كتاب الجهاد 5

الدرس في كتاب الجهاد 5، ألقاها

مقدمة في عقد الذمة ومشروعيته

عقد الذمة هو اتفاق بين المسلمين والكفار على بقاء الكفار على دينهم مقابل دفع الجزية. مشروعية هذا العقد ثابتة بالقرآن والسنة النبوية.

أحكام الجزية وشروطها

الجزية تؤخذ من الرجال الأحرار المكلفين الأغنياء القادرين على أدائها، ولا تؤخذ من النساء والصبيان والعبيد. هذه الأحكام مستمدة من القرآن والسنة.

حقوق أهل الذمة وواجباتهم

عقد الذمة يحمي أهل الذمة ويوجب عدم التعرض لهم بالأذى، كما يقام عليهم الحد إذا خالفوا أحكام الشريعة. لهم حقوق وعليهم واجبات محددة.

تفاصيل تطبيق أحكام الذمة في الحياة اليومية

أهل الذمة يختلفون عن المسلمين في بعض الممارسات اليومية مثل ركوب الدواب، حيث يركبون الحمير والإبل بطرق مميزة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله-: المسألة الثانية: عقد الذمة ودفع الجزية. قال: تعريفه: الذمة لغة: العهد، وهو الأمان والضمان. وعقد الذمة اصطلاحا: هو إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة التي حكمت بها الشريعة الإسلامية عليهم. يقولون: وإقرار بعض الكفار على كفرهم، كاليهود والنصارى ممن تقبل منهم الجزية، بمعنى أن يقروا على كفرهم، لكن مقابل دفع الجزية. وسيأتي معنى ما هي الجزية؟ الجزية يعني مال يأخذ عليهم في كل سنة مقابل إبقائهم على كفرهم، على أنهم يلتزمون بأحكام الإسلام. ولهذا قالوا: والتزام أحكام الملة، ولم يقل أحكام، ولم يقل التزام الملة؛ لأنهم إذا التزموا بالملة يصيروا مسلمين، لكنهم ليسوا بمسلمين، وإنما يلتزمون بأحكام الإسلام التي حكمت بها الشريعة الإسلامية عليهم. قد يقول قائل: هل معنى هذا أنهم يصلون ويصومون وإلى آخره؟ لا؛ لأنهم كفار، وما يقبل منهم الصلاة والصيام وغيرها. لكن يلتزمون بأحكام الإسلام، فلا يظهرون شيئا من عباداتهم عند أهل الإسلام إذا أرادوا أن يفعلوا شيئا من ذلك، فيكون على سبيل الخفية. وهكذا أيضا ما كان محرما عندهم، وهو كذلك محرم في الشريعة الإسلامية، ففعلوه، يقام عليهم الحد. من زنى منهم مثلا، يقام عليه الحد، حد الزنا، ولو كان على ملته الكفرية؛ لأن هذا حكم الشرع. وما كان عندهم حلالا، وحرام في الشريعة الإسلامية، لا يقام عليهم الحد، إلا أنهم لا يجوز لهم إظهاره. كشرب الخمر مثلا، عندهم شرب الخمر حلال، لكن عنده في الإسلام حرام، إذا شربه وأظهر ذلك، عزر، ولم يقام عليه حد شرب الخمر، لكن يعزر ويؤدب. ونحوها من أحكام الشريعة، سيأتي ذكر بعض شيء مما عليه أهل الذمة أن يلتزموه ويخالفون فيه أهل الإسلام. قال ثانيا: مشروعيته: الأصل في مشروعية عقد الذمة قوله تعالى: ﴿قاتِلِ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَلا بِاليَومِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسولُهُ وَلا يَدينونَ دينَ الحَقِّ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَدٍ وَهُم صاغِرونَ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة: «ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم... إلى قولي: فإنهم أبوا فاسلهم