القواعد والأصول الجامعة 40

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 40، ألقاها

مفهوم العدل والفضل في الشريعة الإسلامية

العدل واجب في كل شيء ويعني أداء ما عليك وطلب ما لك، بينما الفضل مسنون ويعني الإحسان أو الزيادة على الواجب. الشريعة تحث على العدل وتدعو إليه.

تطبيق العدل والفضل في الإسلام

العدل في الإسلام يعني القيام بالواجبات كما أمر الله، والفضل يكون بالزيادة على الواجب والإحسان. الآيات القرآنية تحث على العدل وتحذر من الظلم.

العدل والفضل في المعاملات اليومية

العدل في المعاملات واجب ويتمثل في أخذ الحق من القادر وتأجيله للمعسر، والفضل مستحب ويكون بالعفو عن بعض الحق والتسامح في المعاملة. الله تعالى حث على الفضل بالتصدق على المعسر.

فضل العفو والتسامح في الدين

العفو عن الدين أو التنازل عنه يعتبر خيرا طيبا ومحمودا. هذا الفعل يشجع عليه ويدل على الفضل والتسامح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة": القاعدة السادسة عشرة "العدل واجب في كل شيء، والفضل مسنون". هذه القاعدة هي تبع للقاعدة التي قبلها، وهي "لا ضرر ولا ضرار". ومر معنى أن الشريعة جاءت بمنع الضرر ورفع الضرر وإزالته، لكن إذا كان الضرر والإضرار بمن أضر بك فهذا على سبيل العدل. إذا كان على سبيل العدل أن تضرر بمن أضر بك، فهذا لا بأس به. ولهذا جاء بهذه القاعدة "العدل واجب في كل شيء" يعني إن أضررت بمن أضر بك من باب العدل والأخذ بحقك، فهذا ليس من الضرر المذموم، بل هو من العدل الذي جاءت به الشريعة. "والفضل مسنون" إن عفوت وتنازلت، فهذا أفضل وأكمل. فقوله "العدل واجب في كل شيء" العدل أن تعطي ما عليك كما تطلب ما لك، كما سيأتي، وهو القصد. هذا العدل واجب في كل شيء، والعدل جاءت الشريعة بالأمر به والحث عليه. قال الله عز وجل ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾، وقال جل وعلا ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها الأمر بالعدل. وكذلك أيضا العدل مما يستحسنه العقل، مما يستحسنه العقل ويدل على ثبوته وصحته. كذلك أيضا قد جاءت الشريعة، كما سمعنا، بالأمر به، والعقل الصريح يوافق النقل الصحيح، ولا يتعارض العقل مع النقل. كذلك "الفضل مسنون" الفضل الزيادة، الزيادة في الشيء مسنون، أي مستحب. والفضل منه ما هو محمود، كالزيادة في العلم والزيادة في الحلم، ومنه ما هو مذموم، كالزيادة في الغضب مثلا في غير موضعه، هذا مذموم. فالفضل مسنون، والعدل واجب. وسيأتي ذكر أمثلة تتضح به هذه القاعدة. قال "العدل أن تعطي ما عليك كما تطلب ما لك" أن تعطي ما عليك الذي عليك تؤديه، وتطلب الذي لك، هذا من العدل. تؤدي الذي عليك وتطلب الذي لك. قال "والفضل هو الإحسان الأصلي أو الزيادة على الواجب" الإحسان الأصلي يعني ابتداء من غير مقابل أن تحسن إلى إنسان في قول أو فعل من غير مقابل، هذا فضل. أو يكون بمقابل، أو يكون بالزيادة على الواجب. الزيادة على الواجب مثلا في الوضوء هناك وضوء مجزء ووضوء كامل، المجزء مقتصر فيه على الواجب، والكامل ما أتى فيه الإنسان بالواجب مع المستحبات، فهذا فضل. كذلك الغسل منه ما هو واجب مجزء، ومنه ما هو غسل كامل، وهو أن يأتي الإنسان مع ما وجب عليه بالسنن والمستحبات، فهذا زيادة، زيادة على الواجب، فهذا فضل وإحسان طيب. فالإتيان بالشيء كما أمر به، يعني بما وجب عليه، هذا هو العدل. والزيادة على الواجب هذا هو الفضل. قال الله تعالى ﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾. الله عز وجل في هذه الآية أمر بالقسط "أقسطوا" يعني اعدلوا. "أقسطوا" على وزن "افعلوا" وإفعل من صياغ الوجوب، فيدل على وجوب العدل والقسط. وهنا أطلق الله عز وجل