الدرس في القواعد والأصول الجامعة 52، ألقاها
القاعدة السادسة والعشرون من كتاب 'قواعد الأصول' للعلامة السعدي تنص على قبول قول الأمناء في التصرفات أو التلف ما لم يخالف العادة. هذه القاعدة هامة في حل الإختلافات بين الأمناء والملاك.
إذا اختلف الأمين مع رب المال في تصرف أو صفة ذلك التصرف أو تلف، يُقبل قول الأمين لأنه مؤتمن. يشمل ذلك حالات مختلفة مثل اختلاف الوكيل مع الموكل.
الأمين لا يضمن المال المؤتمن عليه إذا لم يتعد أو يفرط، ولكن إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن. كما أن الأمين إذا ادعى تلف العين بدعوى تخالف الحس والعادة، لا يقبل قوله.
الأمين الذي يتصرف بإذن من الشرع أو المالك لا يضمن تصرفاته ما لم يتعد أو يفرط، فإن تعدى أو فرط ضمن. هذه هي الخلاصة للقاعدة المتعلقة بمسؤولية الأمين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «قواعد الأصول» للجامعة، القاعدة السادسة والعشرون: «يقبل قول الأمناء في التصرفات أو التلف ما لم يخالف العادة». هذه القاعدة تعتبر من القواعد الداخلة في القاعدة التي مرت معنا، وهو أن التلف في يد الأمين غير مضمون. التلف في يد الأمين غير مضمون إلا إذا تعد أو فرط، وهنا يبين من يقبل قوله ومن لا يقبل في تلف هذه الأمانات. فقال: «يقبل قول الأمناء في التصرفات أو التلف ما لم يخالف العادة». الأمناء جمع أمين، والأمين هو من كان المال في يده بإذن من الشرع أو بإذن من المالك. من كان المال في يده بإذن من الشرع أو بإذن من المالك، بإذن من الشرع كولي اليتيم، وبإذن من المالك كالوصي والوكيل وناظر الوقف، أو كذلك ناظر الوقف يعتبر أيضا من من أذن له الشرع، فكما قلنا كالوكيل، وكذلك أيضا الوصي، نعم، وغيرهم من من أعطوا أموالا بإذن من مالكيها، وهم أمناء طيب. فقال: هؤلاء يقبل قولهم في التصرفات، يعني في البيع والشراء والفسخ وغيرها من التصرفات، والتلف كذلك يقبل قولهم في التلف، إذا ادعى أحدهم أن هذه العين تلفت، فإنه يقبل قوله لأنه أمين، يقبل قوله لأنه أمين. والتلف يشمل ما إذا تلفت بفعل الآدمي، وكذلك أيضا بما إذا كان التلف من غير فعل الآدمي، كالجوائح التي تصيب الأموال من رياح مثلا أو أمطار أو سيول أو غير ذلك، فإنه يقبل قوله إذا ادعى التلف لأنه أمين، ما لم يخالف العادة. فإذا خالف العادة فإنه لا يقبل قوله، كما سيأتي في شرح هذه القاعدة. قال: «هذه قاعدة نافعة تحل الإختلافات الواقعة بين الأمناء والملاك في متعلقات الأمانة التي تحت أيديهم وتصرفهم». فإذا اختلفوا في تصرف أو صفة ذلك التصرف أو تلف، فالقول قول الأمناء، لأن أرباب الأموال اعتمدوهم ونزلوهم منزلة أنفسهم. قد يختلف الأمين مع من أمنه، كالوكيل مثلا مع الموكل، قد يختلف الوكيل مع الموكل، قد يختلف في تصرف، كان يقول كان يقول مثلا الموكل للوكيل: أنا لم آذن لك أن تبيع، أن تبيع، فيقول الوكيل: بل أذنت لي، فيقبل قول الوكيل لأنه أمين. أو يقول مثلا: أنا أذنت لك أن تبيع بكذا، مثلا بعشرة آلاف، وقال الوكيل: لا، بل أذنت لي أن أبيع بثمانية آلاف، فيقبل قول الوكيل لأنه أمين. أو كذلك أيضا في صفة ذلك التصرف، في