الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 31، ألقاها
يتناول هذا الفصل كراهية السلف للإجابة عن أسئلة لم تقع بعد، مستدلاً بآثار ابن عمر وزيْد بن ثابت الأنصاري وتشديد عمر بن الخطاب على ذلك. يُظهر هذا الموقف تحذير السلف من الخوض في أمور لم يحن وقتها.
يناقش هذا الفصل رأي السلف في التعامل مع الأسئلة المستقبلية، حيث يُشترط أن يكون السؤال لغرض التعلم وليس لمعرفة جواب لمسألة لم تقع بعد. كما يحذر من تتبع الرخص وتساؤل المتعنتين لإظهار خلاف العلماء.
يستعرض هذا الفصل أمثلة من القرآن الكريم على كيفية التعامل مع الأسئلة المختلفة، مثل السؤال عن الشهر الحرام والمحيض. كما يبين فضيلة الصحابة في الاقتصار على السؤال عن الأمور النافعة فقط وانتقاد من يطرح مسائل لم تقع.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب كراهية الفتيا. قال أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا حماد بن يزيد المنقري، قال حدثني أبي، قال: جاء رجل يوما إلى ابن عمر فسأله عن شيء لا أدري ما هو، فقال له ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن. هذا الباب ترجمه رحمه الله بقوله: باب كراهية الفتيا، كراهية الإفتاء وإجابة السائل إذا كان السؤال عن شيء ليس فيه نفع، أو عن شيء لم يقع بعد. فإذا كان كذلك، فيكره في هذه الحالة أن يجاب، أو هكذا أيضا تشدق في السؤال. وسيذكر رحمه الله في هذا الباب بعض الآثار التي تدل على هذا المعنى من كراهية السلف إجابة من سأل عن أشياء لا تنفع أو أشياء لم تقع. فذكر أثر ابن عمر، والأثر صحيح. وصحح الشيخ الألباني رحمه الله: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن شيء، قال: لا أدري ما هو، يعني القائل يزيد المنقري، وكأنه سأله عن شيء لم يقع، فقال ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن، يعني لا تسأل عن شيء لم يقع بعد ولم يحصل، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن، يعني أنه كان يشدد في ذلك حتى يسب من سأل عن شيء لم يكن ولم يقع. والذي ينبغي للسائل إن سأل أن يسأل عن الشيء الذي ينتفع به، عنده مسألة يحتاج لأن يعرف جوابها، حادثة حصلت يريد يعرف الحكم فيها، ونحو ذلك من الأسئلة النافعة التي ينتفع بها. أما أشياء يسأل عنها لم تحدث ويتخيلها ويعني يجعل لها رأيا وفكرا أنها لو حدثت كذا ما الذي سيحصل لو أنه كذا، فيسأل عن هذا الشيء وهو غير موجود ولم يقع، فهذا كما سمعنا كريه عند السلف. قال أخبرنا الحكم بن نافع، قال أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول: إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم والذي يرى، وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. والسند صحيح إلى الزهري. قال: بلغنا أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ يعني هل وقع؟ هل حصل؟ هل حدث هذا؟ إن قالوا: نعم، حدث فيه وأجاب وأفتى، وإن قالوا: لم يكن، قال: ذروه حتى يكون، يعني أتركوا السؤال عنه حتى يقع ويحصل، فإن حصل بعد ذلك أجبنا عنه وبينا حكمه. قال واخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا أبو هشام المخزومي، قال حدثنا أهيب، قال حدثنا داود عن عامر، قال: سئل عمار بن ياسر عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: دعونا حتى تكون، فإذا كانت تجشمناها لكم. وهذا الأثر صحيح. هذا أيضا عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه ما سئل عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعد؟ هل وقع وحصل؟ قالوا: لا، قال: دعونا حتى تكون، يعني دعوا السؤال عنها ودعوا سؤالنا ومعرفة الجواب منا حتى تكون وتقع، فإذا كانت وحصلت ووقعت تجشمناها لكم. وهذا كما ذكرنا بالدروس الماضية، إذا كان مجرد السؤال يسأل به الشخص أو كذلك أيضا يعني يتوقع هذه المسألة. أما إذا كان على سبيل التعلم، إذا كان على سبيل التعلم كطالب علم يسأل حتى يعرف الجواب وهو في جلسة حلقة علم وفي مجلس علم، فذكر شيء من المسائل فطر على بال هذه المسألة لمعرفة جوابها، فهذا قد يجاب، هذا يجاب. أما على سبيل معرفة جواب مسألة لم تكن ويخشى إن جوبه أن يفعل مسألة عنه، فهذا لا يجاب. وهذا الذي كرهه السلف، مثل هذه المسائل. وهكذا أيضا قد تكره الفتيا على إذا كان السائل ممن عرف منه التعنت وإرادة ضرب قول العلماء بعضهم ببعض، هذا يفعله بعض المغرضين، يأتي إلى هذا العالم فيسأله ثم يذهب إلى الآخر فيسأله، فإذا أجابه قال: لكن فلان يقول كذا، فيظهر أن أهل العلم مختلفين وأن أقوالهم متناقضة، حتى يعني يسقط من هيبة أهل العلم ومن الثقة بهم أمام الناس، مثل هذا ما يجاب، مثل هذا لا يجاب. أو كذلك أيضا إذا علم منه تتبع الرخص، هذا أيضا مثله لا يجاب، ولا يجوز الإنسان أن يسأل لأجل تتبع الرخص، يسأل هذا ويسأل هذا لعله أن يجد من أحد أهل العلم من يرخص له فيما يريد أن يفعله. ومن تتبع الرخص كما قال بعض أهل العلم: تزندق. الواجب أنه يسأل عن الشيء حتى يعمل به إذا عرف حكمه فيعمل به ويتعبد لله سبحانه وتعالى بالعمل بمعلوم. قال رحمه الله: واخبرنا محمد بن أحمد، قال حدثنا سفيان عن عمرو عن طاوس، قال: قال عمر رضي الله عنه على المنبر: أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن، فإن الله قد بيّن ما هو كائن. وهذا الأثر صحيح. قال: أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن، يعني أحرج عليه بالله أن لا يسأل عن شيء لم يكن وشيء لم يقع، فإن الله قد بيّن ما هو كائن، يعني ما هو حاصل وواقع. فإذا حصل الشيء ووقع بعد ذلك يسأل عنه ويجاب السائل عن هذا الشيء الذي قد وقع. وهذا الشيء كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله مما عيب على الإمام أبي حنيفة رحمه الله، هذه المسائل كان يعني يضع مسائل لم تقع ثم يجيب عنها، وهكذا تبعه أتباعه من بعده على هذا الأمر وتغليب جانب الرأي على جانب النصوص حتى لقبوا بأهل الرأي. وذكر الإمام عبد البر رحمه الله في كتابه جامع بيان علم وفضله أن ابن مصقلة سئل عن أبي حنيفة، فقال في جوابه عنه: قال هو أعلم الناس بما لم يكن وأجهل الناس بما كان، أعلم الناس بما لم يكن وأجهلهم بما كان. ويريد بهذا هذه المسائل التي كان يضعها ويطرحها من الأمور التي لم تقع ويكلف نفسه فيها. وقول: أجهله بما كان، يعني قلة علمه بالآثار، قلة علمه بالآثار. فالمقصود أن هذه الآثار فيها ذم السؤال عن الشيء الذي لم يكن ولم يقع، فيسأل الإنسان عن الشيء الذي ينتفع به. قال واخبرنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾. قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. وهذا الأثر يبين فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، حبر هذه الأمة وعالمها، بيان فضيلة الصحابة رضوان الله عليهم، أنهم كانوا لا يسألون إلا عما ينفع، لا يسألون إلا عما ينفع. وذكر أن سؤالهم للنبي عليه الصلاة والسلام كان عن ثلاثة عشرة مسألة مما سألوه النبي عليه الصلاة والسلام، وإن وجد غير ذلك من الأسئلة لا ينافي ذكر هذا العدد، لأن مفهوم العدد كما يذكر أهل العلم ليس له مفهوم، أن العدد ليس له مفهوم، يعني لا يفهم من ذكر العدد أنه لا يوجد غيره، كما قرره جمهور أهل العلم من أهل الأصول وغيرهم. فكون ذكر أنهم سألوا عن ثلاث عشرة مسألة لا ينفي ذلك وجود أسئلة أخرى سألوها النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذه منها ومما نزل القرآن في بيان جوابها. لهذا قال: كلهن في القرآن، منهن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، وهكذا ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، وهكذا.