الأمر بالقسط، ما قال "أقسطوا مع أولادكم" أو "أقسطوا مع أهليكم" أو "أقسطوا مع جيرانكم"، أطلق فيشمل كل ما يجب فيه العدل، العدل مع الأولاد، العدل مع الزوجات، العدل مع التعامل في الوظائف، وفي غيرها من الأعمال. وأخبر الله عز وجل بمحبته للمقسطين "إن الله يحب المقسطين" يعني العادلين. قال وقال تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" هذا هو العدل. إذا عاقبك إنسان بقول أو بفعل، فلك أن تعاقبه بمثله، لك أن تعاقبه بمثله، هذا هو العدل. "ولئن صبرتم" وهذا هو الفضل "لهو خير للصابرين" يعني إن صبرت وعفوت، فهذا خير وأفضل، هذا خير وأفضل. قال وقال ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ "وجزاء سيئة سيئة مثلها" هذا عدل، جزاء السيئة سيئة مثلها. وإن كانت في حقيقة سيئة ثانية سيئة لأنها من باب القصاص والأخذ بالحق، لكن سميت سيئة كما يقول أهل البلاغة من باب المشاكلة، لما ذكرت السيئة ذكرت ما يقابلها بنفس اللفظ، وإن كانت الثانية ليست بسيئة في حقيقة الأمر. قال "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" هذا هو الفضل. إذا عفوت وتنازلت، فهذا فضل وأكمل. لكن هذا يكون محمودا في حق من لم يعلم منه فعل الشر، لكن حصل منه على سبيل الخطأ والزلة، وليس هذا خلقا له ولا ديدنا له، فمثل هذا يعفى عنه. لكن إذا كان إنسانا شريرا ويعلم منه الشر والسوء والأذية، فمثل هذا لا يعفى عنه، وليس من الإحسان أن يعفى عن مثل ذلك، لأن هذا سبب لزيادته في الشر، وكذلك استمراره في الأذية للناس. قال فأباح الله مقابلة الجاني بمثل جنايته، وهو العدل، ثم ندب إلى العفو، وهو الفضل. قال وكذلك جميع المعاملات، العدل فيها واجب، وهو أن تعطي ما عليك وتأخذ ما لك. والفضل فيها مستحب. قال تعالى ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ قال "وهو العفو عن بعض الحق والمحابة في المعاملة" يعني فيما يقع بين الزوجين إذا حصل بين الزوجين خصام وساءت العشرة بينهما. أو قبل ذلك يعني إذا تزوج الرجل المرأة وأعطاها المهر ثم لم يدخل بها وطلقها قبل الدخول، فهنا يكون للمرأة نصف المهر، ويكون للرجل النصف الآخر. فإذا أراد أن يتنازل عن النصف الآخر، فهذا من الفضل. أو كذلك تتنازل المرأة عن هذا النصف، وتعطي الزوج المهر كاملا، هذا معنى قوله جل وعلا ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾. قال "وهو العفو عن بعض الحق والمحابة في المعاملة". وباح تعالى أخذ الحق من الواجد في الحال، وأمر بانتظار المعسر، وهذا هو العدل. ثم ندب إلى الفضل، فقال ﴿وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ يقول أباح تعالى أخذ الحق من الواجد في الحال، الواجد الذي عنده ما يسدد به الدين. فلك أن تأخذ حقك منه في الحال، هذا من العدل. أن الذي عنده ما يسدد به الدين لا يتأخر، لا يماطل صاحب الحق. متى ما طلب منه دينه، فإنه يوفيه له ويعطيه إياه. وإذا كان معسرا، الذي عليه الدين معسر، فهنا يجب على صاحب الحق أن ينظره. يجب عليه أن ينظره كما قال الله جل وعلا ﴿فنظر إلى ميسرة﴾. قال وهذا هو العدل. وأمر بانتظار المعسر يعني من العدل أن تنظر المعسر الذي ما عنده ما يسدد به الدين. وأن تأخذ حقك من الواجد، الواجد للمال والذي يسدد به الدين، تأخذ حقك منه. والذي هو معسر تنظره وتصبر عليه، هذا من العدل. قال ثم ندب إلى الفضل، فقال ﴿وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ يعني إن تتنازل عن حقك لهذا المعسر، فهذا من الفضل، وهذا من الزيادة في الأجر والخير. أنك تعفو عنه أو تتنازل عن شيء من الدين، أو كذلك تتنازل عنه بالكلية، فهذا خير طيب. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على