صفة ذلك التصرف، كما ذكرنا في قدر الثمن مثلا، يقول الموكل: أنا قلت لك بيع بعشرة آلاف، ويقول الوكيل: لا، بثمانية آلاف، يقبل قول الوكيل لأنه أمين. أو يقول: أنا قلت مثلا بيع هذا لفلان أو في الوقت الفلاني، ويقول الوكيل: لا، في الوقت الفلاني، فيقبل قول الوكيل لأنه لأنه أمين. فإذا حصل الخلاف في التصرف أو في صفة ذلك التصرف، فيقبل قول قول الأمين لأنه مؤتمن، وهذا بجميع الاختلافات التي تقع بين الأمناء، فالقول قول الأمين، القول قول الأمين مع يمينه، مع يمينه، لأن كل من كان القول قوله، فإنه يقبل بيمينه، لأنه يكون مدعى عليه. قال: «أو تلف»، يعني لو ادعى تلف العين أعطاه مالا، فقال: اشتري بهذا المال كذا وكذا، فذهب فسرق المال مثلا من غير تعدي أو تفريط، فادعى التلف، وهنا يقبل قوله لأنه أمين. قال: «فالقول قول الأمناء لأن أرباب الأموال ائتمنوهم ونزلوهم منزلة أنفسهم»، لأن تلف العين في يد الأمين كتلفها في يد مالكها، لا فرق. لو أعطاه مثلا ذهبا وقال: بعلي هذا الذهب، فوضعه في الصندوق وحفظه في حرز مثله، فسرق هذا الذهب، هل عليه شيء؟ الجواب لا، لماذا؟ لأنه أمين، وسرقة هذا الذهب من عنده كسرقتها من عند مالكها، لا فرق. لو أن هذا الذهب عند المالك وسرق من موضع الذي يوضع فيه، فكما أنه لا يضمن شيئا، كذلك أيضا لا يضمن الأمين لأنه لم يتعد أو يفرط. ومقتضى هذا الاتمان قبول قولهم، إلا إذا ادعى الأمين دعوى تخالف الحس والعادة، فيرد قوله. هذا الأصل أن الأمين قوله مقبول لأنه أمين ومحسن، ومع للمحسنين من سبيل. وهذا كما قلنا إذا لم يحصل تعدي أو تفريط، أما إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن. إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن، يعني مثلا أعطاه ساعة، قال: بيعها لي، فأخذ الساعة فلبسها فتلفت، تكسرت، وهنا يضمن لأنه تعدى. أو مثلا أعطاه ذهبا، قال: بيعلي هذا الذهب، فوضع الذهب في مثلا موضع لعب الأطفال أو في صالة البيت أو بنحو ذلك من مواضع التي ليست هي موضع حفظ للذهب، فسرق، فإنه يضمن لأنه يعتبر قد فرط. وهكذا أيضا إذا ادعى تلف العين بدعوى تخالف الحس والعادة، قال: يا فلان، إن ما لك قد احترق، ما لك قد احترق، طيب أنت مالك، هل احترق؟ الجواب لا، لم يحترق. مال من أمنه احترق، وماله هو لم يحترق، هذا شيء ما يقبل. هذا شيء خالف العادة والحس، أن يحترق الموضع الذي فيه المال فيحترق يعني جزء من المال أو بعض المال، والبعض الآخر لم يحترق، هذا لا يقبل منه. فإذا ادعى مثل ذلك، فلابد ماذا؟ أن يأتي ببينة، ولا يقبل قوله في ذلك، لأن هذا شيء يخالف الحس والعادة. أو قال مثلا: حصل حريق في البيت، فمثل هذا لا شك أنه لا يخفى ويعلمه الناس، فيقيم البينة على هذا أنه فعلا حصل حريق، فإن لم يكن لم يقبل قوله، ويكون بذلك غارما يكون غارما لتلف هذا المال. فالخلاصة أن كل من كان أمينا وأذن له بالتصرف، سواء من جهة الشرع أو من جهة المالك، فيقبل قوله في جميع التصرفات أو التلف، ما لم يتعدى أو يفرط، فإن تعدى أو فرط فإنه يضمن. طيب، هذه خلاصة هذه القاعدة. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.