الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 57، ألقاها
يتناول المقطع خطورة طلب العلم لغير الله، حيث يروي حديثًا نبويًا يدل على أن من يطلب العلم للدنيا يحرم من ريح الجنة. كما يشرح أهمية إخلاص النية في طلب العلم والخوف من الله جل وعلا.
يؤكد النص على أهمية العمل بالعلم، حيث يبين أن العلم وحده لا يكفي، بل يجب العمل به ليكون له أثر إيجابي في حياة الإنسان. كما يشير إلى أن عدم العمل بالعلم يمكن أن يكون حجة على صاحبه يوم القيامة.
يُبين المقطع فضل طلب العلم وتدارسه، ويُشير إلى أن تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها بالصلاة أو العبادة، ويُفصل في مسألة أيهما أفضل طلب العلم أو العبادة، ويُؤكد على أهمية الجمع بينهما.
المقطع ينتهي بدعاء الله أن يعين على الإخلاص في طلب العلم ويجعل طلب العلم خالصًا لوجهه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب العمل بالعلم وحسن النية فيه: أخبرنا أبو عاصم، قال: حدثنا محمد بن عمارة بن حزم، وهو الأنصاري، صدوق يخطئ، كما قال الحافظ رحمه الله في التقريب، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن، لم أعرفه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يطلب هذا العلم أحد لا يريد به إلا الدنيا، إلا حرم الله عليه عرف الجنة يوم القيامة». وعرف الجنة يعني ريحًا طيبًا. هذا القول عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود والترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «من طلب علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يطلبه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة»، يعني ريحًا. فهذا الحديث يدلنا على خطورة من طلب العلم لغير الله، من طلب علمًا مما يبتغى به وجه الله، وهذا يخرج به علوم الدنيا التي يبتغيها الإنسان لأجل الدنيا، كعلم الهندسة والطب وغيرها من العلوم الدنيوية. أما من طلب علمًا مما يبتغى به وجه الله، يعني من العلوم الشرعية، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، ليس له قصد ولا نية إلا الدنيا، فهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه موعود بهذا الوعيد: «لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»، يعني ريحها، والمعنى أنه لا يدخلها. وهذا لا شك يدلنا على خطورة من لم يخلص نيته في طلب العلم. قال: أخبرنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن مالك بن مغول، قال: قال رجل للشعبي عامر بن شراحيل: أفتني أيها العالم. قال: العالم من يخاف الله. وهذا الأثر صحيح، وقد ذكره أيضًا الإمام عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم وفضله. وهذا من تواضعه رحمه الله، وإلا فهو عالم من العلماء. أو كذلك أيضًا أراد أن يعلم من عنده من طلبة العلم وطلبة الحديث، وأن يبين أن حقيقة العلم هو خشية الله والخوف من الله جل وعلا. وسيأتي باب في ذلك فيما يتعلق بخشية الله جل وعلا في طلب العلم، وأن هذا هو المقصود من طلب العلم، هو الخوف من الله جل وعلا والتعبد لله سبحانه وتعالى بذلك. قال: أخبرنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا عمر بن مزيد، عن أوفى بن دلهم، أنه بلغه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: «تعلموا العلم، تعرفوا به، واعملوا به، تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعد هذا زمان لا يعرف فيه المعروف، ولا ينجو منه إلا كل نوامة». فأولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم، ليسوا بالمساييخ ولا المذاييع البذر. قال أبو محمد: نوامة، غافل عن الشر. المذاييع، المذاييع كثير الكلام، والبذر النمامون. وهذا الأثر منقطع، فأوفى بن دلهم لم يسمع من علي. قال رحمه الله: أخبرنا مروان بن محمد، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن يزيد بن جابر، قال: قال معاذ بن جبل: «اعملوا ما شئتم بعد أن تعلموا، فلن يأجركم الله بالعلم حتى تعملوا». ويزيد بن جابر، إن كان الأزدي، فهو مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان، وليس له رواية عن معاذ بن جبل. وإن كان معنى الأثر صحيح: اعملوا ما شئتم بعد أن تعلموا، فلن يأجركم الله بالعلم حتى تعملوا، يعني لن ينتفع الإنسان بالعلم ويؤجر عليه ويثاب إلا إذا عمل به، فإن لم يعمل به فإنه سيكون حجة عليه لا له. قال: أخبرنا عبد الله بن خالد بن حازم، قال: حدثنا الوليد بن مزيد، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر يحدث عن سعد أنه أتى ابن منبه فسأله عن الحسن، قال له: كيف عقله؟ فأخبره، ثم قال: إننا نتحدث أو نجد في الكتب أنه ما آت الله عبدًا علمًا فعمل به على سبيل الهدى، فيسلبه عقله حتى يقبضه الله إليه. وعبد الله بن خالد قيل فيه: منكر الحديث. قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان، عن ابن القاسم بن قيس، وهو رافضي كان يضع الحديث، قال: حدثني يونس بن سيف الحمصي، قال: حدثني أبو كبشة السلولي، قال: سمعت أبا الدرداء يقول: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالمًا لا ينتفع بعلمه». وهذا الأثر موضوع. قال: أخبرنا عمر بن عون، قال: أخبرنا أبو قدامة، وهو ضعيف، ضعف ابن معين، عن مالك بن دينار، قال: قال أبو الدرداء: من يزدد علمًا يزدد وجعًا. قال: أخبرنا، وقال أبو الدرداء: «ما أخاف على نفسي أن يقال لي: ما علمت؟ ولكن أخاف أن يقال لي: ماذا عملت؟» وهذا الأثر ذكره ابن عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم وفضله، وهو أيضًا معناه صحيح، أن الإنسان سيسأل عن علمه ماذا عمل به؟ قال: أخبرنا هارون بن معاوية، عن حفص بن غياث، قال: سمعت ابن جريج يذكر عن من حدثه عن ابن عباس، قال: «تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها». هذا الأثر فيه انقطاع، لكن أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضًا، يعني من طريق أخرى، من طريق أخرى عن مطرف، عن ابن عباس، فتكون مقوية لهذا الأثر. قال ابن عباس: «تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها»، يعني خير من إحياء الليل، يعني بالصلاة أو العبادة، ويريد بهذا فضل العلم وتدارسه. وهذه مسألة اختلفية أهل العلم: أيهم أفضل طلب العلم أو العبادة؟ والقول فيها على الصحيح أنه بالتفصيل، كما ذكر ذلك جماعة من المحققين من أهل العلم، كالإمام الذهبي وغيره. قالوا: إذا كان طالب العلم عنده هم للعلم ورغبة ومحبة للعلم، فإنه يقدم طلب العلم، وذلك أن نفع العلم متعدي، فينتفع به الناس، بخلاف العبادة، فإن نفعها قاصر على نفس المتعبد. مع هذا لا بد أن يكون له حظ من العبادة، ليس معنى أن طلب العلم أفضل أنه يهمل الجانب العبادي، لا، لا بد أن يكون له نصيب وحظ من العبادة. قال: أخبرنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا جرير، عن الحسن بن عمر، عن إبراهيم النخعي، قال: «من ابتغى شيئًا من العلم يبتغي به وجه الله، آتاه الله منه ما يكفيه». وهذا الأثر صحيح. من ابتغى شيئًا من العلم يبتغي به وجه الله، يعني يريد ما عند الله من الأجر والثواب، قال: آتاه الله منه ما يكفيه، يعني من العلم، آتاه من العلم ما يكفيه الذي يرفع عنه الجهل، والذي ينتفع به وينفع غيره من الناس، ويتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. بل ويفتح الله عز وجل عليه من العلم ما لم يعلمه، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾، وقال: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، وقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾، وقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال: ﴿يَعْلَمُهَا﴾، وقال: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، واتق الله ويعلمك الله. وكذلك في قول أحد السلف: «من تعلم العلم لأجل الله، علمه الله وعرفه الله علم ما لم يعلم». من طلب العلم لوجه الله أورثه الله علم ما لم يعلم، يعني فتح الله عز وجل عليه من العلم ما لم يعلمه بسبب تقواه لله جل وعلا وإخلاصه في طلب العلم. نسأل الله جل وعلا أن يعين وإياكم على الإخلاص في طلب العلم، وأن يجعل جل وعلا طلبنا للعلم خالصًا لوجهه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.