المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو يوسف عبدالمجيد الشحري، ألقاها
افتتح الشيخ عبد المجيد الغيلي اللقاء بالحديث عن نعمة الله العظمى في جمع المسلمين على الحق، مستدلاً بآيات الاعتصام بحبل الله والنهي عن التفرق. أكد أن الوحدة مصدر قوة وعزة للأمة بينما الفرقة سبب للضعف والهوان، داعياً إلى التآلف وتجنب أسباب الخلاف.
حث المقطع على كون المسلم مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، معتبراً التنازل عن بعض الحقوق الشخصية سبيلاً لوحدة الصف كما فعل الحسن بن علي رضي الله عنه. حذر من داء حب الرئاسة والشرف الذي يفسد الدين ويفرق الجماعة مستنداً إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
بين المقطع أن الحرص الشديد على المال والشرف مفسد للدين، محذراً من دعاة الفتنة ومؤكداً على التثبت وحسن الظن. استعرض آداب الخلاف في المسائل الاجتهادية السائغة مستشهداً بموقف الإمام الشافعي داعياً لتوسعة الصدور وعدم جعل الخلاف سبباً للفرقة.
أكد المتحدث أن أي اجتهاد يخالف النص الشرعي الصريح مردود وغير معتبر، مستشهداً بقاعدة إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. اختتم بدعوة إلى التآلف والتآخي ونبذ الفرقة سائلاً الله حفظ الجمع المبارك.
نستفتح هذا المقام وهذه الكلمات بكلمة لهذه الدار يلقيها على مسامعنا الأخ الشيخ عبد المجيد الغيلي أبو يوسف حفظه الله تعالى، يتكلم أولاً بالنيابة عن إخوانه من دار الحديث في الشحر، فليتفضل حفظه الله مشكوراً مأجوراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر هذا اللقاء المبارك وهذا الاجتماع الطيب، الذي نسأله جل وعلا أن يجعله اجتماع خير وبركة. وإن القلب ليفرح، والصدر لينشرح، والعين لتقر برؤية هذا الجمع المبارك وهذا الحضور الطيب. وإن من نعمة الله جل وعلا ومنته على أهل الإسلام والإيمان أن جمعهم الله جل وعلا على الحق والهدى بعد تفرقهم وتشتتهم وتمزقهم. قال الله جل وعلا: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾. هذه نعمة عظيمة، نعمة الاجتماع والتآلف والتحابب والتآخي، وعدم التفرق والتمزق، ينبغي أن نحمد الله جل وعلا عليها، وأن نحافظ عليها. والله جل وعلا يحثنا على ذلك ويأمرنا سبحانه وتعالى بالاجتماع ونبذ الفرقة. قال جل وعلا: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾. فالله عز وجل أمرنا أن نجتمع بحبل الله، وهو كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن لا نتفرق عنهما. هذه المنة العظيمة حرص عليها النبي صلى الله عليه وسلم، لما قدم المدينة كان من أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم أن آخى بين المهاجرين والأنصار، أخوة الإسلام والإيمان، حتى ضربوا بها أروع الأمثلة، فكان الواحد منهم لربما يطلق إحدى زوجتيه حتى يتزوجها أخوه الذي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وربما خيره بإحدى بستانيه أن يختار أحدهما فيعطيه إياه. وهكذا حصلت هذه الأخوة والتآلف والتآخي والتحابب بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فهذا الأمر العظيم ينبغي أن نحرص عليه، أن نكون متحابين متآلفين مجتمعين، أن نكون بعيدين عن أسباب الخلاف والتفرق، لأن ذلك مما يحبه الشيطان ويحبه أتباعه، وكذلك أعداء هذا الدين. وكذلك أيضاً أن التفرق والاختلاف سبب للضعف والفشل والهوان. ولذلك يقول ربنا جل وعلا: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾. لا تنازعوا، أي لا يحصل بينكم النزاع والخلاف، فيحصل الفشل والهزيمة، وهكذا أيضاً تذهب ريحكم، أي قوتكم، لأن الاجتماع قوة والاختلاف ضعف. وكما قال القائل: إن الرماح إذا اجتمعن تكسرن، وإذا افترقن تكسرت آحادا. إذا أتيت بعود لوحده تستطيع أن تكسره بكل سهولة، وآخر، وثالث، ورابع. فإذا جمعتها وعصبتها وجعلتها مترابطة وجئت تكسرها فلا تستطيع أن تكسرها. وهكذا عندما يكون أهل الحق والهدى مجتمعين فلا يستطيع لهم الأعداء، ولا يستطيع لهم المبغضون، أن يفرقوا جمعهم، ولا كذلك أن يوقعوا بينهم العداوة والبغضاء. فإذا حصل بينهم التفرق والاختلاف فلا تسأل عن الشر الذي يقع بسبب ذلك. فالاجتماع رحمة من الله جل وعلا، والفرقة عذاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الجماعة رحمة والفرقة عذاب». فلذلك ينبغي أن نكون مفاتيح للخير مغاليق للشر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، طوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه». هذا الحديث رواه الإمام ابن ماجه رحمه الله من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. فلذلك ينبغي أن تحرص أن تكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر. الباب الذي يأتي منه الشر ينبغي أن تغلقه، والذي يكون سبباً للتفرق والاختلاف ينبغي أن تبتعد عنه، وأن تكون ممن يحرص على جمع الكلمة وعلى التآلف والتآخي على الحق والهدى. لا يأتي الشر من قبلك، ولا يأتي التفرق والخلاف بسببك. حتى لو كان الأمر يحتاج إلى تنازل عن شيء من الحق فتنازل عنه حرصاً على جمع الكلمة وعلى التآلف والتآخي. فإن كثيراً من الخلاف الذي ربما يقع بين إخواننا تجد أنه بسبب حظوظ نفس، هذا شيء في نفسه على الآخر، فيتكلم عليه ويحذر منه، وقد يقلب المسألة من حظوظ نفس إلى مسائل منهجية، ثم يأتي التحزيب والتبديع، ويتفرق الصف ويتشتت، وأصل ذلك هو ما في النفوس. ينبغي أن نطهر قلوبنا من حظوظ النفوس، وأن نحرص على جمع الكلمة. فلو كان لك حق، لو كان لك حق ولم تعطى هذا الحق، وأنت تعلم أنك ربما لو أخذت بهذا الحق سيؤدي ذلك إلى تفرق الكلمة وتشتت الصف، فينبغي أن تتنازل عنه حرصاً على جمع الكلمة ودفعاً لباب الشر. انظر إلى الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، لما تنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، تنازل عن خلافة كاملة وحق بها، حرصاً على جمع كلمة المسلمين وصوناً لدمائهم. فما عسى أن يكون لك من الحق الذي تريد أن تتحصل عليه؟ فينبغي أن تتنازل عنه، ولا تظن أن ذلك هزيمة أو أن ذلك مذلة، بل والله هو شرف لك ورفعة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فهذا عزة لك وشرف، أنك تعفو عمن أخطأ في حقك أو أساء إليك، فأنت تريد الأجر والثواب من الله جل وعلا، وهذا سبب لحصول الرفعة من الله سبحانه وتعالى. فلذلك ينبغي أن نتصف في هذه القلوب. وكذلك أيضاً ربما أن يقع في قلب المرء حب الرئاسة والشرف، وهذا من أسباب الفرق والاختلاف وتمزق الصف، أن يحرص المرء على الرئاسة، يريد أن يكون شريفاً رئيساً، له كلمة وله منزلة وله أتباع، فيريد أن يصل إلى هذه المنزلة ولو بتمزيق الصف وتفريقه، ولا يبالي. وهذا لا شك أنه مرض خطير، وقد حذر نبينا عليه الصلاة والسلام من ذلك، كما جاء عند الترمذي من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ذئبان جائعان أرسل في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه». فحرص المرء على المال والشرف، يريد أن يصل إليه وأن يتحصل عليه بأي طريق