المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو البراء صادق السقاف، ألقاها
يوضح الشيخ صادق السقاف عظيم شأن طلب العلم الشرعي مستشهداً بحديث النبي ﷺ وأقوال السلف في فضله. ويضرب أمثلة تاريخية كأبي جعفر المنصور ومحمد بن حسن الشيباني لتوضيح لذة العلم.
يتناول المقطع كيف تدفع لذة العلم الطالب للإخلاص في النية والتمسك بالدليل النبوي مع تعظيم العلم كما في قصة الإمام مالك مع هارون الرشيد. ويختتم بنصيحة أم لعطاء بن أبي رباح بطلب العلم لرفع القدر.
يسرد قصص علماء وسالفين آثروا طلب العلم على ملذات الدنيا كعطاء بن أبي رباح والإمام الشافعي وسيبويه ومالك بن أنس وابن المبارك. تظهر هذه القصص أن لذة العلم تُنسي لذات الحياة الدنيا.
يختتم المتحدث المجلس بالشكر والثناء على الشيخ ويعلن تأجيل القيام لصلاة العشاء لاستكمال الحديث لاحقاً. ويدعو الحضور للاشتراك في القناة لمتابعة الدروس القادمة.
إخواني في الله، كذلك الكلمة الآن للشيخ الفاضل أبي البراء، الشيخ صادق السقاف، حفظه الله تعالى ورعاه، وهو القائم على التدريس بمسجد التوحيد في تريم، ولد فضل، حفظه الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما يسعني عند أن أرى هذه الوجوه النيرة المستنيرة بنور السنة، وهذا الجمع المبارك، إلا أن أتذكر قول القائل حيث قال: أهلاً وسهلاً بالذين أحبهم وأودهم في الله ذي الآلاء أهلاً بقوم صالحين ذوي تقى غروا الوجوه وزين كل ملائي ومداد ما تجري به أقلامهم أزكى وأفضل من دم الشهداء يا طالبي علم النبي محمد ما أنتم وسواكم بسوائي أحبتي في الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا حضور هذا المجلس العلمي المبارك، وهذا المجلس طريق من الطرق السالكة إلى الجنة. فقد ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». وذكر علي الإمام الصلعاني رحمه الله تعالى قال: ما ذكر العلم في الكتاب والسنة إلا أريد به العلم الشرعي، أي علم الكتاب والسنة. ولذا قيل في العلم: قال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: «العلم يزيد الشريف شرفاً، ويجلس المملوك على الأسرة». وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم». وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم». نعم، أحبتي في الله، العلم له لذة، لذة العلم يتمناها الملوك والأمراء وأصحاب الأموال. سئل أبو جعفر المنصور رحمه الله تعالى: أي لذات الدنيا لم تنلها؟ ملك يركب أفضل المركوبات، يأكل أفضل المأكولات، يشرب أفضل المشروبات، يتزوج بأجمل النساء، يلبس في أفخر أفضل الثياب، ومع ذلك ما هي اللذة التي ما نالها؟ قال: لذة قول المستملي للشيخ: «من قلت: رحمك الله». فيما سبق يجلس ألف طالب ولا توجد مكبرات الأصوات، فعلى كل بعد مستملي إذا قال الشيخ: «حدثنا فلان»، قال المستملي: «حدثنا فلان». فإذا لم يسمع رجع المستملي للشيخ فقال: «من قلت: يرحمك الله». أبو جعفر المنصور يريد هذه الكلمة، يريد هذه اللذة. قالوا: الأمر سهل. اجتمع الحرس والخدم والوزراء وجلسوا أمامه. قال: «حدثنا». قال: «حدثنا فلان». قال: «من قلت: يرحمك الله». فتبسم ضاحكاً، قال: «لا أنا به ولا أنتم بهم»، يعني: لا أنا بالمحدث ولا أنتم بطلبة العلم. ثم أخذ يصف طلبة العلم: «هم الطويلة شعورهم، الذنسة ثيابهم، المشققة أقدامهم، يجوبون الآفاق، يوم بالشام ويوم باليمن ويوم بالعراق». أي: نقلة الحديث. لا يقصد بطالب العلم أنه رث الهيئة، ولكن شغله الشاغل طلب العلم. طلب العلم، وهكذا محمد بن حسن الشيباني كان إذا سهر الليالي وانحلت أمامه العقد، أي في المسائل، رفع صوته عالياً ويقول: «أين أبناء الملوك من هذه اللذات؟ أين أبناء الملوك من هذه اللذات؟». ويصف أحد طلبة العلم لذة العلم فيقول: سهري لتنقيح العلوم إلى الدلِ من وصل غانية وطيب عناقي وتمايلي طرباً لحل عويصة في الدرس أحلى من مدامة ساقي وصرير أقلامي على أوراقها أحلى من الدوكات للعشاقِ ودم نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراقي يا من يحاول بالأمان رتبتي كم بين مستفل وآخر راقِ أبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي لذة العلم يا طالب العلم تدعوك إلى الإخلاص. قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «فمن خلصت نيته بينه وبين الله، فمن خلصت نيته على الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الناس، شانه الله»، أي: أبغضه الله، وبعد ذلك يبغضه الناس أيضاً. هكذا يا عباد الله، ويقول ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: «إنما يوفي الله جل وعلا الرجل على قدر نيته». أصلح نيتك يا طالب العلم، أصلح نيتك. نعم، لذة العلم يا طلبة العلم تدعو إلى التمسك بالدليل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. نعم، التمسك بالدليل له لذة عظيمة يا عباد الله. يذكر أن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه ومعاوية رضي الله عنه وأرضاه طاف بالبيت، فكان معاوية كما يذكر يستلم الأركان الأربعة، فقال له ابن عباس: «لما تصنع هذا؟» قال: «ليس في البيت شيء مهجور». فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. قال: صدقت. هكذا يا عباد الله، لذة العلم تدعوك لصيانته، لذة العلم تدعوك لصيانته، أي لصيانة العلم. وصدق القائل حيث قال: والله والله مرتين لحفر بئرين بارتين ونقل بحرين زاخرين على صعيد بمنخلين وغسل عبدين أسودين حتى يصير أبيضين وكنس أرض الحجاز طراً في يوم ريح بريشتين وماذا تريد حال ولا وقوفي على لئيم يضيع منهما إلى أن هارون رحمه الله تعالى جاء حاجاً فمر على المدينة، فأرسل البرمكي إلى الإمام مالك، أرسله: «أن احضر إلينا وأتِ بكتابك»، أي الموطأ. فإذا به يقول: قال للبرمكي: «قال: اقرأ، أما اقرأ هارون الرشيد السلام، وأبلغه أن العلم يؤتى ولا يأتي، يزار ولا يزور». قال: فرجع البرمكي إلى هارون الرشيد فقال له رد بكذا وكذا، وأخذ يؤلبه على الإمام مالك. فإذا بالإمام مالك يحضر وليس معه كتاب، زائراً لهارون الرشيد. فعاتبه هارون على صنيعه، قال: «يا أمير المؤمنين، ما وضعك الله في هذا الموضع، ما رفعك الله إلى هذه المنزلة إلا لعلمك، نعم، فلا تكن أول من يهين العلم، أول من يضع العلم فيضعك الله، ولقد رأيت من هو أقل منك نسباً وهو يجل العلم، فأحرى بك أنت». وأخذ يعظه حتى بكى. نعم، لذة العلم ترفع المملوك فتجلسه مجالس الملوك. عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى، عبد، أفطس، أسود، أشل، قيل أيضاً أعور، عيوب كثيرة، فإذا به يخاطب أمه: «يا أماه، صدت أمام الأبواب، صدت أمام الأبواب، إذا تكلمت لا يسمع لي، وإذا استأذنت لا يؤذن لي، وإذا شفعت لا أشفع، ماذا أصنع؟» قالت له: «يا بني، ألا أدلك على شيء إذا فعلته هابك الملوك وخافك الصعاليك؟» قال: بلى. قالت: «اطلب العلم يا بني، اطلب العلم». نعم يا عباد الله، فمكث أكثر من عشرين سنة وهو في المسجد الحرام لا يخرج إلا لحاجة، حتى جاء سليمان بن عبد الملك، قيل وهو ولي للعهد، وقيل وهو أمير، يسأل، يسأل عطاء بن أبي رباح. نعم، هذا العبد الأسود ارتفعت مكانته إلى هذه المنزلة العظيمة. هكذا يا عباد الله، فيقول: وُلدَ، وُلدَ سليمان بن عبد الملك، من هذا العبد الذي ما عضى أمير المؤمنين منزلته؟ قال: فسمعهما سليمان، فقال: «يا بني، يا أبنائي، اطلبوا العلم، فلا أنسى موقف دلني أمام هذا العبد». نعم، رأيت العلم صاحبه شريفاً، وإن ولدته أمهات اللئام، وليس يزال يرفعه حتى يعظم قدره القوم الكرام ويتبعونه في كل أفق، ومن يك عالماً فهو الإمام. نعم عباد الله، لذة العلم تنسيك لذات الدنيا، لذة العلم تنسيك لذات الدنيا. هذا أحد أصحاب الإمام الشافعي يمر على السوق فيعجب بجارية فيشتريها، فإذا به يأتي بها إلى بيته، الجارية تتصنع وتتزمن من أجل أن يتمتع بها، زوجه ماذا؟ سيدها دخل هذا الطالب إلى مكتبته فنسى كل شيء، نسي كل شيء، قال: فمكث حتى أذن المؤذن للفجر، فخرجت تلك الجارية إلى النخاص، قالت: «لقد بعتموني إلى مجنون». نعم، ممتع بها جميلة، صنعت يوم عرض مع سيدها، ومع ذلك شغل عنها. فسمع وبلغ الإمام الشافعي هذه المقولة، فقال: «المجنون من علم بقيمة العلم ثم توانى عنه أو ضيعها». كذا يا عباد الله، لذة العلم تنسيك لذات الدنيا. هذا أيضاً سيبويه تزوج بجارية، عشقها كأنها من أقاربه، وكان قد ابتدأ ببناء كتابه، وكان مشغولاً بكتابه، أي ملتفتاً لها كثيراً، فتحينت له فرصة خروجه إلى السوق، قالوا: فألقت بجذوة من نار على مكتبته فأحرقت المكتبة، فعند أن عاد وجدها هباءً منثوراً، فأغمي عليه، وأول ما أفاق طلقها وبنى كتابه من جديد. لذة العلم تنسيك لذات الدنيا، لذة العلم يا أيها المبارك تصنع العجائب، تصنع العجائب، يضحي الشخص بالغالي والنفيس من أجل طلب العلم. هكذا يقول الشافعي: «بعت صدف أمي بسبع الدنانير، بعت صدف أمي بسبع الدنانير». وهذا الإمام مالك قال: «انتهى به الحاجة في طلب العلم إلى أن قضى سقف بيته، فباع الخشب، باع خشب بيته» إلى هذا الحد. ويقص لنا ويروي لنا أحد طلبة العلم ماذا رحلته، وأختتم بها ولا أطيل عليكم، وهو يقول في رحلته إلى ابن المبارك: خلفت عرسي يوم السير باكية خلفت عرسي يوم السير باكية يا ابن المبارك تبكيني بناتي خلفتها سحراً في الليل لم أرها وفي فؤادي منها شبه كياتي أهلي وعرسي وصبياني رفضتهم وجدت نحوك من تلك المفازات أخاف والله الطاعة الطريق وما أمنت منها من لطي حياتي مستوفزات رقش مشوات أخاف صولاتها في كل حالاتي يا ابن المبارك اجلس لنا ساعة بكرة هذه الرحلة كامل يريد ساعة يا ابن المبارك اجلس لنا ساعة بكراً انخف ذاك وإلا في العشيات يا أهل مروا أعينونا بكفكم أي: ابتعدوا عنا لا تشغلونا يا أهل مروا أعينونا بكفكم وإلا هجوناكم بأبياتي نعم لا تذجرون فإنا قوم صبر وما نبغي سوى رب البريات أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، ويسأله جل وعلا أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بارك الله فيكم، جزى الله الشيخ الفاضل أبا البراء حفظه الله تعالى على ما تطرق إليه وأفاد، وآجركم، وإن شاء الله إخواني لا نقوم إلى صلاة العشاء، وبعد الصلاة نستكمل ما بقي. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.