الجزية». والحديث في مسلم. فالله جل وعلا أمر بقتال المشركين: ﴿قاتِلِ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَلا بِاليَومِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسولُهُ وَلا يَدينونَ دينَ الحَقِّ﴾ يعني الإسلام، هو الدين الحق الذي لا يقبل الله عز وجل دينا سواه، ﴿مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ﴾، قوله: ﴿مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ﴾ من هنا لبيان الجنس، وليست للتبعيد؛ لأنه محد من أهل الكتاب يؤمن بالله واليوم الآخر. ﴿حَتّى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَدٍ وَهُم صاغِرونَ﴾ يعني إذا أعطوا الجزية فإنهم لا يقاتلون، فدلت الآية على جواز أخذ الجزية، وأخذها يكون عن طريق عقد الذمة وعقد العهد والأمان معهم. وقوله: ﴿عَن يَدٍ وَهُم صاغِرونَ﴾ يعني أذلاء، يدفعونها وهم في الصغار وذل وهوان. وقوله: ﴿عَن يَدٍ﴾ قيل: عن قوة، تؤخذ منهم على جهة القوة. وقيل: أن يأتي بها الذمي بنفسه، ما يرسل أحدا من خدمه يدفعها، يأتيه بنفسه يدفعها، حتى يكون في ذلك ذل له صغار. فدلت الآية على جواز عقد الذمة وأخذ الجزية من الكفار، وإذا فعلوا ذلك فإنهم لا يقتلون ويبقون على كفرهم. قالوا: حديث بريدة، في حديث بريدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أرسل سرية أو جيشا أمر عليهم أميرا، ثم أوصاه من معه بتقوى الله جل وعلا. ومن ذلك أن يقول له: إذا أتيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. وإن أبوا فاطلب منهم الجزية، فإن أجابوك لذلك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. فقوله عليه الصلاة والسلام: «فإن أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك لذلك فاقبل منهم وكف عنهم» يدل على مشروعية أخذ الجزية وعقد الذمة مع الكافرين. قال ثالثا: من تأخذ منه الجزية؟ قال: تأخذ الجزية من الرجال المكلفين الأحرار الأغنياء القادرين على الأداء. فالنساء لا تأخذ منهن الجزية؛ لأن النساء ضعفاء، وليس ممن يقاتل. النساء ممن لا يقتل في الحروب والمعارك، وإنما يعتبرن من الغنائم. النساء والصبيان فلهذا لا يأخذ منهن الجزية، إنما يأخذ من الرجال. فقوله: من الرجال، خرج النساء. وقول: المكلفين، خرج به غير المكلف، كما سيأتي، وهو المجنون والصبي. والأحرار، خرج منه العبيد؛ لأن العبد لا يملك شيئا، ما ملكه لسيده، فلا تأخذ الجزية من العبد المملوك. وقوله: الأغنياء القادرين على الأداء، خرج به الفقراء الذين ما عندهم شيء. قال: فلا تأخذ من العبد؛ لأنه لا يملك، فكان بمنزلة الفقير، والفقير لا تأخذ منه الجزية. قال: ولا تأخذ من المرأة والصبي والمجنون؛ لأنهم ليسوا من أهل القتال. الصبي، المرأة، والصبي، والمجنون ما يقاتلون. النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة في بعض المغازي، فقال: «ما كان لهذه أن تقاتل». وهكذا الصبي ليس من أهل القتال، ولهذا النساء والصبيان إذا انتصر المسلمون على الكفار كانوا من السبي، كانوا من السبي، ويأخذون تبعا للغنيمة، لا يقتلون. وهكذا المجنون الذي لا عقل