذكر مذهبه ومذهب أهل السنة والجماعة في لاميته، في لامية شيخ الإسلام بن تيمية، ذكر هذا أنه يجب علينا أن نحب أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أنس ماذا يقول؟ يقول - رضي الله عنه -: «فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وإن لم أعمل بأعمالهم». يحب أبا بكر وعمر. ورتبت الخلافة على هذا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. فكانوا يفاضلون في عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، بل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: كنا نقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، بل وعلي - رضي الله تعالى عنه -. قدم الشيخين عليه، قدم أبا بكر، وقدم عمر، وقدم كذلك عثمان. وسأله ابنه محمد بن الحنفية، فقال: «ما أنا إلا رجل من المسلمين». فواضع منه - رضي الله عنه وأرضاه -. هذا منهج أهل السنة والجماعة في ترتيب الأفضلية وفي ترتيب الخلافة. الخلافة لا شك فيها، والأفضلية خالف بعض أهل السنة في هذا، يعني: بين عثمان وعلي، أيهما أفضل؟ مناقب عثمان أكثر، مناقب علي... خالف بعض أهل السنة، لكن في ترتيب الخلافة هذا بإجماع: ترتيب الخلافة على هذا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضي الله عنهم أجمعين -. من يحفظ البيتين حق شيخ الإسلام بن تيمية في اللامية؟ كسائل عن مذهبي وعقيدتي، رزق الهدى من للهداية يسألوا، إلى أن قال: وماذا؟ حب الصحابة كلهم لمذهبنا، ومودة القربى بها نتوسل، ولكلهم قدر على وفضائل، لكنما الصديقين منهم هم أفضل. يقول شيخ الإسلام: مذهبنا، وهكذا مذهب أهل السنة: حب الصحابة كلهم لمذهبنا، ومودة القربى أيضًا نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بحب أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا الذي ينبغي أن يعتقده كل مسلم: حب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ويتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بذلك الحب، عسى أن يحشر مع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -. ومن أحب قومًا فهو معهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب». وقال للأعرابي: «أنت مع من أحببت». فأنت تحب النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة - رضي الله عنهم -. وهذا دين، وهذا دين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا معهم. نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر