شرح كتاب لم الدر المنثور 43

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 43، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

نشأة طلب الإسناد وضرورته عند وقوع الفتن

يشرح المقطع أن الصحابة لم يسألوا عن الإسناد لثقتهم وعدالتهم، فلما وقعت الفتن وظهر أهل البدع الذين يضعون الأحاديث، أصبح طلب الإسناد والتثبت في الرجال ضرورة لتمييز حديث أهل السنة عن حديث أهل الأهواء، وضرب ابن المبارك مثلاً لمن يطلب الدين بلا إسناد كمن يرتقي سطحاً بلا سلم.

التميز بين أهل السنة وأهل البدع بالإسناد والتحذير من الأخذ بلا سند

يؤكد المقطع أن الإسناد هو الفاصل بين أهل السنة وأهل البدع، وأن طلب العلم يجب أن يكون عن الأثبات الأتقياء الذين يتقون الله في الرواية، مستشهداً بقول الشافعي: "مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل"، محذراً من تلقي الدين من المنامات أو من غير الثقات.

فضل الإسناد العالي ورحلة السلف فيه كونه سلاح المؤمن

يبيّن المقطع أن طلب الإسناد العالي كان سنة السلف، حيث كان الصحابة والتابعون يرحلون مسافات بعيدة للسماع من الثقات، واستدل الإمام أحمد برحلة ضمام بن ثعلبة، وقال سفيان الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن"، وفي العصر الحاضر يكون سلاح الداعية رواية الأحاديث الصحيحة من مظانها المعتمدة.

