الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 52، ألقاها
يتناول شرح معنى طاعة أولي الأمر وأهمية اتباع العلماء والالتزام بالكتاب والسنة. طاعة أولي الأمر مقيدة بطاعة الله ورسوله.
يبين المقطع مراتب السنة النبوية بالنسبة للقرآن، حيث تكون إما موافقة أو مبينة أو مخصصة أو منفردة بحكم زائد. يُشير إلى أهمية الدليل من الكتاب والسنة.
يُبرز فضل التفقه في الدين وأهميته، ويشير إلى أن الله يوفق من يريد به خيرًا للتفقه. كما يُظهر فضل العلماء المتفقهين في الدين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، باب الاقتداء بالعلماء، قال رحمه الله: أخبرنا منصور بن السلمة الخزاعي عن شريك عن أبي حمزة عن إبراهيم، هو النخعي، قال: لقد أدركت أقوامًا لو لم يجاوز أحدهم غفرًا لما جاوزته، كفى إزراء على قوم أن تخالف أفعالهم. وهذا الحديث ضعيف، فأبو حمزة ميمون الأعور، قال له القصاب: قال فيه الإمام أحمد رحمه الله: متروك الحديث، وضعفه جماعة من الحفاظ. وهذا الباب، باب الاقتداء بالعلماء، يعني ذكر شيء مما ورده من الآثار في الحث على الاقتداء بالعلماء، أي بأخذ أقوالهم واتباعهم فيما ثبت عنهم من الأخلاق والآداب، وهكذا أيضًا في باب الاعتقاد مما كانوا يعتقدونه في مسائل العقيدة. وهكذا أيضًا ذكر الأدلة الواردة في ذلك في الاقتداء بهم وطاعتهم في طاعة الله جل وعلا، والسير على ما كان عليه الهدى والصراط المستقيم. ذكر هذا الأثر، أثر إبراهيم النخعي، وهو ضعيف. قال رحمه الله: أخبرنا، قال: حدثنا عبد الملك عن عطاء في قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، قال: أولو العلم والفقه، وطاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة. وهذا الأثر صحيح، فعطاء رحمه الله فسر الآية ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ بأن المراد بأولي الأمر: أي أولو العلم والفقه، أي العلماء. وقال بذلك أيضًا ابن عباس، كما ذكر ابن كثير رحمه الله بتفسيره عند هذه الآية، قال: أهل الفقه والدين. وإن كان أولو الأمر يشمل كذلك الأمراء والحكام، كما ذكر أولو الأمر كذلك رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية، فأولو الأمر يشمل الأمراء، أي أمراء الناس، حكامهم، ويشمل كذلك العلماء، أولو الفقه وأهل الدين. ويدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني»، فطاعة الأمير من طاعة الله، أي في طاعة الله أن يطاع بالمعروف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف». فالمراد في هذا الأثر بيان أن الله جل وعلا أمر بطاعة العلماء، وأولي الأمر منكم على أحد القولين، وهم أهل العلم والفقه، أمر الله جل وعلا بطاعتهم، وطاعتهم من طاعة الله، وهي مقيدة بأن تكون، يعني طاعتهم موافقة لطاعة الله ورسوله بما وافق الكتاب والسنة. وقوله: وطاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، في ماذا يطاع عليه الصلاة والسلام؟ فيما أمر به، وفيما جاء به من هذه الشريعة. فسنته عليه الصلاة والسلام هي المبينة للقرآن، والقرآن أنزل عليه، قال جل وعلا: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾. وهكذا أيضًا فيما جاء به في سنته، فإننا نطيعه ونتبعه، كما قال الله جل وعلا: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. وسواء ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام مما هو موافق للقرآن، أو مبينًا له، أو كذلك أيضًا مخصص لعمومه، أو كان منفردًا بحكم زائد عما في القرآن. لأن سنة النبي عليه الصلاة والسلام مع القرآن على أربع مراتب، إما أن تكون موافقة لحكم القرآن، يأتي الحكم في القرآن، ويأتي الحكم نفسه في السنة، يأمر به النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون حكمه موافقًا لحكم القرآن. وإما أن يكون مبينًا له، يأتي حكمًا أمرًا، وحكمًا مجملًا، فيأتي بيانه في السنة، كالأمر بالصلاة مثلًا، وإيتاء الزكاة، جاء الأمر بها في القرآن، ولم يأت تفاصيلها وكيفياتها ومقدارها، فجاء بيانه في السنة. أو كذلك أيضًا يأتي حكمًا عامًا، فيأتي تخصيصه في السنة، أو تنفرد السنة بحكم زائد عما في القرآن، ككثير من الأحكام التي وردت في السنة، وهي زائدة عما في كتاب الله جل وعلا. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا إبراهيم بن أدهم، قال: سألت ابن شبرمة عن شيء، وكانت عندي مسألة شديدة، قلت: رحمك الله، انظر فيها. قال: إذا وضح لي الطريق، ووجدت الأثر، لم أحبس. والأثر هذا صحيح. وقوله: إذا وضح لي الطريق، ووجدت الأثر، لم أحبس، يعني إذا وجدت الدليل على هذه المسألة من كتاب الله، من سنة رسول الله، أو مما ثبت عن صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، أو ذكر ذلك أحد من أهل العلم، قلت به، ولم أحبس عن الجواب والقول فيها. قال رحمه الله: أخبرنا عثمان بن الهيثم، قال: حدثنا عوف بن أبي جميلة، وهو ثقة، عن رجل يقال له سليمان بن جابر، من أهل هجر، قال: قال ابن مسعود: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا العلم، وعلموه الناس، تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، تعلموا القرآن، وعلموه الناس، فإن امرئ مقبوض، والعلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في فريضة، لا يجدان أحدًا يفصل بينهما». وهذا الحديث ضعيف، فعثمان بن الهيثم ضعيف. قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا عمر بن أبي خليفة، قال: سمعت زياد بن مخراق يذكر عن عبد الله بن عمر، قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى إلى اليمن، قال: «تساندا وتطاوعا، وبشرا، ولا تنفرا». فقدم اليمن، فخطب الناس معاذ، فحثهم على الإسلام، وأمرهم بالتفقه والقرآن. وقال: إذا فعلتم ذلك، فاسألوني، أخبركم عن أهل الجنة من أهل النار. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا، فقالوا لمعاذ: قد كنت أمرتنا إذا نحن تفقهنا وقرأنا أن نسألك، فتخبرنا بأهل الجنة من أهل النار. فقال لهم معاذ: إذا ذكر الرجل بخير، فهو من أهل الجنة، وإذا ذكر بشر، فهو من أهل النار. وهذا الأثر ضعيف، زياد بن مخراق لا يعرف له سماع من ابن عمر. وإن كان ببعض فقراته ما يدل أو يشهد لصحته مما ورد في السنة، كقوله النبي صلى الله عليه وسلم: «تساندا وتطاوعا، وبشرا، ولا تنفرا»، ثبت نحو ذلك بالصحيح. وقوله: إذا ذكر الرجل بخير، فهو من أهل الجنة، وإذا ذكر بشر، فهو من أهل النار، ثبت بالصحيح من حديث عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت عليه جنازة، فأثني عليها خيرًا، فقال: «وجبت». ومرت عليه جنازة، فأثني عليها شرًا، فقال: «وجبت». قالوا: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا، وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض». وهكذا أيضًا في حديث عمر، أو حديث أنس، جاء من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة أهل أبيات من جيرانه الأدنين -يعني الأقربين- أنهم لا يعلمون إلا خيرًا، إلا قال الله: قد قبلت علمكم فيه، وغفرت له ما لا تعلمون». وهذا الحديث رواه أبو يعلى، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب. قال رحمه الله: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله، قال: سمعت سعيد بن أبي سعيد يحدث عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أكرم؟ قال: «أتقاهم». قال: ليس عن هذا نسألك. قال: «فيوسف بن يعقوب، نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله». قال: ليس عن هذا نسألك. قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». والحديث صحيحين. والشاهد قوله عليه الصلاة والسلام في بيان فضل المرء، أن ذلك بالتفقه في الدين، «فعن معادن العرب تسألون»، يعني عن أصولهم وأنسابهم، «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»، يعني إذا تفقه في الدين، وتعلموا أحكام الدين، فهم، يعني لهم الخيرية. فالخيرية لمن أخذ بأحكام الشريعة، وتعلمها، وتفقه فيها. وهذا يدل على، يعني فضيلة أهل العلم، فأهل العلم يعتبرون من خير الناس، وأفضل الناس، لما يحملون من العلم، ولما وفقهم الله جل وعلا به من التفقه في الدين. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله، وابن صالح، كاتب الليث، وضعيف، قال: حدثني الليث، وابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن -وهو ابن عوف الزهري، وهو ثقة، وروايته عن علي وأبي بكر مرسلة، كما قاله أبو زرعة- عن معاوية، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». الحديث بهذا السند ضعيف، لكنه صحيح بشواهده. قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». وهذا الأثر صحيح. قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن جبلة بن عطية، عن ابن محيريز، عن معاوية، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». هذا الحديث صحيح، وحديث معاوية في الصحيحين. فشهد قوله عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»، يعني من وفقه الله جل وعلا لتفقه في الدين، وتعلم أحكام الشريعة، فقد أراد الله عز وجل به خيرًا، وجعل الله عز وجل له، يعني مزية وفضيلة على غيره من الناس، بتوفيقه للتفقه في الدين. فهذا يدل على فضيلة العلماء، لأنهم موفقهم الله جل وعلا للتفقه في الدين، وتعلم أحكام الشريعة. طيب، نكتفي بهذا القدر. إلهنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.