شرح أعلام السنة المنشورة  83

شرح أعلام السنة المنشورة 83

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 83، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف ومعنى أولو العزم

أولو العزم من الرسل هم طائفة مميزة من رسل الله، يتمتعون بمنزلة رفيعة وبصفات الصبر والمصابرة. اختلف العلماء في تعريفهم وتحديد عددهم.

تحديد أولو العزم من الرسل

اختلف العلماء في تحديد أولو العزم، وذهبوا إلى ثلاثة أقوال، أشهرها أنهم خمسة رسل: نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، ومحمد. استدلوا بذكرهم في القرآن.

ترتيب أولي العزم حسب الأفضلية

اتفق العلماء على أن النبي محمد هو أفضل أولي العزم، ثم إبراهيم، واختلفوا في ترتيب الباقين. الترتيب المعروف هو: محمد، إبراهيم، موسى، عيسى، نوح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى: من هم أولو العزم من الرسل؟ وهذا من المباحث التي لها تعلق بالإيمان بالرسل، وذلك بالتعرف على من هم أولو العزم من الرسل. وأولو العزم من الرسل هم طائفة من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، لهم منزلة رفيعة ومنزلة عالية، وكلهم على رفعة، لكن هؤلاء خصهم الله جل وعلا بالذكر، وقد جاءت الآيات القرآنية تدل على علو هؤلاء، بل فيها الأمر برسول الله عليه الصلاة والسلام أن يأتسي بهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وهؤلاء هم من أفضل الرسل إطلاقا، وهذا بلا خلاف، حكى ذلك جماعة من العلماء، ومنهم ابن كثير رحمه الله تعالى، حيث قال: لا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولو العزم منهم أفضلهم، وأن أولو العزم من الرسل أفضلهم، فهم النخبة عليهم الصلاة والسلام. ومعنى أولو العزم من الرسل: يقول علماء اللغة، العزم يأتي بمعنى الصبر والحزم وثبات القلب. ومن تأمل إلى إيراد هذه الكلمة في كتاب الله سبحانه وتعالى، يجد أنها تدور على هذه المعاني: المصابرة، والحزم، ورباطة الجأش والقلب. ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، فجعل ربنا جل وعلا الصبر والتقوى من عزم الأمور. إذن، أولو العزم من الرسل هم رسل من رسل الله سبحانه وتعالى، كانوا في غاية من الصبر والمصابرة والجلد والتجلد في دعوة أنبيائهم، والصبر على أعباء الدعوة. ولهذا أمر ربنا نبينا أن يأتسي بهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. هنا تأتي المسألة التي أرادها المؤلف رحمه الله تعالى: من هم هؤلاء؟ طبعا هذه المسألة وقع فيها الخلاف الكثير والكبير بين أهل العلم. فمنهم من ذهب إلى الوصف، ومنهم من ذهب إلى تعيين الأشخاص. ومن حيث الأشخاص، من هم الرسل الذين يذكرون بأعيانهم فيعتبرون من أولو العزم؟ هنا تم الخلاف. من ذهب إلى الكتب المطولة من كتب التفاسير يرى ذلك مسردا، يظهر فيه خلاف العلماء حول ترجيح أي نبي أو أي رسول يدخل في هذا الوصف. وحسبنا في هذا المقام أن نذكر ثلاثة أقوال وهي الأقوال الشهيرة في هذه المسألة. منهم من ذهب إلى أن جميع الرسل هم من أولو العزم، ما من رسول أرسله ربنا جل وعلا إلا وهو من أولو العزم، فكلهم في الفضل سواء، وكلهم يحتذا بهم ويقتدي بهم. وهذا قول طائفة من أهل العلم، وهذا على قول أن «من» هنا بيانية، ليست تبعضية. لكن هذا القول، وإن تبناه بعض العلماء، ليس بصحيح، إذ أن ليس جميع الرسل هم من أولو العزم. استدل العلماء مثلا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، ومن هو صاحب الحوت؟ يونس عليه السلام. فدل على أن يونس دون من أولو العزم. كذلك في قوله تعالى في حق آدم عليه السلام: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، فهو ليس من أهل العزم بنص القرآن. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه عند تفسير هذه الآية: أي لم نجد له عزما في تركه الأكل من الشجرة التي نهي عنها. فبهاتين الآيتين استدل العلماء على أن من قال أن جميع الرسل هم من أولو العزم ليس بصواب، بدليل أن بعضهم دون هذه المرتبة. القول الثاني من الأقوال الشهيرة: من ذهب إلى أن أولو العزم من الرسل هم الثمانية عشر نبيا ورسولا الذين جاء ذكرهم في سورة الأنعام. وهم الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط. ثم بعدما ذكرهم الله قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾، فقال: إن الله عز وجل طلب من رسول الله أن يقتدي بهؤلاء. قالوا: إذن هؤلاء هم أولو العزم من الرسل المذكورون في هذا الموضع من سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر نبيا ورسولا. هذا القول كذلك فيه ما لا يسلم لمن قال به، وأن فيه بعض ما ينتقد عليهم في اختيار هذا القول. ومن أعظم ما يرد عليهم في مسألتين اثنتين: أولاهما أن هؤلاء المذكورين أن منهم أنبياء وليسوا بمرسلين، وربنا عز وجل عندما وصف أولي العزم ماذا قال عنهم؟ رسلا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، إذن هذا شرط أن يكون هؤلاء هم من جنس الرسالة. والأمر الثاني أن هؤلاء ليسوا هم المعنيون بالاقتداء في هذه الآية، لأن قول الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، هل هو يعود فقط إلى هؤلاء المذكورين؟ لا، ليس فقط هؤلاء، وإنما ربنا بعدما ذكرهم ماذا قال سبحانه وتعالى مبينا أن من كان من أحفادهم وأتباعهم فإنهم كذلك على هذا المنوال من الاقتداء؟ ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. إذن هؤلاء الثمانية عشر مع ما كان من آبائهم وذرياتهم وأبنائهم ممن اصطفاهم الله على النبوة والرسالة. فدل ذلك على أن هذا القول كذلك لا ينهض بالاستدلال به. بقي المذهب الثالث، وهو المذهب القوي والراجح والظاهر في هذه المسألة، وهو الذي تبناه الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: من هم أولو العزم من الرسل؟ قال: هم خمسة، ذكرهم الله عز وجل على انفرادهم في موضعين من كتابه. الموضع الأول في سورة الأحزاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية. والموضع الثاني في سورة الشورى، وهو قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. إذن القول الراجح: أن أولو العزم من الرسل هم هؤلاء المذكورون، وهم نبينا عليه الصلاة والسلام، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. سبب الاختيار لهؤلاء: أن الله سبحانه وتعالى ذكرهم ذكرا خاصا، ثم خصهم بالذكر في موضعين اثنين. وهذا الذي ذهب إليه كثير من العلماء، وهو قول جمهور السلف رحمهم الله تعالى، على أن الخمسة هؤلاء هم أولو العزم. كما حكى ذلك السفاريني رحمه الله تعالى، على أن هذا المشهور عند العلماء أنهم الخمسة. وهكذا ابن القيم رحمه الله تعالى في «طبقات المكلفين» عندما ذكر الطبقات، بدأ بالطبقة الأولى، وأول من بدأ بهم، كما سماه رحمه الله تعالى: «وهؤلاء هم الطبقة العليا في الخلائق»، ومن هؤلاء الخمسة. ثم بدأ بذكر الطبقة الثانية: هم باقي الرسل. فجعل الطبقة الأولى هم الذين لا يعلم عليهم من البشر، هم هؤلاء الأنبياء الرسل الخمسة، وهم أولو العزم من الرسل. وأيضا مما يؤيد هذا المعنى: أن هؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل، ما ذكره نبينا عليه الصلاة والسلام في حديث الشفاعة، عندما يستغيث الناس بالأنبياء والرسل، فيلجأون إلى هؤلاء الخمسة. تبقى مسألة كذلك دخل فيها العلماء، مما لها تعلق بأولي العزم من الرسل: كيف ترتيبهم من حيث الأفضلية؟ هم خمسة، فكيف يرتبون؟ النص القرآني في هذين الموضعين في سورة الشورى وسورة الأحزاب إنما كان ذكرهم على حسب التسلسل الزمني. اتفقت الكلمة بين أهل العلم على أن أفضل رسول من أولو العزم على الرسل هو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا بالإجماع، لا خلافة في ذلك. كما قال ابن كثير: أولهم محمد بلا خلاف. ثم تأتي بعد ذلك مسألة من الثاني في الأفضلية. المشهور كما قال الأئمة كالسفاريني رحمه الله تعالى: ذهب إلى أن المشهور هو إبراهيم عليه السلام، إبراهيم هو المرتبة الثانية بعد نبينا عليه الصلاة والسلام. ومما يؤيد هذا الترتيب: أن إبراهيم هو الأفضل بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أدلة كثيرة، منها أن إبراهيم هو خير البرية، كما جاء ذلك في صحيح مسلم. وقد ذكر الإجماع في هذه المسألة السيوطي رحمه الله تعالى، فذكر الاتفاق على أن أفضل رسول بعد نبينا هو إبراهيم. إذن إذا ذكر الإجماع مع هذا النص، فأن نسير على هذا الترتيب: فأفضلهم محمدا، ثم إبراهيم عليه السلام. ثم تأتي بعد ذلك الثلاثة: نوح، وموسى، وعيسى عليه السلام، فكيف يقدم أحدهم على الآخر؟ ابن حجر رحمه الله تعالى، والصيوطي رحمه الله تعالى يقول: ما وقفنا على شيء يدل على التفضيل هذا على هذا في الثلاثة. لكن النص أظهر أن موسى أفضل من عيسى، والنصوص الشرعية، وأن رتبة موسى أرفع من رتبة عيسى. ومما يستدل به على هذه الرفعة: ما جاء في حديث المعراج، أن نبينا عليه الصلاة والسلام لما أعرج به، كان في السماء الثانية عيسى عليه السلام، ولما صعد حتى بلغ إلى السماء السادسة كان موسى عليه السلام. إذن دل ذلك على أن موسى له الطبقة العليا عليه الصلاة والسلام، وأن عيسى دونه. فمن هنا استفدنا على أن موسى مقدم على عيسى، بقي نوح عليه السلام. إذن هذا الترتيب لا إشكال فيه: أول أولو العزم نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، بقي نوح، هل يتقدم على موسى وعيسى أم يتأخر عنهما؟ من أهل العلم من توقف في هذا. قال: ما أستطيع أن أقدم هذا على هذا، وأخرهم. قد يكون الترتيب: محمد، إبراهيم، موسى، عيسى، نوح. أو محمد، إبراهيم، نوح، موسى، عيسى. لكن ذكر المناوي رحمه الله تعالى: أن الرازي ذكر الإجماع على أن نوح بعد موسى وعيسى. فإن صح الإجماع، فلا إشكال في ذلك. ويكون الترتيب على هذا الذي جرى عليه كثير من العلماء: أن أفضل الرسل هو نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم نوح عليه السلام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.