الدرس في التعليق على لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع عقيدة أهل السنة في رؤية المؤمنين لله يوم القيامة رؤية عينية حقيقية، مستدلاً بالآيات والأحاديث المتواترة. ويؤكد أن الرؤية بصرية لا قلبية، ويثبت صفة النزول لله بلا كيف.
يبين المقطع أن الصلاة بخاصة الفجر والعصر والدعاء بلذة النظر إلى وجه الله من أعظم الأعمال الموصلة لرؤية الله في الجنة. ويحذر من الصوارف كالنوم والسهر التي تفوت الصلاة بخشوع.
يستعرض المقطع أدلة صفة النزول من الأحاديث المتواترة وموقف أهل السنة في إثباتها بلا تشبيه ولا تعطيل. ويفند قصة مختلقة نسبت إلى ابن تيمية تشبيه نزول الرب بنزول المخلوقين.
يؤكد المقطع تمسك أهل السنة بإثبات صفات الله كما تليق بجلاله، ثم يعلن انتهاء شرح البيت الحالي. ويشير إلى استئناف الأبيات التالية في الدرس القادم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال شيخ الإسلام رحمه الله في المنظومة المنسوبة إليه اللامية: «والمؤمنون يرون حقا ربهم، وإلى السماء بغير كيف ينزلوا». هذا البيت ذكر فيه الناظم رحمه الله عقيدة أهل السنة والجماعة في إثبات رؤية الله عز وجل، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانا رؤية حقيقية. والثاني في هذا البيت أثبت الناظم رحمه الله صفة النزول لله عز وجل. فذكر في هذا البيت عقيدتين لأهل السنة والجماعة. فقال: «والمؤمنون» أي بربهم، أهل الإيمان بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. يعتقد هؤلاء أنهم يرون حقا ربهم، أن يرونه رؤية حقيقية بالأبصار، فهذا معنى قوله «حقا». وكما هو مقرر أن أهل السنة والجماعة يأخذون عقيدتهم من الكتاب والسنة، فقد دل الكتاب والسنة على تقرير هذه المسألة: رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة. وقد ورد في ذلك أدلة كثيرة، منها قول الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. «ناظرة» يعني من النظارة، ومن كذلك حسن الوجه. «إلى ربها ناظرة» من النظر، يعني إلى الله عز وجل ناظرة بأبصارها. وقال الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. قد جاء في صحيح مسلم من حديث صهيب عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل. وهكذا في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، فقد جاء عن جمع من المفسرين أن المراد بالمزيد ها هنا النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. وهكذا من أدلة هذه العقيدة من القرآن قول الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. أي الكفار يحجبون عن رؤية الله عز وجل. فهذا الحجب في حق الكفار، حجبهم بصخطه عليهم، فالمؤمنون لا يحجبهم، بل يكرمهم، يكرمهم سبحانه وتعالى وذلك برؤيتهم إياه. فالذي يقول: الكل محجوبون عن رؤية الله، المؤمن والكافر، وهم المعتزلة ومن نحا نحوهم من الأشاعرة وغيرهم، فالذي يسوي في حجب الرؤية عن الله عز وجل بين المؤمنين والكافرين، فهذا سوى بينهم، سوى بين المؤمن والكافر. فإذا ما فائدة هذا الحجب عن الكفار إذا كان أيضا المؤمن لا يرى ربه؟ ما هي الفائدة من قول الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ أي الكفار. فدل ذلك على أن المؤمنين لا يحجبون بل يرون ربهم، فالله عز وجل يكرمهم بذلك. فلذلك استدل أهل العلم وأهل السنة بهذه الآية على هذه المسألة: رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة. وأما الأحاديث، أحاديث الرؤية، فهي كثيرة جدا، بل عدت أحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة. ما هو الحديث المتواتر؟ هو الذي رواه جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب. فرويت أحاديث الرؤية عن جماعة كثيرين من الصحابة وغيرهم، كما جمعت هذه الأحاديث المتواترة في بيت يذكره أهل المصطلح، من يذكر هذا البيت: «ومن بنى لله». وهذه بعض مما تواتر: «حديث من كذب، ومن بنى لله بيتا، واحد سب، ورؤية، شفاعة، والحوض، ومسح قفين». هذه بعض مما تواتر من تلك الأحاديث، أحاديث الرؤيا. فمنها ما جاء في الصحيحين وهو أشهرها: حديث جرير البجلي رضي الله عنه قال: كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ننظر إلى القمر ليلة أربعة عشر، فقال: «إنكم سترون ربكم عيانا». هذه اللفظة قطعت دابر من يفسر الرؤيا بالرؤية القلبية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عيانا». ولو كانت الرؤية قلبية وليست بصرية لما قال: «عيانا». صحيح. ففي هذا الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب الصحابة: «إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا» أي القمر، «لا تضامون في رؤيته». فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. والحديث كما تقدم في الصحيحين. وقوله: «إنكم سترون ربكم عيانا» فيه إثبات الرؤيا. وليس في قوله: «كما ترون القمر» تشبيه الرائي بالمرئي، أو تشبيه الله عز وجل بالقمر، وإنما المراد تشبيه الرؤية بالرؤية. فكما أنكم ترون رؤية القمر واضحة جلية، كذلك ترون ربكم رؤية واضحة جلية. فالقمر إذا كان واضحا ما يحتاج إلى أن ينضم بعض المشاهدين إلى بعض حتى يؤكد أو يدل بعضهم على بعض هذه الرؤية أبدا، وكل واحد يراه بمفرده، بمفرده، بمفرده. وفي آخر هذا الحديث دليل على أن رؤية الله عز وجل تحتاج إلى عمل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن استطعتم ألا تغلبوا» يعني لا يغلبكم شيء على صلاة، يعني يغلبكم بحيث أنكم تتركون هاتين الصلاتين. فالمراد بصلاة قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، وقوله قبل الغروب المراد بها صلاة العصر. وهاتان الصلاتان من أعظم الصلاتين، فصلاة العصر هي الصلاة الوسطى. ففيه هذا المعنى: أن رؤية الله عز وجل تحتاج إلى عمل، ومن أعظم تلك الأعمال التي بها ينال المؤمن هذه الكرامة العظيمة الصلاة، الصلاة. فلا يغلبك عنها شيء. كثير من الناس اليوم يغلبون على الصلاة إما بنوم، لأن هذه الصلوات الغالب تقع بعد راحة الناس. فالفجر ينام الإنسان قبلها، وكذلك العصر قد ينام الإنسان قبلها. فلا يغلبك النوم عن أداء هذه الصلاة. «فإن استطعتم ألا تغلبوا» يعني لا يغلبكم شيء، لا نوم ولا غيره، لا نوم ولا غيره. فانظر في هذه الأزمان، هناك صوارف كثيرة تغلب كثيرا من الناس عن أداء هاتين الصلاتين وغيرها من الصلاوات. فذاك الذي يسهر ليلة على شاشات التلفاز، أو على المراسلات بالواتساب، أو غيرها من وسائل التواصل كما يسمونها، فهذه أيضا تدخل في هذا المعنى. فينبغي على المسلم أن لا يشغل عن الصلاة بشيء. أنت إذا سهرت إلى وقت متأخر من الليل يشق عليك أن تقوم لصلاة الفجر، وإذا قمت ستؤدي هذه الصلاة بكسل وعدم طمأنينة وتدبر وخشوع لأنك متعب وتحتاج إلى شيء من الراحة والنوم. لكن إذا نمت مبكرا قمت نشيطا، ربما قبل صلاة الفجر بساعة أو نحوها، وصليت ما يسر الله لك من قيام الليل، وأدركت ذلك الوقت المبارك، ودعوت الله واستغفرت وتقربت إلى ربك سبحانه وتعالى. فاحذر يا طالب العلم أن تغلب عن صلاة قبل طلوع الشمس وهي صلاة الفجر، وصلاة قبل غروبها وهي صلاة العصر، وهي صلاة العصر. ورؤية الله عز وجل قرنت في غير هذا الحديث بالصلاة، ليدل ذلك على أن من أعظم أسباب نيل هذه أو هذا النعيم الصلاة. ففي قول الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، و﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾. ماذا بعدها؟ ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾. لما ذكر آيات الرؤية، رؤية المؤمنين لربهم، وعذاب الكافرين بسوء وجوههم، بيّن أن سبب عذاب هؤلاء الكافرين أنهم كانوا لا يصلون: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾. فقرنت هنا بالصلاة. لما ذكرت آيات الرؤية وآيات عذاب الكافرين، بيّن أن سبب عذاب الكافرين أنهم كانوا ما يصلون. فدل ذلك على أن المؤمنين نالوا هذه الكرامة وذاك النعيم بصلاتهم. وآية في الحديث الطويل الذي هو عند النسائي وعند الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني في صحيح النسائي، وفي الجامع الصحيح. كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء في الصلاة، وهو حديث طويل. وفي هذا الحديث: «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة». هذا الدعاء جزء من دعاء عظيم وكذلك طويل، وفيه هذا: «أسألك لذة النظر إلى وجهك». وهذا فيه كذلك أن من أسباب نيل هذا النعيم الدعاء، أن تدعو الله أن يمن عليك بهذا النعيم: النظر إلى وجهه. فإن النظر إلى وجه الله عز وجل من أعظم وأجل نعيم الجنة. دل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث صهيب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ أي شيء ستزيدنا ونحن في هذا النعيم؟ فيكشف الحجاب» أو «فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم». فنسأل الله بمنه وكرمه أن يمتعنا بلذة النظر إليه يوم نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. فإذا ذكرنا سببين من أسباب نيل هذا النعيم: الصلاة والدعاء، فهذا من أعظم نعيم الجنة. ولذلك كان السلف الصالح يدعون الله عز وجل أن يبلغهم هذا النعيم، فقام في قلوب أهل الإيمان طمع عظيم ورجاء ودعاء، اقتداء بنبيهم عليه الصلاة والسلام، فلقد كان يسأل ربه لذة النظر إلى وجهه. فحرم منكر الرؤية من هذا النعيم. تصور في ذاك الذي لا يؤمن بأنه يرى ربه يوم القيامة، ما أعظم ومن حرمان! ما أعظم ومن حرمان! الله عز وجل يبين أنه يرى، وهم يقولون: لا، الله ما يرى. فحرموا أنفسهم هذا النعيم المقيم، وهذا الأمر الذي هو أعظم وأجل نعيم أهل الجنة، كما ورد في هذا الحديث. ثم قال: «وإلى السماء بغير كيف ينزل». كما تقدم، هذا فيه إثبات صفة النزول لله عز وجل. وكما قد تقدم معنا أن الأسماء والصفات توقيفية، لا تثبت إلا بأدلة الكتاب والسنة. وقد وردت هذه الصفة صفة فعلية لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى. فقوله: «وإلى السماء بغير كيف ينزل». حديث النزول جاء عن ثمانية وعشرين صحابيا، جاء عن ثمانية وعشرين صحابيا، ذكرهم ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة. وأشهرها حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟». وثبت كذلك نزول الرب في عشية عرفة، وغير ذلك مما ثبت من أحاديث النزول. فذكر العلماء أيضا أنه حديث متواتر، حديث متواتر، ورد عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجبير بن مطعم، ورفاعة بن عرابة الجهني، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وخلق سواهم، كما ذكر ذلك ابن القيم. وهناك كتاب لابن عبد الهادي اسمه «حديث النزول»، وشيخ الإسلام بن تيمية له كتاب اسمه «شرح حديث النزول». فهو ثابت سواء كان في ثلث الليل، أو في يوم عرفة، أو في ليلة النصف من شعبان على من يصحح هذا الحديث، وغير ذلك مما ثبت من أحاديث نزول الرب سبحانه وتعالى. فأهل السنة يثبتون هذه الصفة كغيرها من الصفات، كغيرها من الصفات الثابتة لله عز وجل، كصفة الكلام، وصفة الضحك، وصفة كذلك المجيء، ونحو ذلك مما جاء في الكتاب أو كذلك في السنة. وخالف في ذلك كما هو معلوم أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وفسروا تلك الأحاديث على غير ظاهرها، فحرفوها. فادعى هؤلاء أن الله لا ينزل بنفسه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. قالوا: إنما ينزل ملك. «ينزل ربنا» يعني ينزل، قالوا: هناك مضاف محذوف، يعني ينزل ملك ربنا إلى السماء الدنيا. والحديث يرد عليهم، الحديث يرد عليهم. فكيف الملك يقول: «هل من داع فأستجيب له»؟ هل الملك يستجيب؟ ها. «هل من مستغفر فأغفر له»؟ هل الملك يغفر؟ ها. هؤلاء أصحاب أهواء، ما يهمهم إلا أن يعتقدوا هذه العقائد الفاسدة، ولو أدى ذلك إلى المخالفة الظاهرة الصريحة للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة. وهكذا بعضهم يقول: ينزل ربنا، ينزل مثلا أمره ورحمته. فيفسرون الرب بأمر الرب، يقولون: هناك مضاف محذوف، ينزل أمر ربنا، أو تنزل رحمة ربنا. وأيضا الحديث يرد عليهم. أولا: يقال لهم: هل أمر الله ورحمة الله ما تنزل إلا في الثلث الأخير من الليل؟ فقد حجرتم واسعا. أمر الله ورحمة الله تنزل في أي وقت، يرحم عباده في كل وقت وحين، وليس في هذا الوقت فحسب. هذا أولا. ثانيا: يقال لهم أيضا ما تقدم: هل الأمر والرحمة تقول وتخاطب العباد: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟» هل الأمر والرحمة تتكلم بذلك؟ إنما هو الهوى والعياذ بالله. فأهل السنة وفقهم الله لإثبات هذه الصفة كما أثبت غيرها من الصفات الأخرى. هناك قصة مكذوبة على شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في التشبيه، تشبيه النزول بنزول المخلوقين. لأن معنى قول الناظم: «بغير كيف ينزل» يعني ما نشبه نزول الرب بنزول المخلوق. فالكيفية لا يعلمها إلا الله، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. فنثبت المعنى، معنى النزول في اللغة، ولا نخوض في الكيفية. فهنا هناك قصة مكذوبة على شيخ الإسلام ابن تيمية، ذكرها بعض أهل الأهواء، يشوشوا ويشوهوا صورة هذا الإمام، ومن أجل أن يغرروا بالناس لقبول باطلهم. تقول هذه القصة: أن الرحالة ابن بطوطة لما دخل دمشق، رأى شيخ الإسلام يحدث الناس على المنبر، فذكر لهم حديث النزول، ثم قال: «ينزل ربنا كنزول هذا»، ونزل من على المنبر، ونزل من على المنبر. وهذه القصة مكذوبة على شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله لأمرين اثنين يدل على بطلانها: الأمر الأول: أن أهل العلم ضبطوا التاريخ الذي دخل فيه ابن بطوطة إلى دمشق، فتبين أن ابن بطوطة دخل دمشق في الوقت الذي كان شيخ الإسلام مسجونا في القلعة، كان مسجونا. وهذا السجن هو السجن الأخير الذي مات فيه. فمعنى ذلك أنه لما دخل ابن بطوطة كان شيخ الإسلام قد اعتزل الناس وذلك في سجنه، ولم يخرج من السجن إلا ميتا. فمتى حدث الناس بهذا وهو في السجن؟ ابن بطوطة على أساس أنه حدث الناس وهو في المسجد وعلى المنبر، فهذا يدل على بطلان هذه القصة. هذا أولا. ثانيا: المتتبع لكلام شيخ الإسلام بن تيمية في كتبه، ومنها شرح حديث النزول، ذكر فيه أو أنه يقول عند شرحه لهذا الحديث: يقول «ينزل ربنا لا كنزولنا». هكذا ضبطت له عبارات رحمه الله تعالى بهذا: «ينزل ربنا لا كنزولنا». فهو ينفي التشبيه والكيفية رحمه الله تعالى. فكيف يعتمد على هذه القصة المكذوبة ويترك صريح كلامه في كتبه؟ هذا دليل الهوى والعداوة على علماء السنة. وهذا هو ديدن كل عدو ومبطل، إذا عجز عن الحجة لجأ إلى الكذب والافتراء، كما فعل بشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فعلماء السنة قاطبة أثبتوا ما أثبته الكتاب والسنة من صفات الله عز وجل. فتبين بذلك أن أهل السنة على هذا: ثبوت هذه الصفة لله عز وجل كما يليق بجلاله. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا البيت، ونستأنف إن شاء الله في الدرس القادم بالأبيات التي بعده. والله تعالى أعلم.