دعاء ختام المجلس بالاستغفار والتوبة

يختتم الدرس بدعاء مأثور يسبح الله ويحمدُه، يشهد بوحدانيته، ويستغفره ويتوب إليه، وهو يُقال في ختام المجلس أو الصلاة طلباً للمغفرة والقبول.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف حفظه الله تعالى: "باب التثبت وطلب الإسناد، ومختص الله عز وجل هذه الأمة به من طلبها للإسناد والتثبت في الأخبار". قال ابن سيرين رحمه الله: "كان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد"، يعني في زمن الصحابة رضي الله عنهم، وذلك لأن الصحابة كلهم عدول، الصحابة كلهم عدول، وهم صادقون فيما يحدثون به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: "فلما وضعت الفتنة سألوا عن الإسناد، لكي يأخذوا حديث أهل السنة، ويدعوا حديث أهل البدع". وهذا الأثر صحيح، صحيح، قد رواه الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه. يقول ابن سيرين: إنه في الزمان الأول، زمن العلم وزمن الصادقين، كانوا لا يسألون عن الإسناد لقربهم من النبي عليه الصلاة والسلام من زمنه، ولأنهم كانوا أهل تقى وورع لا يحدثون إلا بما سمعوا، ويتثبتون في نقل الأخبار. فلما وقعت الفتن، ودخل أهل الفتن بين الناس، وصاروا يحدثون بكل ما هب ودب، سأل الأثبات أهل العلم عن الإسناد، فيأخذون حديث أهل السنة والجماعة، ويدعون حديث أهل البدع؛ لأنهم يحدثون بما يقوي بدعهم، فيتركونهم لهذا الأمر. وهذا من باب التثبت في الأخبار، وخاص أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقال أيضا: "لما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم". لما وقعت فتنة الخوارج، وهكذا القدرية، قالوا: "سموا لنا رجالكم"، حتى نعرف من هو الذي يؤخذ منه الحديث، وهكذا أيضا الذي لا يؤخذ منه الحديث. وهكذا تتالت الفتن بعد ذلك، منها ما حصل في زمن التابعين وأتباع التابعين، مثل فتنة خلق القرآن، وظهرت كذلك المرجئة، وقبلهم الجهمية. فظهر هؤلاء أهل الفتن، فكانوا ربما يأتون بالأحاديث الموضوعة والمكذوبة، ويسندوها بالأسانيد التي فيها رجال لا يعرفون، أو رجال كذابون وضاعون، أو كذلك مجاهيل، فيضعون لهم تلك الأحاديث. حتى أنه حصل في زمن الرشيد رحمه الله أنه أخذ أحدا من أهل الأهواء والبدع، من هؤلاء الذين كانوا يضعون الأحاديث، فقال: "لقد وضعت"، يعني: كذبت في الأحاديث. قال: "لقد وضعت أربعة آلاف حديث أو نحو ذلك، كلها موضوعة ومكذوبة عن النبي عليه الصلاة والسلام"، وضعها هؤلاء المبتدعة أهل الفتن. فقال له: "أين أنت من أمثال ابن المبارك رحمه الله؟" فهؤلاء العلماء الكبار، مثال ابن المبارك، وهكذا ابن سيرين، وهكذا أيضا يحيى بن معين، والإمام أحمد، والقطان، وابن المديني، وابن مهدي، وغيرهم من الأئمة، تصدوا لهؤلاء الذين يضعون الأحاديث، ففتشوا عن الرجال في كل مكان، وبحثوا عن أمانتهم وصدقهم، وأخذوا حديث أهل السنة والجماعة، وتركوا حديث أهل الأهواء والبدع. قال ابن المبارك رحمه الله: "مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد، كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم"، يعني: كيف يستطيع أن يرتقي السطح وهو بدون سلم؟ فإن هذا أمر شاق عليه، فلا يستطيع ذلك، ولو فعل لربما وقع في الهاوية وتأذى. وهكذا الذي يطلب أمر دينه بلا تثبت ولا روية في الأحاديث، فيعبد الله على جهل، فيقع في الهاوية؛ لأنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا صوابه. وقال أيضا: "بيننا وبين القوم القوائم"، يعني: الإسناد. بيننا وبين أهل البدع والأهواء القوائم، يعني: الإسناد. فهم لا يحدثون إلا عن مثلهم، وأهل السنة يحدثون عن مثلهم، الأثبات الأتقياء الذين يخافون الله جل وعلا، فلا يكذبون في الأحاديث. فالطالب ينبغي أن يكون شعاره الأخذ عن أهل السنة، فيتلقى عنهم العلم، ولا يأخذ عن أهل الأهواء والبدع مهما بلغوا من الشأن؛ لأن هذا الأمر، كما قال ابن سيرين: "الدين"، فانتظر إذا أخذت العلم النافع الشرعي تأخذه على أيدي أهل السنة والجماعة الذين ليس عندهم أهواء، يعني: أنهم يحدثون بالكتاب والسنة. قال الشافعي رحمه الله: "مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد، كمثل حاطب ليل". أثر عظيم عن هذا الإمام الشافعي رحمه الله، الذي له المسند، وله الأم، وله الرسالة، كتب نافعة ينتفع منها العلماء، وهكذا طلاب العلم الأقوياء. يقول: الذي يأخذ حديث النبي عليه الصلاة والسلام بلا إسناد، يعني: بلا "حدثنا" و"أخبرنا"، فكان في زمانهم "حدثنا" و"أخبرنا" فلان عن فلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا قال: "قال رجل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، لا أخذوا منه، يقولون: "سموا لنا رجالكم"، عن من هذا الحديث؟ من هم الذين أخذت عنهم؟ من هو شيخك وشيخ شيخك حتى نصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ فربما يقول: "قال رسول الله"، وهو ما قال. فالذي يأخذ الحديث لا بد أن يأخذه بإسناده في زمانهم. أما نحن اليوم، فالحمد لله، عندنا صحيح البخاري بإسناده، وعندنا كذلك صحيح مسلم، وعندنا السنن، وعندنا المسانيد والمجاميع وغير ذلك. فهذا من فضل الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء الرجال تحروا حديث النبي عليه الصلاة والسلام فدونوه. قال: "كمثل حاطب ليل"، الذي يأخذ الحديث بلا إسناد، مثل حاطب الليل. حاطب الليل هذا إذا جاء في الليل واحد يحطب، فإنه ربما يأخذ في حطبه حية، ثعبان، وعقرب، ونحو ذلك من الدواب والهوام التي ربما تؤدي إلى موته. وهكذا أيضا ربما تأخذ حديثا يكون فيه هلاكك؛ لأنه ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم. فيأتيك رجل بحديث، فتقع في فتنة عظيمة، أو تقع في بدعة كبيرة، أو تقع كذلك في شرك، والعياذ بالله؛ لأنه ليس عن المعصوم عليه الصلاة والسلام. تمثل حال هؤلاء، هؤلاء، هؤلاء، هؤلاء الذين يأخذون دينهم كما يقال: "حدثني قلبي عن ربي"، يعني: يأخذونه من هؤلاء الرجال الذين لا يتحرون الأسانيد، ولا ينظرون في الصحاح، وإنما عن فلان من أوليائهم، من هؤلاء الذين يقولون: "حدثني قلبي عن ربي". قالوا: "هناك زيارة مشهود لها، ومن شهد هذه الزيارة يغفر له"، وهكذا أيضا يكون من أهل الجنة، ونحو ذلك. يضعون هذا، من يضعه؟ يضعه هؤلاء الذين يرون المنامات. كل حديثهم منامات. فيتخذون بعض البقاع في الأرض، والقبور، والمزارات التي ليس لها أثر من علم، فيقولون: "كان هنا فلان، من بركاته كذا، ومن بركاته كذا"، فيضعون مثل هذه الأحاديث في فضائل هؤلاء القوم. فيحذر المسلم إلا أن يأخذ الحديث من مضانه. فمثل الذي يأخذ الحديث بلا إسناد، كمثل حاطب ليل. حاطب ليل. قال الإمام محمد رحمه الله: "طلب الإسناد العالي سنة عن من سلف، لأن أصحاب عبد الله"، يعني: ابن عباس، "كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة، فيتعلمون من عمر، ويسمعون منه". انظر كيف أولئك القوم كانوا يرحلون من الكوفة، والكوفة بالعراق، وبينها وبين المدينة مسافة كبيرة، يقطعونها بالإبل والرواحل ونحو ذلك، فيتعلمون من عمر، ويسمعون منه، طلبا للإسناد العالي؛ لأن عمر من أصحاب النبي عليه صلى الله عليه وسلم، من خلفاء الراشدين، وسمع كثيرا من النبي عليه الصلاة والسلام، فيأخذون الحديث بالإسناد العالي، يرحلون من أجله. قال الشارح: "وقد احتج أحمد بحديث أنس رضي الله عنه في الرجل الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أتانا رسولك فزعم"، رواه مسلم وغيره. "أتانا رسولك فزعم أن الله أرسلك، فأسألك بالذي أرسلك، أحق الله أرسلك؟" يعني: يسأل النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "فيتثبت من الحديث"، يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: "أحق الله أرسلك؟"، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم". وهكذا ذكر له الصلاة: "أتانا رسولك فأخبرنا أن علينا خمس صلوات باليوم والليلة، أحق الله أمرك بذلك؟"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم". وهو حديث ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه. حتى انتهى من الأسئلة، يتثبت من النبي عليه الصلاة والسلام في أمر الإسلام، الرسالة، البعث، تثبت منه في الصلاة والزكاة والصيام. فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله عز وجل هو الذي أرسله، قال: "أنا وافد بني بكر، أنا ضمام بن ثعلبة، وأنا وافد بني بكر"، فشهد شهادة الحق. كل هذا من أجل التثبت. فاحتج الإمام أحمد رحمه الله تعالى برحلة ضمام بن ثعلبة إلى التثبت من الأمر، وأن الأمر ليس بسهل؛ لأن هذا دين، فكانوا يتثبتون في أخذه من مضانه بعلو إسناده. قال سفيان الثوري رحمه الله: "الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح، فبأي شيء يقاتل؟". فالإسناد سلاح، أيها المؤمن. وهذا في الزمان الذي كان فيه أولئك الرجال، فهو سلاح. فيقولون: "حدثنا فلان عن فلان إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم"، حجة وقوة في القول والكلام، أنهم يسندون بالأسانيد. أما الذي ليس معه إسناد، فهذا لا يقبلون حديثه، لا يقبلون إلا ما يعرفون بالرجال إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأنت كذلك في هذا الزمان، ما هو سلاحك، أيها الداعي إلى الله؟ ما هو سلاحك، أيها السني؟ أيها الخطيب؟ أيها المدرس؟ سلاحك أنك إذا ذكرت الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، حتى تكون قويا في الحجة، ويقبل منك، أن تكون تحدث بالصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من مضانه. فيا حبذا يذكر مثلا: "قال النبي صلى الله عليه وسلم"، من حديث الصحابي الفلاني، رواه البخاري، رواه مسلم، متفق عليه، رواه الترمذي، صححه الألباني، صححه الشيخ مقبل، وهكذا من الأئمة والعلماء. فإذا ذكرت ذلك كنت قويا، هذا هو سلاحك الذي تقارع به أهل الأهواء والبدع وغيرهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا ويسددنا ويوفقنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.