المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو أحمد وضاح المذاح، ألقاها
يشيد المتحدث بلقاءات الدعوة والإصلاح مؤكداً أنها تقرب العبد إلى الله وتجعله تحت ضيافته مستدلاً بأقوال السلف والأحاديث النبوية. ويحث المسلمين بعد رمضان على الاجتهاد في إصلاح ذات البين كعبادة عظيمة تفوق الصيام والقيام والصدقة.
يؤكد الخطيب على أهمية إصلاح ذات البين وتطهير القلوب كشرط أساسي لإصلاح المجتمع مستشهداً بالقرآن والسنة. ويبين أن تألف القلوب لا يتم إلا بالله وأن صلاح القلب يؤدي إلى صلاح الجسد والعمل داعياً إلى البدء بإصلاح النية.
يبيّن المقطع أن الفرقة بين الإخوان لا تحدث إلا بذنوب ومعاصي وأن النميمة والإفساد من أكبر الكبائر. بينما الزيارة في الله وجمع الكلمة على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم تجلب الأجر العظيم وتجعل المسلم يخرج برسول الله لا بعرض دنيوي.
يختتم المتحدث بالدعاء لله بالقبول والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويشكر الشيخ أبا أحمد على التذكير والإفادة في هذا المجلس المبارك.
الكلمة الآن إخواني في الله، ولشيخنا الفاضل، ولأخينا الفاضل أبي أحمد، الأخ والضاح من أحمد المداح، وهو الأخ القائم والشيخ الفاضل القائم على مركز بيحان. ليتقدم حفظه الله، ربي ورعاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فنحمد الله جل في علاه الذي وفقنا وإياكم لهذا الخير العظيم، ولهذا التوفيق المبارك منه سبحانه وتعالى. وهذا محض فضل من الله عز وجل علينا وعليكم، أن جعلنا وإياكم من دعاة أهل السنة والجماعة، وأن جعلنا من رواد بيوته سبحانه وتعالى. ونشكر لإخواننا القائمين على الدعوة في هذه البلاد الطيبة، ونسأل الله جل وعلا أن يجزيهم خيراً. ومثل هذه الاجتماعات الطيبة إنما هي قربة من الله عز وجل، يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل، تزيد في عبادته وطاعته وتقربه إلى خالقه وباريه. نعم عباد الله، يقول ابن القيم رحمه الله: «أقرب الوسائل إلى الله عز وجل ملازمة السنة، أقرب الوسائل إلى الله عز وجل ملازمة السنة والوقوف معها ظاهراً وباطناً». فمن قام في هذه الدعوة ظاهراً وباطناً فقد قرب من الله عز وجل. وهذه الاجتماعات قربة تقربنا إلى الله، وإلى دينه، وإلى سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. جزاهم الله خيراً على مثل هذه اللقاءات المباركة التي تقرب العبد إلى الله عز وجل، بها يتزاور الناس، وبها تصلح قلوب العباد، وبها يتزاور الإخوان، ففي ذلك الأجر العظيم من ربنا عز وجل. أفلا تعلمون عباد الله أننا من ضيوف الرحمن سبحانه وتعالى في بيته جل في علاه؟ وبالزيارة بعضنا لبعض نكون تحت ضيافة ربنا سبحانه وتعالى. فقد أخرج البزار من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: عبدي زار فيّ، فعليّ قراه، عليَّ ضيافة، لا أرضى له ثواباً بذلك إلا الجنة». إذن عباد الله، نحن تحت ضيافة الله عز وجل، والله عز وجل هو الكريم وهو الجواد. فمن سعى في مثل هذا التقارب وفي إصلاح ذات البين فليحمد الله سبحانه وتعالى. فعلينا أن نعينه، وأن نناصره، وأن نقوم معه ظاهراً وباطناً، وأن نسعى جادين في إصلاح ما بيننا، وفي إصلاح العباد. فإن دعوة أهل السنة دعوة إصلاح، ودعوة قربة من الله عز وجل. فإذا سعى الناس ودعاة أهل الخير في الإصلاح بين الناس، حصل بذلك النفع العظيم والخير العميم بإذن ربنا سبحانه وتعالى. ولهذا عباد الله، نحن الآن بعد رمضان بحاجة إلى عبادات عظيمة. ربما بعضنا ما يستطيع الصيام، وربما بعضنا ما يستطيع القيام، وربما بعضنا ما يستطيع الصدقات. فعليه أن ينظر في العبادات التي بها يصوم، وبها يقوم، وبها يتصدق، بدون... بدون ماذا؟ بدون أن يحصل له شيء من التعب. نعم عباد الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «ألا أدلك على أفضل من درجة الصيام والقيام والصدقة؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين، إصلاح ذات البين». لكن ما نريد عباد الله أن نتكلم عن إصلاح ذات البين، وقلوبنا فيها ما فيها، وبيننا وبين إخواننا ما بيننا. لا. كيف نصلح العباد؟ كيف نصلح الناس وقلوبنا فيها ما فيها؟ كيف نستطيع أن نصلح ذات البين ونحن عندنا ما عندنا من التقصير في ذلك؟ فنريد أن نعمل بما نسمع، ونريد أن نعمل بما يلقى إلينا من الإرشادات ومن النصائح والتوجيهات. عباد الله، قال عليه الصلاة والسلام: «ما عمل بعمل أفضل من الصلاة وإصلاح ذات البين». ما عمل بعمل أفضل من الصلاة وإصلاح ذات البين. إذن عباد الله، إصلاح ذات البين أمر عظيم، وهذه الاجتماعات واللقاءات تدل عليه. عباد الله، فما اجتمعوا لدنيا فانية، ولا لحزبية مقيتة، ولا لشيء من حطام الدنيا. إنما اجتماع أهل السنة والجماعة إلا من أجل التقارب والمحبة وزيارة الإخوان. عباد الله، أيها الناس، إنه كما قال بعض السلف: «لم يبق من الدنيا، أي من لذتها، إلا ثلاث: قيام الليل، وصيام النهار، وماذا؟ قال: ولقاء الإخوان». ولقاء الإخوان لذة عظيمة، وانشراح الصدر، وانفتاح للخير، وسير على خطا النبي عليه الصلاة والسلام. بهذا يحصل انشراح الصدر، وإن قل العمل، وإن قل العمل. فيا أيها الناس، إن هذه القلوب ما تآلفت ما تآلفت إلا بفضل من الله سبحانه وتعالى. لو أنفقت ما في الأرض جميعاً... يقول النبي عليه الصلاة والسلام، يقول الله لنبيه: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «إن الرحم لتقطع، وإن النعم لتكفر، وإن القلوب إذا تآلفت لم يزحزحها شيء، وإن القلوب إذا تآلفت لم يزحزحها شيء». لماذا؟ لأنها تآلفت لله. ومن أجل الله سبحانه وتعالى، فكان هذا التألف دائماً. تخبط من تخبط، وانحرف من انحرف. لماذا عباد الله؟ لأن النفوس فيها شيء لغير الله سبحانه وتعالى. بهذا زلت، وبهذا انحرفت، وبهذا حصل لها الزيغ والضلال. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. إذن الواجب علينا عباد الله أن نصلح نياتنا في ماذا؟ في الإصلاح بين الناس. وأن نكون أول الناس إصلاحاً لقلوبنا أولاً. ما نستطيع أن نصلح بين الناس إلا إذا أصلحنا قلوبنا. وإذا أصلحنا نياتنا، بهذا نستطيع عباد الله أن نصلح عقائد الناس، وأن نصلح ما أفسد الناس، وأن نصلح ماذا؟ ما يحصل في البلاد من منكرات وفجور وسيئات. لكن بعد أن نصلح أنفسنا. عباد الله، ولهذا... ولهذا عباد الله، إصلاح القلوب مهم جداً، به يسير العبد إلى الله عز وجل سيراً صحيحاً صافياً نقياً، لا يستطيع أن يزحزح شيء. عباد الله، فأنت لو رأيت هذه القلوب كيف تآلفت في مثل هذا المجلس، وفي مثل هذا المكان، تعرف مدى... تعرف مدى أهمية إصلاح هذا القلب الذي ربنا عز وجل ينظر إليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَٰكِن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ﴾. ويقول عليه الصلاة والسلام: «وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح سائر الجسد، صلح كل شيء». فما يستطيع الناس أن يتفرقوا، ولا الإخوان أن يتفرقوا، إلا إذا حصل شيء في النفوس، سواء من الأعمال القلبية، أو من الأعمال الظاهرة كالمعاصي والسيئات والخطايا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تآلف اثنان، أو ما تحابا، أو ما توادا اثنان في الله، ثم فرق بينهما، إلا بذنب يصيبه أحدهم». لا تظن أن الفرقة الحاصلة بين الناس، أو بين الإخوان، أو بين أصحاب المنهج الواحد، أنها تأتي سدى. لا والله. إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾. ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم. فربنا كريم، وربنا جواد جل في علاه. لكنها الذنوب والمعاصي هي التي فرقت في الصف، وهي التي اخترقت الصف، فاستطاعت أن تفرق بين الأحبة، وبين الأخوة، وبين الناس. عباد الله، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن من شرار الناس الذين يسعون في التفريق بين الأحبة، وبين الإخوان. بعض الناس يريد أن يفرق بين الإخوة، يريد أن يفرق بين الأحبة. ما يدري المسكين أنه من أشر الناس عند الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن شر عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، المفسدون بين الأحبة». فانظر يا رعاك الله إلى هذه الكبيرة، وإلى هذا الذنب العظيم، فيمن يسعى في الإفساد بين أصحاب الصف، وبين الناس، وبين الأخوة. فأن نكن جميعاً مصلحين، وأن نكن على سير أئمتنا، وعلى سير المصلحين الذين يريدون بذلك جمع الكلمة، ويريدون بذلك الأخوة والسعادة والفلاح لنا جميعاً. عباد الله، فإن الفرقة عذاب، وإن الفرقة شتات، وإن الفرقة تعني ألماً شديداً، تألم منه من تألم، وحصل له من حصل من الأمور التي يندى لها الجبين، والعياذ بالله. فعלينا أيها الناس، بارك الله فينا وفيكم جميعاً، أن نسعى في جمع الكلمة، وأن نسعى في مثل هذه الزيارات العظيمة المباركة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من عاد مريضاً، أو زار أخاً له في الله، أو زار أخاً له في الله، ناداه منادٍ: أن طبت، وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً». مهما بذلت من أموال، ومهما بذلت من جهد وتعب، ومهما خسرت ما خسرت من الدنيا، في مقابل أن تزور أخاً أخاً لك فقط في الله سبحانه وتعالى. فكيف وأنت تزور... كيف وأنت تزور جمعاً من إخوانك المسلمين؟ كيف وأنت تناصر دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كيف وأنت تنظر إلى وجوه... إلى وجوه استنارت بسنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ نعم عباد الله، ففي ذلك الأجور والفضائل، فلا تتوانوا في أي اجتماع يكون لمناصرة النبي، لمناصرة النبي عليه الصلاة والسلام. تحصل لك الرحمة، وتذهب وتخرج من الاجتماع بماذا؟ بشاة أو ببعير؟ لا. بمال وجاه؟ لا. تخرج برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما قال للأنصار: «أما تحبون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟». إذن عباد الله، الأمر فيه فضائل كبيرة، وفيه أجور عظيمة. أذكركم بها، لا أعلمكم بها، فأنتم تعلمون ما أقول. فأسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وجود إحسانه أن يتقبل منه ومنكم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. جزى الله الشيخ أبا أحمد، حبه الله تعالى، على هذا التذكير، وعلى إفادته.