الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 28، ألقاها
يُناقش أهمية التورع عن الإجابة على الأسئلة التي ليس لها دليل من الكتاب أو السنة، ويستشهد بأقوال السلف في هذا السياق. يُظهر أن الورع عن الإجابة في مثل هذه الحالات يُعد من العلم والفضل.
يتناول التحذير من الطلاق البدعي وأهمية اتباع الكتاب والسنة في الأحكام الشرعية، ويذكر أمثلة للعلماء الذين كانوا يتورعون عن الإجابة برأيهم الشخصي. كما يحذر من التوسع في القياس الذي قد يؤدي إلى تحليل الحرام أو تحريم الحلال.
يُشير إلى أهمية الورع في الفتوى، حيث يجب على الشخص أن يسكت إذا لم يكن لديه دليل من الكتاب أو السنة، ويُوصى بتحويل الأمر إلى من هو أعلم منه في حالة عدم اليقين. يؤكد على الاعتماد على النصوص الشرعية والآثار عن الصحابة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف من الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله: باب التورُّع عن الجواب فيما ليس فيه كتابٌ ولا سنة. قال: أخبرنا عمر بن عون عن خالد بن عبد الله عن عامر عن ابن مسعودٍ وحُذيفة أنهما كانا جالسين، فجاء رجلٌ فسألهما عن شيء، فقال ابن مسعود لحُذيفة: لأي شيء ترى يسألوني عن هذا؟ قال: يعلمونه ثم يتركونه. فأقبل إليه ابن مسعود فقال: ما سألتمونا عن شيءٍ من كتاب الله تعالى نعلمه أخبرناكم به، أو سنةٍ من نبي الله صلى الله عليه وسلم أخبرناكم به، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِمَا أَحْدَثْتُمْ. هذا الباب باب التورُّع عن الجواب فيما ليس فيه كتابٌ ولا سنة، يعني إذا سُئلَ الإنسان، ومن هو من أهل العلم، عن شيءٍ أو مسألةٍ ليس عنده جواب فيها من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الذي ينبغي أن يتورَّع عن الجواب، فيقول: الله أعلم، اسألوا من هو أعلم مني، اسألوا غيري، فلا يجيب بشيء ليس عنده فيه دليل من كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهذا إذا كان من أهل العلم ممن هو أهل للسؤال والفتوى، وإذا كان دون ذلك كطالب علم أو مبتدئ، فهذا من باب أولى أنه لا يجيب، ولا ينبغي أن يسأل، لا ينبغي أن يسأل، يسأل من كان معروفاً بالعلم. والله عز وجل يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وإذا سُئل من كان من أهل الذكر والعلم والفضل، وليس عنده جواب من كتاب الله وسنة رسوله، فالورع أن لا يجيب، الورع أن لا يجيب. والورع في مثل ذلك أمر مطلوب، الورع عن الإجابة والفتوى فيما ليس فيه دليل من كتاب الله وسنة رسوله، لا يدل على نقص هذا السائل وعدم علمه، بل هذا من علمه، هذا من علمه ومن فضله، أنه يتورع عن الجواب في مثل ذلك. وجاء في كتاب الزهد للإمام أحمد رحمه الله عن الحسن أنه قال: «أفضل العلم الورع والتوكل»، أفضل العلم الورع والتوكل. فالورع من العلم، كونك تتورع عن الإجابة عن مثل ذلك في شيء ليس عندك فيه دليل من كتاب أو سنة، هذا من العلم. وهكذا ترك المشتبهات والأمور التي ليست يعني بواضحة بينة، فيتورع الإنسان عن أخذها وعن استعمالها، إلى آخر ذلك في جميع الأبواب والمسائل، فهذا أيضا من العلم. وذكر كذلك الإمام أحمد رحمه الله في كتابه الزهد عن الضحاك بن مزاحم رحمه الله أنه قال: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَتَعَلَّمْ إِلَّا الْوَرَعِ، يعني هذا يبين أهمية الورع، حتى إنهم كانوا يتعلمونه، يتعلم كيف الورع وكيف يتورع عن الأمور المشتبهة، فضلا عن الأمور المحرمة الواضحة البينة التي يجب اجتنابها والابتعاد عنها. إنما الورع في الأمور التي يتكون فيها اشتباه، وربما لا يعلم حكمها، فيتورع عن الغوص فيها أو الخوض فيها. فذكر رحمه الله جملة من الآثار في هذا الباب مما يدل على التورع عن الجواب مما ليس فيه دليل من كتاب الله أو سنة رسوله. فذكر في أول هذا الباب أثر ابن مسعود وحذيفة أنهما كان جالسين، فسألهما رجل عن شيء، فقال ابن مسعود لحذيفة: لأي شيء ترى يسألوني عن هذا؟ فقال: يعلمونه ثم يتركونه، يعني يعلمون هذا الشيء ثم يتركونه، فلا يعملون به. فأقبل إليه ابن مسعود فقال: ما سألتمون عن شيء من كتاب الله نعلمه أخبرناكم به، أو سنة رسول الله، أو سنة من نبي الله صلى الله عليه وسلم أخبرناكم به، يعني سألتمون عن شيء في كتاب الله أو في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام تريدون جوابه أخبرناكم به، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِمَا أَحْدَثْتُمْ، يعني من أمور محدثة وأخطاء تقعون فيها، ليس فيها شيء ورد في الكتاب والسنة. سيأتي ذكر بعض الأمثلة في بعض الآثار، سيذكرها المؤلف رحمه الله. ومن ذلك مثلاً الزيادة في الطلاق، الذي جاء في الكتاب والسنة أن الطلاق ماذا؟ ثلاث، طلقتان رجعيتان، والطلقة الثالثة بائنة، كما سيأتي. فإذا طلق خمساً أو ستاً أو ثمانية، هذا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ونحو ذلك من مثل هذه الأمور. قال رحمه الله: وأخبرنا أبو نعيم وهو الفضل من دكين، قال: حدثنا المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله، وهو مختلط اختلط، لكن رواية الكوفيين عنه صحيحة، رواية الكوفيين عنه صحيحة. ومن روى عنه ببغداد فترد روايته؛ لأنه تعد روايته عنه بعد الاختلاط. إذا كان الراوي عنه ببغداد، فروايته عنه بعد الاختلاط، فغير مقبولة. وإذا كان الرواية عنه في الكوفة فهي صحيحة، كما ذكر الإمام حجر رحمه الله في التهذيب. وذكر نحو ذلك أيضاً الإمام محمد كما في شرح علاة الترمذي. وأبو نعيم كوفي، فروايته عنه صحيحة، يعني قبل الاختلاط. قال: عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة، وهو الهلال الكوفي ثقة، قال: ما خطب عبد الله خطبة بالكوفة إلا شهدتها، فسمعته يوماً وسئل عن رجل يطلق امرأته ثمانية وأشباه ذلك، قال: هو كما قال، ثم قال: «إن الله أنزل كتابه وبيَّن بيانه، فمن أتى الأمر من قبل وجهه فقد بيِّن له، ومن خالف فوالله ما نطيق خلافكم». والأثر حسن. ويريد بهذا أن الله عز وجل بيَّن في كتابه كثيراً من الأحكام والشرائع والواجبات والفرائض، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام في سنته. والواجب أن المسلم يتقيد بالكتاب والسنة. ومن أتى الأمر من قبل وجهه، يعني من جهاته الشرعية التي جاء بيانها في الشرع، فقد بُيِّن له، يعني الحكم حكمه واضح في كتاب الله وفي سنة رسوله. ومن خالف ما في كتاب الله وما في سنة رسوله، فهذا قد خالف الحق الذي ينبغي أن يعمل به وأن يأخذ به. فقال: «فوالله ما نطيق خلافكم»، يعني كأنه يتورَّع أن يجيبه في هذه المسألة التي فعلها، ليست في كتاب الله ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأن الطلاق جاء في الشرع ثلاثاً، الطلاق ثلاث طلقات، الطلاق مرتان، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فالمشروع أن الرجل إذا طلق إمرأته يطلق طلقة واحدة، ثم يراجعها إذا شاء، فإذا راجعها طلقها الثانية إذا أراد، ثم له أن يراجعها قبل انتهاء العدة، فإذا راجعها له الطلقة الثالثة، فإذا طلق حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره. أم من يطلق خمساً أو ستاً أو ثمانية، هذا طلاق بدعي، ليس بكتاب الله ولا بسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: وأخبرنا الأبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عبد الملك ابن ميسرة، قال: سمعت النزال ابن سبرة، قال: شهدت عبد الله يعني ابن مسعود، وأتاه رجل، فسأله عن تحريم امرأة، فقال: «إن الله قد بين، فمن أتى الأمر من قبل وجه فقد بين، ومن خالف فوالله ما نطيق خلافكم». قال رحمه الله: وأخبرنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا حفص عن أشعث عن ابن سيرين أنه كان لا يقول برأيه إلا شيئاً سمعه. وهذا الأثر صحيح، أنه كان لا يقول برأيه إلا شيئاً سمعه، يعني من كتاب الله أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. أما شيء لا يعلمه من كتاب الله أو سنة رسوله، فإنه كان يتوقف ويتورع عن أن يجيب فيه. وابن سيرين، محمد بن سيرين، من أئمة التابعين، ويروي كثيراً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: وأخبرنا عبد الله بن سعيد، وهؤلاء يعني علماء وأئمة، ومع ذلك تورعون عن الجواب في مثل هذه المسائل، ليس هذا عن قصور وعن جهل، لكن عن خشية وخوف من الله جل وعلا. قال: وأخبرنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا عثام عن الأعمش، قال: ما سمعت إبراهيم يقول برأيه في شيء قط، يعني إبراهيم النخعي يقول: ما سمعت إبراهيم يقول برأيه في شيء قط، يعني كان لا يجيب إلا بآية أو حديث، إلا بآية من كتاب الله أو بحديث عن سنة