وبأي سبيل، لا يبالي ما يقع وبما يحصل من أجل أن يصل إليه، فإن ذلك مما يفسد دين المرء إفساداً عظيماً. وهكذا أيضاً كذلك أن نحرص ونحذر من دعاة الشر وأهل الباطل، وكذلك الأعداء، أعداء هذه الدعوة المباركة، وهم كثر، ربما يندس منهم من يندس في أوساطنا حتى يثير الخلاف والشقاق في صفوفنا. وربما يظهر شيء من الكلمات، أو أن فلاناً قال كذا وكذا، أو أن فلاناً قال كذا وكذا. فينبغي أن تحسن الظن بأخيك، وأن لا تتعجل في الرد وفي مقابلة هذه المقالة التي بلغت، حتى تتثبت وتتبين، وتكون متريثاً متأنياً، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾. فكم قد يحصل من شقاق وتفرق بسبب ذلك، أن فلاناً قال كذا وكذا، فيأتي فيرد، وهذا يرد، وهذا يرد، وتفرقت، هذا تبعه أتباع، وذاك تبعه أتباع، وهكذا تفرقت الصفوف وتمزقت بسبب ذلك. وهكذا أيضاً كذلك أن نسلك المسلك الصحيح العلمي في المسائل الخلافية التي يسوغ فيها الخلاف. فربما يحصل الخلاف بين إخواننا في مسألة اجتهادية، اجتهد فيها العلماء، هذا قال بقول، وذاك قال بقول آخر، هذا أجاز وهذا منع، والمسألة يعني الخلاف فيها سائغ. فأنت أخذت بهذا القول، وأخوك أخذ بالقول الآخر، فلا يكون هذا سبباً للتفرق والاختلاف، لا يكون هذا سبباً للتفرق والاختلاف. مثالاً على سبيل المثال: حصل من بعض إخواننا في رمضان في مسألة تلحين الدعاء في قنوت الوتر، فبعضهم أخذ بقول من منع من أهل العلم، وآخر أخذ بقول من أجاز. فربا أن بعضهم منع أخاه من الصلاة، لماذا؟ لأنه يلحن في الدعاء. وأنا لا أرى ذلك طيباً. هذه مسألة خلافية، الخلاف فيها سائغ، ليس فيها نص يعني يدل على أحد القولين، بل هي مسألة اجتهادية. أنت أخذت بقول بعض أهل العلم، وهو أخذ بقول بعض أهل العلم. فأنت تحتفظ بقولك، وهو يحتفظ بقوله، وتبقى الأخوة والمودة والمحبة بيننا. إذا صليت فلا تلحن في الدعاء، وإذا صلى ولحن فلا تنكر عليه أو تمنعه من الصلاة، هذا خطأ. ينبغي أن نوسع صدورنا للمسائل الخلافية التي يسع فيها الخلاف. انظروا إلى الإمام الشافعي رحمه الله، ذكر الإمام الذهبي في السير عن يونس الصدفي رحمه الله قال: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، قال: فلقيني فأخذ بيدي وقال: يا أبا موسى، ألا نبقى إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟ ألا نبقى إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟ قال الإمام الذهبي رحمه الله: وهذا من كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه. فما زال النظراء يختلفون، اختلف معه في مسائل علمية يسوغ فيها الخلاف، وما كان ذلك سبباً للتفرق والاختلاف، بل أبقى ما بينه وبين أخيه من المحبة والمودة. وهكذا ينبغي أن نعرف كيف نتعامل مع المسائل الخلافية التي يسوغ فيها الخلاف، فتبقى المودة والمحبة بيننا. بخلاف المسائل التي لا يسوغ فيها الخلاف، مسائل يعني اجتهد إنسان في قول وخالف فيه النص، فلا شك أن قوله مردود، ولا قول مع قول الله جل وعلا ورسوله، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. فينبغي أن نحرص على التآلف والتآخي والاجتماع ونبذ الفرقة والاختلاف بقدر ما نستطيع. أسأل الله جل وعلا أن يحفظنا وإياكم من كل سوء ومكروه، وأن يحفظ هذا الجمع المبارك من كيد الكائدين وعداوة الأعداء والمبغضين. وأكتفي بهذه الكلمات، وأترك المجال لإخواني. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. جزى الله أخانا الشيخ الفاضل أبا يوسف على ما أجاد وأفاد في طرحه لهذا الموضوع.