له، ما هذا ما يقاتل، ولا يقاتل، فمثل هذا لا يقتل، ولا تأخذ منه جزية. قال: ولا تأخذ من المريض المزمن، يعني الذي عنده مرض مستمر، والشيخ الكبير، يعني الذي كبير في السن، إذا كان كافرا من الكفار، وهو كبير في السن، مثله لا شك أنه يشق عليه دفع الجزية، فلا تأخذ منه؛ لأن دماءهم محقونة، فأشبه النساء، يعني أنهم لا يقتلون، فأشبه النساء في عدم أخذ الجزية منهن، فكذلك لا تأخذ منهم الجزية. قال رابعا: موجب عقد الذمة. قال: يوجب هذا العقد مع الكفار، يعني ما الذي يترتب على عقد الذمة؟ عقد المسلمون مع الكفار عقد الذمة، ما الذي يترتب عليه؟ وما الذي لهم من الحقوق؟ قال: يترتب عليه حرمة قتالهم. فلا يجوز للمسلم أن يأتي ويقتل الذمي، إنسان ذمي من يهودي أو نصراني يدفع الجزية، وهو باق على دينه، ما يجوز لمسلم يأتي فيقتله، ما يجوز له ذلك؛ فهو بدفع الجزية يكون معصوم الدم، وإن كان ما زال على كفره. فلا يجوز قتالهم. وإذا نقضوا العهد، أمرهم إلى ولي الأمر، هو الذي يقاتلهم ويعاملهم بما يستحقون. قال: حرمة قتالهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة». والحديث في البخاري، من حديث عمر رضي الله تعالى عنه. قال: والحفاظ على أموالهم، الحفاظ على أموالهم، عندك ذمي عنده أموال وتجارة، ما يجوز أن تأتي وتعتدي على أماله؛ لأنه له حرمة، ما يجوز الاعتداء على ماله. قال: وصيانة أعراضهم، ما يعتدى على أعراضهم، ما يأتي رجل مسلم فيعتدي على امرأة من أهل الذمة ويزني بها، ويقول لها كافرة، لا؛ لها حرمة، ما يجوز. أو يرمي الذمي بالزنا أو باللواط بالقذف أيضا، ما يجوز مثل هذا. قال: وكفالة حريتهم، يعني لهم الحرية التامة كالمسلمين، فلا يضيق عليهم، وعدم إيذائهم، لا يؤذيهم بلسانه ولا بيده، ولا بأي شيء من أنواع الأذية. قال: ومعاقبة من قصدهم بأذى، معاقبة من قصدهم بأذى. وهذه المعاقبة بغير القتل، حتى لو أن المسلم قتل ذميا، ما يقتل المسلم بالكافر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل المسلم بكافر»، لكنه يجب عليه دفع الدية. لكن إذا آذى الذمي، فيعاقب ويعزر بما يستحق، ويكون ذلك بغير القتل. قال: ومعاقبة من قصدهم بأذى. وهكذا أيضا يقام عليهم الحد كما سمعنا، فيما يعتقدون تحريمه، إذا زنى أحد منهم، والزنا عندهم محرم، فإنه يقام عليه حد الزنا. وما لم يكن محرما، فإنه لا يقام عليهم الحد، لكن يمنعون من إظهاره، وإذا أظهروه عزروا. وكذلك أيضا جاء في عقد الذمة الذي عقده عمر رضي الله عنه مع أهل الذمة، كما ذكر ابن القيم -رحمه الله- بكتاب أحكام أهل الذمة: كان مما عقده عليهم أن يتميزوا عن المسلمين. ومن ذلك أنه أمرهم أن يحلقوا مقدمة رؤوسهم، وكذلك أيضا أن يربطوا على وسطهم الزنار. وهكذا أيضا لا يركبون الخيل؛ لأن الخيل عدة القتال، وإنما يركبون الإبل والحمير، ويركبونها بغير سرج، يركبونها بالإكاف، الإكاف مثل المخدة توضع تحت الراكب، ولا يركبونها مثل المسلمين، وإنما يكونون على أحد الجانبين، إما عن الجانب الأيمن وإما عن الجانب الأيسر، حتى يتميزوا عن المسلمين. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على