من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يتجنب أن يقول برأيه. قال: وأخبرنا أبو النعمان، قال: حدثنا أبو عوانة عن قتادة، قال: ما قلت برأيي منذ ثلاثون سنة. قال أبو هلال: منذ أربعون سنة. قتادة بن دعامة أبو الخطاب السدوسي يقول: قتادة رحمه الله ما قلت برأيي منذ ثلاثون سنة، يعني كان لا يتكلم إلا بعلم، لا يتكلم إلا بما في كتاب الله وسنة رسوله، ولا يقول برأيه إذا لم يعلم يعني شيئا أو سئل عن شيء ليس فيه دليل من كتاب الله وسنة رسوله، فإنه يمسك رحمه الله عن الجواب. قال: وحدثنا مخلد بن مالك، قال: حدثنا حكام بن سلم عن أبي خيثمة عن عبد العزيز بن الروفيع، قال: سئل عطاء عن شيء، قال: لا أدري. قال: قيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني أستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي. وهذا الأثر صحيح. قال: سئل عطاء عن شيء، قال: لا أدري، قيل له: ألا تقول برأيك؟ يعني أنت الآن ما تعلم فيها شيء من الكتاب والسنة، لكن ماذا ترى؟ قل برأيك أن هذا يصح أو لا يصح، يجوز أو لا يجوز. ثم قال: «إني لأستحي من الله أن يدان في الأرض برأيه»، يعني لو أجاب برأيه، السامع والسائل سيأخذ جوابه ويتعبد لله به، بماذا؟ برأيه، ما هو أدري على هذا، هذا رأيي. عطاء يقول: أستحي من الله أن يتعبد في الأرض برأيه، يعني ليس عنده فيه أثر من كتاب الله أو سنة رسوله، فكره رحمه الله أن يجيب برأيه. قال: وأخبرنا إسماعيل بن أبان، قال: أخبرني حاتم هو ابن إسماعيل عن عيسى عن الشعبي، وحاتم ابن إسماعيل فيه كلام، وعيسى هو ابن أبي عيسى متروك، قال: عن الشعبي وهو عامر ابن شرحبيل الإمام، قال: جاءه رجل يسأله عن شيء، فقال: كان ابن مسعود يقول فيه كذا وكذا، قال: أخبرني أنت برأيك؟ قال: «ألا تعجبون من هذا؟ أخبرته عن ابن مسعود ويسألني عن رأيي؟ وديني عندي آثر من ذلك، والله لأن أتعنى بعنية أحب إلي من أن أخبرك برأيي». هذا الأثر ضعيف، وإن كان ضعيف لكن معناه صحيح. وهذا فيه أيضا أن جواب العالم قد يكون بآية أو حديث، أو كذلك أيضا بأثر عن الصحابة، عن الصحابة إذا كان هناك شيء مما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم، فإنه يقال به ويستانس به. فإن لم يكن، فالورع أن يمسك. قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا حاتم هو بن إسماعيل عن عيسى عن الشعبي، قال: «إياكم والمقايسة، والذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم عن من صحب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاعملوا به». وهذا الأثر أيضا ضعيف، لكن معناه صحيح. «إياكم المقايسة» يعني الأخذ بالقياس، والقياس من الرأي، القياس من الرأي. وكان كثير من أهل الكوفة ممن يقول بالرأي ويذهب إلى القياس، فكان يحذر رحمه الله من ذلك، من الأخذ بالقياس، ليس يعني من باب رده بالكلية، لكن عدم التوسع فيه، عدم التوسع فيه؛ لأن التوسع في القياس سيعمل الإنسان برأيه، ويرد النصوص بسبب القياس، وهذا خطأ وقع فيه كثير ممن غلب جانب الرأي من أهل الرأي، فوقعوا في مخالفة النصوص بسبب آرائهم وأقيستهم التي قاسوها مع وجود النصوص. والقياس مع وجود النص قياس فاسد الاعتبار. ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: «أكثر خطأ الفقهاء من باب المجمل والقياس»، في باب المجمل والقياس، وذلك أنه في باب المجمل إذا رأى كلمة فيها إجمال، جاء يبينها من عنده، فيقع في الخطأ. وفي باب القياس يقيس مع وجود النص، ربما أن النص خفي عليه، فيأتي ويقيس قبل أن يبحث عن النص الذي ورد في الكتاب أو السنة، فيقع في الخطأ. ومراده بذلك التوسع في هذا الباب، وإلا فالقياس دليل من الأدلة الشرعية التي يصار إليه عند عدم وجود دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإنه بعد ذلك يصار إلى القياس إذا وجدت أو توفرت شروطه. لكن المراد من هذه الآثار ونحوها ذم التوسع في باب القياس، فيقيس مع وجود النصوص، فيقع في الخطأ، فكما قال: ربما يحل الحرام أو يحرم الحلال بسبب قياسه الخاطئ. وحث على الأخذ بما ورد في الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وهذا فيه أيضا إشارة إلى الورع، إذا لم يكن عنده دليل من كتاب أو سنة، فالورع أن يسكت، وأن لا يجيب، ويحيل الأمر إلى من هو أعلم منه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.