القواعد والأصول الجامعة 32

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 32، ألقاها

مقدمة في أهمية التراضي في العقود

القاعدة الثانية عشرة من كتاب 'القواعد والأصول الجامعة' تؤكد على أهمية التراضي في العقود والتبرعات والفسوخ، مستندة إلى الكتاب والسنة والإجماع. التراضي شرط أساسي لصحة هذه العقود والتصرفات.

تفصيل أهمية التراضي في مختلف العقود

يشترط التراضي في عقود المعاوضات مثل البيع والإجارة، بينما يكفي رضا المتبرع في عقود التبرعات مثل الهبة والوقف. الدليل على ذلك هو الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد على أهمية الرضا.

أثر الرضاء في صحة العقود والتصرفات المالية

الرضاء ضروري في جميع العقود والتصرفات المالية، وبدونه لا تصح هذه العقود. يشترط رضا الطرفين في معظم الحالات، مثل البيع والزواج، بينما يكفي رضا طرف واحد في حالات مثل الهبة والوقف.

تطبيقات التراضي في انتقال الحقوق وتغير الحالات

التراضي ضروري عند انتقال الحقوق أو تغير الحالات، مثل البيع والطلاق. هذا الانتقال يتطلب التراضي بين الأطراف المعنية لضمان صحة هذه التصرفات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة»: القاعدة الثانية عشرة: «لا بد من التراضي في عقود المعاوضات والتبرعات والفسوخ الاختيارية». هذه القاعدة -لا بد من التراضي في عقود المعاوضات والتبرعات والفسوخ الاختيارية- هي قاعدة جزئية، والأقرب أن يقال فيها ضابط؛ لأن القاعدة ينبغي أن تكون كلية وتكون عامة، وهذه خاصة بما يتعلق بالعقود والتبرعات والفسوخ. قوله: «لا بد من التراضي في عقود المعاوضات»، يعني لا بد من حصول الرضا، لا بد من حصول الرضا في عقود المعاوضات. المعاوضات يعني ما فيه تبادل بعوض، كبيع عين بعين أخرى، كالبيع والإيجارة ونحوهما، هذه تسمى عقود معاوضات، لا بد فيها من الرضا، لا بد فيها من التراضي من الجانبين. وعقود المعاوضات أيضا لا بد فيها من العلم بالمبيع والعلم بالثمن، وزوال الجهالة، وتوفر الشروط، وانتفاء الموانع. قال: «والتبرعات»، التبرعات كالصدقة والهبة والوقف، هذه عقود تبرعات، يتبرع بها الإنسان، يتبرع بها الإنسان ويفعلها من نفسه. وعقود التبرعات لا يشترط فيها العلم، نعم، فقد يكون فيها شيء من الجهالة، هذا لا يضر، والتراضي فيها يكون من جهة واحدة، من جهة المتبرع. التراضي فيها يكون من جهة المتبرع، فأنا مثلا أعطي شخص هدية، لا بد أن يكون إعطاء هذه الهدية برضاي، لكن المهدى له ما يشترط أن يكون راضيا، إن قبلها فالحمد لله، إن لم يقبلها فليس عليه شيء. قال: «والفسوخ الاختيارية»، الفسوخ الاختيارية، الفسخ يعني إبطال العقد، الفسخ إبطال العقد، سواء كان عقد بيع، كالإقالة، الإقالة يعتبر فسخ، إذا تراجع مثلا البائع عن البيع أو المشتري عن الشراء، وقد تفرق، هذا يسمى إقالة، هو فسخ يعتبر فسخا. أو كذلك أيضا فسخ النكاح بالطلاق أو الخلع، هذا يسمى فسخ. وقوله: «الفسوخ الاختيارية» لإخراج الفسوخ الاضطرارية، الفسخ الاختياري يعني أن يكون برضا الفاسخ، أن يكون برضا الفاسخ، مثلا يطلق الرجل امرأته برضاه، ما حد يجبره على ذلك، هذا يسمى فسخ اختياري. تكره المرأة زوجها فتقول: أريد أن أختلع منه برضاه، هذا يسمى فسخ اختياري. لكن إذا أكره على الفسخ، أكره على الفسخ بحق، هذا يسمى فسخ ماذا؟ اضطراري. وسيأتي معنا كيف يكون الفسخ الاضطراري بحق. قال: «وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع»، يعني أن هذه القاعدة وهذا الضابط مجمع عليه عند العلماء. قال: كما قال تعالى في عقود المعاوضات: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾؛ لأن التجارة اسم جامع لكل ما يقصد به الربح والكسب، فلا بد فيها من التراضي بين الطرفين. عقود المعاوضات ذكر الدليل على وجوب التراضي فيها بقوله جل وعلا: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾، قبلها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، يعني بالأمور المحرمة، كالخمر مثلا ببيع الخمر أو بيع الخنزير أو القمار أو بالسرقة، أخذ المال عن طريق السرقة أو الخيانة أو غير ذلك من الطرق المحرمة. ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ يعني أن يحصل انتقال المال من بعضكم إلى بعض عن طريق التجارة، عن طريق التجارة، وذلك عن طريق التراضي، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، يعني برضا البائع يبيع هذه السلعة ويتنازل عنها للمشتري برضاه، والمشتري يشتري هذه السلعة برضاه، فيحصل عقد المعاوضة هنا من برضاء الطرفين، يحصل برضاء الطرفين، وهذا شرط من شروط صحة البيع حصول التراضي. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنما البيع عن تراض»، إنما البيع عن تراض. لكن لو جاء إنسان يريد أن يأخذ هذا المال الذي عنده بالقوة بغير رضا منه، هنا لا يحل ولا يجوز بسبب عدم الرضاء. والرضاء شرط في صحة عقد المعاوضة. قال: «لأن تجارة اسم جامع لكل ما يقصد به الربح والكسب»؛ لأن ما المقصود من التجارة؟ أنت تتاجر بأراضي أو بعقار أو ببيوت أو بسيارات أو مواشي أو غير ذلك، تتاجر بها ماذا تريد؟ تريد الربح والكسب، تريد الربح والكسب، تشتريها بسعر ثم تبيعها بسعر أعلى، هذا هو معنى التجارة اسم جامع لكل ما يقصد به الربح والكسب. قال: «فلابد فيها من التراضي بين الطرفين»، لابد من حصول التراضي بين الطرفين، يعني البائع والمشتري، البائع يبيع برضاه، والمشتري ماذا يشتري برضاه. قال: وقال تعالى في عقود التبرعات: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾، قال: «فهذا التبرع من الزوجة الرشيدة لزوجها بالمهر أو ببعضه، شرط الله فيه طيب نفسها، وهذا هو الرضا». قال: «فجميع التبرعات نظير الصداق»، يعني جميع التبرعات مثل الصداق، كما أن الصداق أخبر الله عز وجل بأنه يحل للزوج أخذه إذا تنازلت به الزوجة برضا منها، فكذلك بقية التبرعات، كالهبة والوقف، إذا وهب الإنسان شيء من المال لشخص بطيب نفس منه، فهو حلال له، فهو حلال له. أو أوقف شيء من ماله لجهة معينة، فهذا جائز. والتبرعات يكون فيها الرضا من جهة واحدة، التبرعات يكون فيها الرضا من جهة المتبرع، من جهة المتبرع. قال: «فالبيع بأنواعه، والوثائق، والإيجارات، والمشاركات، والوقف، والوصايا، والهبة، لابد فيها من رضا المتعاقدين». البيع بأنواعه، والوثائق يعني البيع الموثق، وتوثيق البيع يكون بثلاثة أمور: إما برهن يوثق البيع برهن، وإما بكفيل، وإما بضمين، إما بكفيل وإما بضمين. والإيجارات إذا أجر أرضا أو بيتا أو سيارة، كذلك المشاركات يعني الشركات، شركة المفاوضة أو العنان أو غيرها من أنواع الشركات. كذلك الوقف إذا أراد أن يوقف أرضا أو يوقف مالا، وكذلك الوصايا إذا أراد أن يوصي بشيء من ماله مما دون الثلث أو الثلث فأقل. الهبة الهدية، هذه كلها لا بد فيها من رضاء المتعاقدين، لا بد فيها من رضاء المتعاقدين، إلا الهبة فإنها تكون من طرف المتبرع والمهدي. قال: «وكذلك النكاح»، ما هو الدليل على يعني اشتراط الرضاء؟ عموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، إلا بطيب نفس منه. قال: «وكذلك النكاح وغيره من جميع العقود والفسوخ لا تتم إلا برضى المتصرف فيها؛ لأنها تنقل الأملاك من شخص إلى آخر أو تنقل الحقوق أو تغير الحالة السابقة، وذلك يقتضي الرضاء». يقول: «كذلك النكاح وغيره من جميع العقود والفسوخ لا تتم إلا برضى المتصرف فيها». الزواج لا بد فيه من الرضاء، من رضاء الطرفين، رضاء الزوج ورضاء الزوجة، فلا يجوز أن تزوج المرأة بمن لا تريده، ولا أن يزوج الرجل بمن لا يريدها، لا بد من حصول التراضي؛ لأن هذا عقد والعقود لا بد فيها من التراضي. كذلك أيضا جميع العقود والفسوخ، كفسخ البيع الإقالة، إذا تم البيع وحصل التفرق بين البائع والمشتري، ثم ندم أحد البايعين أو المتبايعين، جاء البائع فقال للمشتري: أنا ندمت على البيع، أريد السلعة وسأعطيك المال والثمن، هذا يسمى إقالة، يريد أن يقيله، يرجع ويفسخ البيع، هذا الفسخ هذا الإقالة يسمى فسخ، لا بد فيها من التراضي، من رضا البائع ورضا المشتري. فإذا لم يرض المشتري فله حق، لا يصح إذن فسخ البيع، لا يصح في هذه الحال فسخ البيع؛ لأن المشتري لم يرض، لكن إذا رضي جاز، يقول المشتري: لا، بس هذه سلعتك، أعطني مالي، إذا رضي صح الفسخ. والفسخ أيضا كفسخ النكاح بالطلاق أو الخلع، الطلاق من جهة الزوج، والخلع من جهة المرأة، لا بد فيه من الرضا، يعني إذا أكره الزوج على الطلاق وهو ما يريد أن يطلق، لكن أكره هنا لا يقع الطلاق ولا يصح. أو أكرهت المرأة على الخلع وهي لا تريد أن تختلع فلا يصح، لا بد من حصول التراضي والرضا في هذه الحالة من جانب واحد، إذا أراد الزوج أن يطلق وهو راض بذلك، فلا يشترط رضا المرأة، قد تكون المرأة لا تريد أن تطلق وتريد أن تجلس معه، فإذا فسخ الزوج النكاح وطلق وقع الطلاق وانفسخ النكاح، وهكذا العكس. قال: «لأنها تنقل الأملاك من شخص إلى آخر»، يعني ماذا يشترط التراضي في هذه العقود؟ قال: «لأنها تنقل الأملاك من شخص إلى آخر». الآن أنت بيدك السلعة، عندك السيارة، هي لك، ملكك، تتصرف فيها، فإذا تم عقد البيع انتقل هذا الملك، هذه السلعة انتقلت من ملكك وتصرفك إلى ملك وتصرف المشتري، وهذا الانتقال لابد فيه من تراضي حتى يستطيع الانتفاع بهذه السلعة، وهكذا سواء أرض أو غير ذلك. قال: «من شخص إلى آخر أو تنقل الحقوق أو تغير الحالة السابقة»، كالبيع، كانت السلعة بيدك، ملكك، تتصرف فيها، فبالبيع انتقلت إلى ملك المشتري وأصبحت لا تملك من التصرف فيها شيء. وهكذا أيضا الزوجة قبل الفسخ كانت زوجة، وبعد الطلاق أصبحت مطلقة، ليست بزوجة لهذا الرجل، فانتقل وتغير الحال، هذا التغير والانتقال لابد فيه من التراضي. قال: «وذلك يقتضي الرضا». صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على