الدرس في شرح القواعد المثلى 32، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع كيف أثبت الأشاعرة والماتريدية صفة الإرادة بالسمع والعقل ونفوا صفة الرحمة زاعمين أنها تستلزم اللين المحال على الله. ويرد الشيخ بأن أدلة الرحمة في القرآن أكثر عدداً وتنوعاً من أدلة الإرادة، إذ وردت بالأسماء والصفات والأفعال بخلاف الإرادة.
تبين أن صفة الرحمة تثبت بالعقل بكثرة النعم ودفع النقم وهو دليل ظاهر للخاصة والعامة بخلاف الإرادة. ويرد على من ينفون الرحمة بزعم استلزامها للين والرقة المشابهة للمخلوق، مبيناً فساد هذا القياس لأنه لو صح لنُفيت سائر الصفات.
يوضح أن منهج الأشاعرة والماتريدية في إثبات بعض الصفات ونفي غيرها رداً على الجهمية هو بدعة عقلية لا تدفع بدعة، لأن البدعة لا تُرد إلا بالسنة وفهم السلف. ويضرب أمثلة عملية على قاعدة "البدعة لا تندفع بالبدعة" كمناسبة عاشوراء والمولد النبوي.
يختتم المتحدث المقطع بتوجيه الشكر للمشاهدين على متابعتهم للحلقة. ويعلن رسمياً نهاية هذا اللقاء العلمي.
طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: وقفنا عند رد الشيخ رحمه الله على أهل التعطيل، سواء كان من عطل جميع الصفات، أو من عطل بعضها دون بعض كالأشعرية والماتريدية. ثم استطرد الشيخ رحمه الله في الرد على الأشاعرة والماتريدية الذين يثبتون بعض الصفات وهي قليلة، ويعطلون البعض الآخر. فقال رحمه الله رادًّا عليهم في إثباتهم بعض الصفات بالعقل، ونفيهم وتعطيلهم لبعض الصفات الأخرى كذلك بالعقل. فقال: «مثال ذلك»، ومثال ذلك يدفع ما قبله. من قوله رحمه الله تعالى: «أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه». فرد عليهم برد مجمل في قوله: «نقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل يدل عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتتم به ما أثبتتموه. فأنتم أثبتتم بالعقل ونفيتم بالعقل، فالذي نفيتموه يمكن إثباته بالعقل، والذي أثبتموه بالعقل يمكن لأهل السنة أن يثبتوه بالعقل». فأولًا سيذكر مثالًا لصفة أثبتوها بالعقل، وصفة أخرى نفوها بالعقل. فمثل الشيخ بصفة الإرادة فيما أثبته الأشاعرة والماتريدية، ومثل بصفة الرحمة فيما نفاه الأشاعرة والماتريدية. فقال هنا: «مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا الرحمة. أثبتوا صفة الإرادة، قالوا: لدلالة السمع والعقل عليها». ما هي أدلة السمع؟ قال: «فمنه قوله تعالى: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾». فقالوا: هذا فيه إثبات صفة الإرادة لقوله: «ما يريد»، فالله يريد. وأما العقل، فماذا قالوا؟ كيف أثبتوا صفة الإرادة بالعقل؟ قالوا: «فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف على الإرادة». قالوا: الأشياء التي نراها من المخلوقات تدل على إرادة الله. فمثلًا: هذه الشمس، والقمر، والبحار، والسماء، والأرض، والجمل، والبقرة، والإنسان، وغير ذلك. قالوا: هذا التنوع يدل على الإرادة، أن الله أراد ذلك. فأراد الله أن يكون هذا إنسانًا، وهذا جبلًا، وهذا بحرًا، وهذه سماء، وهذا شمس. فبهذا أثبتوا الإرادة لله عز وجل. وهذا كلام حق فيما ذكروه من أدلة السمع أو العقل. لكن نفوا صفة الرحمة. فقال الشيخ هنا: «ونفوا الرحمة، قالوا: لأنها تستلزم لين الراحم ورقته للمرحوم، وهذا محال في حق الله تعالى». هذه شبهتهم في نفي صفة الرحمة. فقالوا: ما معنى الرحمة؟ قالوا: معنى الرحمة كما ذكروا هنا: «لين الراحم ورقته للمرحوم». فقالوا: هذا لا يليق بالله، هذا لا يليق بالله، فنفوا هذه الصفة. فنفوا هذه الصفة. سيرد عليهم الشيخ بهذا الاستدلال، سيرد عليهم الشيخ بعدة أوجه كما سيأتي في بيانه رحمه الله. قال: «أول الأدلة السمعية المثبتة للرحمة...» إلى الفعل أو إرادة الفعل، ففسروا الرحيم بالمنعم أو مريد الإنعام. وقوله: «أولًا»... وأول هو نفسه. أنت قرأته هكذا؟ ما الفرق بين «أول» و«أولًا»؟ عندك شي ضمة على الهمزة؟ عندي ألف. الفارق تمام. «أولًا» بالفرق، و«أول» بدون فارقة. صح. هذا «أولًا». وكما تقدم يُراد بالتأويل هنا التحريف، يعني حرفوا أدلة هذه الصفة إلى إرادة الفعل. ما معنى إرادة الفعل؟ يعني بلازم هذه الصفة. فقالوا: معنى الرحمن يعني الذي ينعم على عباده، فهو المنعم. لم يثبتوا هذه الصفة، أو يقولون: مريد الإنعام. مريد الإنعام. فالفعل بالمنعم، وإرادة الفعل بقوله: «مريد الإنعام». فيقال لهم: ماذا تقولون في ﴿الرحمن على العرش استوى﴾؟ قالوا: المنعم. ليس الرحمن بمعنى متضمن صفة الرحمة. ما معنى قوله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾؟ يعني: إنعامي وسع كل شيء، أو إرادة الإنعام وسعت كل شيء. فحرفوا أدلة الرحمة بذلك. الآن سيرد عليهم. الشيخ ذكر هذه الشبهة، وسيرد عليهم رحمه الله تعالى. قال: «فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عددًا وتنوعًا من أدلة الإرادة». أولًا يقال لهم: أنتم أثبتتم الإرادة بقول الله عز وجل كما في الآية التي مرت معنا: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾. أدلة الرحمة وردت في القرآن أكثر، بل بل ذكرها أكثر عددًا وتنوعًا. ما معنى «أكثر عددًا»؟ يعني عدد أدلة ذكر صفة الرحمة أكثر من آيات عدد ذكر الإرادة. واضح. وأما «تنوعًا» بمعنى أن صفة الرحمة وردت بالصفة في قوله تعالى: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾، الرحمة صفة. طيب. «رحمة» يرحم، رحمة صفة. ووردت في الفعل يعني أن الله يفعل الرحمة في قوله: ﴿ويرحم من يشاء﴾. هذا فعل. صح. إذن جاءت بالصفة، وجاءت بالفعل، وجاءت بالفعل. واضح. بخلاف الإرادة، فالإرادة ما وردت إلا بالفعل كما في الآية: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾. يفعل ما يريد. ولم تأتِ بصفة، ولا بالمصدر، ولا بالمصدر. وإنما وردت في الفعل فقط. واضح هذا الآن. فإذن ذكروا صفة الرحمة وردت بأدلة أكثر. هذا معنى قوله: «وأدلة ثبوت أكثر عددًا وتنوعًا من أدلة الإرادة». قال: «فقد وردت بالاسم» يعني صفة الرحمة، مثل: الرحمن، الرحيم. الرحمن اسم. وتقدم معنى أن كل اسم متضمن للصفة، والصفة. والصفة أي أنه وردت بلفظ الصفة، مثل: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾، الرحمة هنا صفة. والفعل: مثل ﴿ويرحم من يشاء﴾. أما الإرادة فما وردت إلا بالفعل، لم ترد بالصفة، ولم ترد كذلك بالاسم. واضح. ما جاء في القرآن «المريد». صح. بخلاف صفة الرحمة. أولًا يرد عليهم كذلك: هم ذكروا أدلة سمعية للإرادة، فنقول: إن ذكرتم دليلًا سمعيًا للإرادة، فعندنا أدلة كثيرة تثبت الرحمة. فلماذا أثبتتم صفة ونفيتم صفة أخرى؟ هذا هو الهوى بعينه. فهمتم هذا الآن؟ قال: «ويمكن إثباتها بالعقل». هم قالوا: نثبت صفة الإرادة بالعقل. وكيف يثبتونها بالعقل؟ قالوا: «باختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف». قالوا: ماذا؟ تنوع المخلوقات عن اختلاف المخلوقات، فهذا دليل على إرادة الله. أراد الله أن يكون هذا كذا وذاك كذا. طيب. أيضًا نقول لهم: حتى صفة الرحمة نستطيع أن نثبتها بماذا؟ بالعقل. كيف؟ قالوا: «يمكن إثباته بالعقل، فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقم التي تدفع عنهم في كل حين دال على ثبوت الرحمة». إنسان أنعم الله عز وجل عليه بالرزق، والزوجة، والبيت، والسيارة. هذا دليل أن الله رحمه. صح. فلان كان مريضًا فشفاه الله، كان فقيرًا فأغناه الله، كان يعني محتاجًا فأغناه الله. هذا دليل على أن الله دفع عنه هذه النقمة، فهذا من رحمة الله عز وجل به، فهو يرحم من يشاء سبحانه وتعالى. فإذن اختلاف النعم وكثرة النعم ألا تدل على رحمة المنعم سبحانه وتعالى؟ بلى. فإذن نستطيع أن نثبت هذه الصفة أيضًا بالعقل، كما أثبت صفة الإرادة بالعقل. واضح هذا الآن. قال: «فإن النعم التي تترى على...» فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقمة التي تدفع عنه في كل حين دال على ثبوت الرحمة لله عز وجل، ودلالته على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة. بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس. ومعنى كلامه هذا: أن صفة الرحمة يستطيع أن يستدل بها الجميع، العالم وغير العالم. كيف هذا؟ لو قلت لإنسان عامي: هل الله يرحم؟ فسيقول ماذا؟ فسيقول: نعم. لو قلت له: ما الدليل العقلي أو الحسي على الرحمة؟ فسيقول: الآن الله عز وجل أنزل علينا المطر، هذا رحمة من الله. الآن ربي زادني مولودًا، هذا من رحمة الله. الآن تم عقد نكاحي، هذا رحمة من الله. الآن شفى الله مريضي، هذا رحمة من الله. العامي يستدل. لكن لو قلت له: هل الله مريد؟ سيقول: نعم، مريد. ها، هل الله يريد؟ يقول: نعم، يريد. فلو قلت له: بأي شيء تثبت الإرادة من الناحية العملية؟ ربما لا يستطيع العامي. صح. يقول لك: أخبرنا الله في القرآن أنه يريد. يأتي لك بدليل سمعي. لكن بدليل عقلي وعملي ربما يأتيك بدليل. صح. فهذا معنى قول الشيخ رحمه الله: «ودلالتها» أي دلالة صفة الرحمة «على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة». واضح. «لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس». ربما طالب العلم والعالم يقول لك: نعم، هناك أدلة عملية تدل على الإرادة. فالله أراد أن يخلق فلانًا حسنًا، وفلانًا قبيحًا، وفلانًا غنيًا، وفلانًا فقيرًا، وهذا إنسان، وهذا حيوان، وهذا أرض، وهذه سماء. هذا ربما ما يستطيع أن يأتي بذلك إلا العالم أو طالب العلم المتعلم. أما العامي لا يستطيع أن يفصل لك هذا التفصيل. صح. فإذا هذا معنى كلامه رحمه الله: «ودلالته على ذلك أبين وأجلى، لظهور ذلك للخاصة والعامة». ثم قال وهو يرد شبهة هؤلاء: «وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة، فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها». لو كل صفة، كل صفة ذكرنا ما يتصف بها المخلوق، لنفينا جميع صفات الخالق. وما أوصل هؤلاء إلى نفي الصفات في العقل إلا لأنهم شبهوا، شبهوا الخالق بالمخلوق. فقالوا: طالما أن الرحمة تستلزم اللين والرقة، فهذا فيه تشبيههم بالمخلوق، فنفوا. فيقال لهم: أيضًا في كل صفة نستطيع أن نذكر هذا الأمر، وننفي جميع الصفات، حتى الإرادة. كيف ذلك؟ قال هنا: «لأن كان في الإرادة بمثلها». فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة، وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزه عن ذلك. الآن، الآن أنت مثلا تريد، أنت أيها المخلوق تريد أن تسافر. أردت السفر، لك في ذلك منفعة: جلب منفعة ودفع مفسدة. صح. أردت أن تتزوج، لك في ذلك منفعة ودفع مفسدة. أردت أن تتوظف، أن تعمل، لك في ذلك منفعة أو مفسدة. أردت أن تصنع هذه السيارة، أو أن تصنع هذا الخبز. أردت ذلك، فإذن لك في ذلك منفعة: حصول منفعة ودفع مضرة. وحصول المنفعة ودفع المضرة يستلزم الحاجة، أنك محتاج إلى هذه الإرادة. صح. فيمكن أن نقول في حق الله عز وجل ذلك، فيستلزم نفي هذه الصفة عن الله. فهمتم هذا الآن؟ ولكن أهل السنة لا يقولون ذلك. لماذا؟ لأنهم لا يشبهون الخالق بالمخلوق. ولذلك ذكر الشيخ ابن عثيمين هنا في شرحه: أن قولهم: «تستلزم اللين والرقة»، فنقول: ليس ذلك بلازم، بل قد يوصف الله عز وجل بأنه يعني فيه هذه الصفة: اللين والرقة، لكن بما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، كغيرها من الصفات. كغيرها من الصفات. قال هنا الشيخ ابن عثيمين: «فإن قالوا: إن الرحمة تستلزم الرقة واللين، وما أشبه ذلك. فنقول: أولًا، هل هذه الصفات ممتنعة عن الله تعالى أو على الله تعالى عز وجل؟ الجواب: لا. يلزم أن يكون الله عز وجل لينًا ورقيقًا لمن يستحق الرحمة. طيب، لكن هذا اللين وتلك الرقة تليق بجلاله، لا نشبهها بماذا؟ بصفة المخلوق. لا نشبهها بصفة المخلوق». أنتم هذا الآن. أي نعم. فإذن يرد على هؤلاء بقولنا: أنتم حكمتم العقل في نفي صفة... في إثبات صفة الإرادة بهذه الحجة، يمكن أن ننفي الصفات التي أثبتموها بنفس الحجة، بنفس الحجة. قال: «فإن أجيب بأن هذه إرادة المخلوق». إذا قالوا: لا، قولكم: «إن الإرادة ميل المريد لما يرجو به حصول منفعة ودفع مضرة»، هذا في المخلوق. فيقال لهم: ماذا؟ أمكن الجواب بمثله في الرحمة، أن اللين والرقة هذا في المخلوق بما يليق بخلقه الضعيف، لكن في حق الخالق لا نشبهها بصفة المخلوق. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: «فإن أجيب بأن هذه إرادة المخلوق، أمكن الجواب بمثله في الرحمة، بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق». واضح هذا. اللين والرقة التي فيها نقص وضعف هذا في المخلوق. أما في الخالق فقد يكون لين ورق، لكن مع كمال، مع كمال. لا نشبه هذه الصفة بصفة المخلوق. فهمتم هذا الآن؟ قال: «وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل، سواء كان تعطيلًا عامًا أم خاصًا. تعطيلًا عامًا كتعطيل الجهمية الذين يعطلون، أو كتعطيل المعتزلة الذين يعطلون جميع الصفات». هذا معنى قوله: «تعطيلًا عامًا». أما تعطيلًا خاصًا كتعطيل من الأشاعرة والماتريدية الذين يثبتون بعض الصفات وينفون البعض الآخر، وينفون البعض الآخر. ثم قال رحمه الله: «وبه علم» يعني: بعد هذا البيان وهذا الإيضاح، علم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته، ومحتج به لذلك، لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية، وذلك من وجهين. ويريد بهذا أن يبين أمرًا يفتخر به الأشاعرة والماتريدية: «نحن نحن عرفنا أن المعتزلة والجهمية ينفون جميع الصفات، وزاد الجهمية نفي الأسماء». الفرق بين الجهمية والمعتزلة: أن المعتزلة يثبتون الأسماء جامدة لا معاني لها. هذا المعتزلة. تمام. فهم لا ينكرون الأسماء، ولكن يقولون: هي جامدة، كالاسم لمسمى واحد، شيء جامد لمسمى واحد. واضح. فهم لا يقولون: الرحمن يستلزم من ذلك صفة الرحمة، أو العليم يستلزم من ذلك صفة العلم. لا، ينفون الصفات جملة وتفصيلًا مع إثبات الأسماء الجامدة المجردة عن اشتقاق الصفة منها. واضح. وأما الجهمية فإنهم نفوا الأسماء والصفات، وهم لا يثبتون إلا أسماء... ولا صفات. فافتخر الأشاعرة والماتريدية، قالوا: نحن خاصمنا وغلبنا الجهمية والمعتزلة بأن أثبتنا بعض الصفات ونفينا البعض الآخر، ورددنا على المعتزلة والجهمية بالعقل. أما أنتم يا أهل السنة، يا سلفيون، فإنكم ما رددتم عليهم بالعقل. واضح هذا الآن. فهم يفتخرون ويزعمون بأنهم أهل العقول، وأنهم هم الذين يردون على المعتزلة والجهمية، المعتزلة والجهمية. ولذلك ينالون من السلفيين بأنهم لا يردون على الجهمية ولا على المعتزلة، ولا على المعتزلة، ويدعون أنهم هم أهل السنة، أنهم هم أهل السنة. فالشيخ هنا يرد على طريقتهم بقاعدة عظيمة علمية وعملية. ما هي هذه القاعدة؟ هذه القاعدة تقول: «أن البدعة لا يمكن أن ندفعها ببدعة أبدًا، سواء كانت علمية أو عملية». الجهمية والمعتزلة وقعوا في بدعة. طيب. فجاء الأشاعرة وردوا على الجهمية والمعتزلة ببدعة أخرى. ما هي هذه البدعة الأخرى؟ أنهم أثبتوا بعض الصفات ونفوا بعض الآخر. فهنا قاعدة: «البدعة لا تندفع بالبدعة». البدعة لا تندفع بالبدعة. إنما البدعة تندفع بماذا؟ بالسنة. واضح. البدعة تندفع بالسنة، سواء كان في الأشياء العلمية أو الأشياء العملية. ما الفرق بين الأشياء العلمية والأشياء العملية؟ الأشياء العلمية: الأشاعرة قالوا: إن الصفات التي أثبتنا هي سبع، دل عليها العقل، فيجب إثباتها. هذا دليلهم، ماذا؟ العلمي. دليلهم العلمي. واضح هذا الآن. والأشاعرة نفوا ما نفوا من الصفات بحجة أن العقل لم يثبتها، وهذا أيضًا حجة... حجة علمية. يظنون أن علمهم بعقولهم القاصرة أوصلهم إلى ذلك، أوصلهم إلى ذلك. فهم هنا ردوا البدعة ببدعة، وهذا في الأشياء العلمية. المعتزل... الأشاعرة ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه بعقولهم. طيب. وجاء الأشاعرة والماتريدية فردوا على الجهمية والمعتزلة بعقولهم، ببدعة أخرى. هذا هو الماذا؟ البدعة العلمية. أما البدعة العملية: فلا تفعل بدعة بحجة أنها تضاد بدعة سابقة. مثال ذلك: مثلًا يوم عاشوراء، الرافضي يتخذونه ماذا؟ يوم حزن. صح. فهل يجوز لأهل الإسلام أن يتخذوا هذا اليوم يوم فرح وعيد؟ ها، هل يجوز هذا؟ نقول: نحن بنعارض الرافضي، يوم عاشوراء هذا بنتزين فيه، وبن... يعني نوسع فيه، بنذبح، بنجعل عيد المسلمين. هل يجوز هذا؟ هذا لا يجوز. هذا في الشيء العملي. واضح. وقس على هذا في غيرها من البدع. مثلًا: الاحتفال بمولد الرسول، يفرح فيه هؤلاء ويظهرون الفرح والسرور. هل يجوز لنا نقول: نحن هذا اليوم نجعله يوم حزن ويوم يعني مأثم؟ هل يجوز هذا؟ ما يجوز. واضح هذا الآن. فالبدع لا ترد بالبدع. واضح هذا الآن. ولذلك قال هنا: «لذلك لا تندفع به شبه المعتزلة، وذلك من وجهين». أحدهما: أنه طريق مبتدع، فالبدع لا ترد بالبدع. طريق الأشاعرة الماتريدية طريق مبتدع. لماذا؟ أو طريق مبتدع؟ نعم، طريق مبتدع. لماذا؟ لأنه ليس قائمًا على الكتاب والسنة، إنما قائم على ماذا؟ على العقل. ولذلك أثبتوا بعض الصفات ونفوا بعض الآخر. واضح هذا الآن. قال: «أحدهما أنه طريق مبتدع، لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدع لا تندفع ببدع، وإنما تدفع بالسنة». وهذا فيه قاعدة مهمة في كل أمور الدين، وهو تتبع منهج السلف. قال لهؤلاء الأشاعرة: من قال بهذا من الصحابة؟ من قال بهذا من التابعين؟ من قال بهذا من علماء السلف؟ هل لكم سلف في ذلك؟ لذلك السنة يقولون: كتاب وسنة على فهم السلف الصالح. لا بد من ذلك. هذا هذا الوجه الأول الذي به يرد على الأشاعرة والماتريدية الذين يزعمون أنهم يدفعون شبه المعتزلة... والأشاعرة. والوجه الثاني فيه شيء من الطول، فنؤجله إن شاء الله إلى درس قادم. نكتفي بهذا هذا الدرس. وإلى هنا، والله تعالى شكرًا للمشاهدة.