المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو مالك عبدالله عياش، ألقاها
يستهل المتحدث بالثناء على الشيخ أبي مالك عبدالله بن عياش ودوره في الدعوة، مؤكداً نعمة اجتماع أهل السنة والجماعة كعبادة عظيمة. تُعد هذه الاجتماعات سبباً للقوة والالتفاف حول الدعوة وتعيد للأمة وحدتها وتحقق ثمرات جليلة.
يشرح المقطع أنواع الخلاف الثلاثة: خلاف الأفهام، خلاف التنوع، وخلاف التضاد، داعياً للتعاون في المتفق عليه والنصح في المختلف فيه. يحذر من فتح ثغرات للشيطان بسوء الأخلاق ويطالب الدعاة بالتمسك بالأخلاق الكريمة والدعوة المستمرة طوال السنة.
يؤكد المقطع على عظمة وظيفة الداعية إلى الله وضرورة تحليه بالإخلاص والصبر والتضحية مع الثقة في خلف الله. يبين حقوق الأخوة الإيمانية من التغافل عن الزلات والصبر على الأذى والنصيحة لله وحده.
شكر المتحدث الشيخ أبا مالك على كلمته النافعة، مؤكداً أن التغافل من شيم الكرام بين أهل السنة. أعلن أن المجلس الثاني سيعقد بعد صلاة المغرب.
إن شاء الله الكلمة الآن عن الشيخ أبي مالك عبدالله بن عياش، فإن شاء الله ربع الساعة الأخيرة تكون له، حفظه الله تعالى. وأخونا أبو مالك من القائمين في الدعوة في أرض حصويم من أرض المهرة. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله رب العالمين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام الأولين والآخرين. ثم أما بعد: فنحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر لنا هذا الاجتماع وهذا اللقاء بإخواننا وآبائنا وأبنائنا في هذه الدار الطيبة. فحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، فينبغي أن نشكر الله عز وجل على هذا الاجتماع العظيم. وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. فلا نعرف مثل هذه الاجتماعات نحن في العديدة إلا في زمن شيخنا محمد بن عبد الوهاب الوصابي رحمه الله تعالى. وهذا الاجتماع ذكرنا بتلك الأيام العظيمة التي افتقدناها، والتي نتمنى رجوعها، وإن شاء الله ترجع قريباً هذه الاجتماعات التي لها ثمرات عظيمة وجليلة، يجتمع فيها الإخوة وطلاب العلم والدعاة، ويتعارف بعضهم مع بعض، كما قال الله جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فبعض الناس وبعض الإخوة ربما لا نسمع بهم إلا عن طريق التواصل الاجتماعي، وهم منا ومن أهل السنة والجماعة، ونكن لهم الحب والتقدير، ونحن لسنا قريبين منهم، ومع ذلك نكن لهم المحبة والمودة وندعو لهم، كما قال أيوب بن أبي تميمة السختياني رحمه الله: «إني لأسمع بالرجل من أهل السنة والجماعة في أقصى المشرق يموت، فكأنما أفقد عضواً من أعضائي». فنحن نسمع بهذه الدار وبهذا الخير وبالدعاة، الحمد لله، مع التواصل الاجتماعي حصل خير كثير، ونعلم بإخواننا ونعرف أخبار إخواننا في الشمال والجنوب والمشرق والمغرب في جميع المحافظات، فهذا من فضل الله سبحانه وتعالى، وينبغي أن نكن المحبة في قلوبنا لهؤلاء. فالحب في الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله». فحب مثل هذه الاجتماعات ومثل هؤلاء الناس الذين هم صفوة الناس ونقاوة المجتمع، كما يقول العلماء: أهل السنة والجماعة نقاوة المجتمع وصفوة الناس. حبهم عبادة، واللقاء بهم عبادة، والتعارف معهم عبادة تؤجر عليها، وزيارتهم عبادة. قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء من حديث ابن عباس: «من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله، ناداه منادٍ من السماء: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً». كيف لا يقال كذلك، وهم قلة بالنسبة للمجتمع، كما قال وكيع بن الجراح رحمه الله: «يا أهل السنة، أرفقوا بعضكم ببعض، فإنكم في المجتمع قليل، فإنكم في المجتمع قليل». فينبغي أن نتحاب فيما بيننا، ونتواد فيما بيننا، ويصبر بعضنا على بعض، وينصر بعضنا بعضاً، كما سمعتم في بعض الكلمات. فهذه من أسباب قوة الدعوة، ومن أسباب الالتفاف، الالتفاف الناس، وحب الناس، وحب العامة لهذه الدعوة. لكن إذا حصل الخلاف والشقاق والتنازع، تجد بعض العامة يجد عذراً لنفسه أنك لا تنصحه، فيقول لك: ابدأوا بأنفسكم، اجمعوا كلمتكم أنتم أولاً، وهكذا، وهو مخطئ في هذا، ولكن قد يجد لنفسه عذراً أن يرد عليه. فلا تجعل للشيطان سبيلاً، ولا لشياطين الإنس والجن سبيلاً، ولا تكن... ماذا؟ تفتح ثغرة على إخوانك، إما بأخلاقك التي هي تخالف الكتاب والسنة، من عدم تواضع أو كبر على إخوانك، أو تجعل من الحبة قبة. كما سمعتم في الحديث: «عند الله خزائن الخير والشر، مفاتيحها الرجال». وهذا لفظ آخر من حديث سعد بن أبي وقاص: «عند الله خزائن الخير والشر، مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وويل لمن كان مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير». نعم، لا تكن تفتح ثغرة على إخوانك، وفجوة على شيء بسيط، على خلاف أفهام أو خلاف تنوع. فالخلاف على ثلاثة أقسام، فما هو معلوم عند بعضكم أو أكثركم: خلاف أفهام، وخلاف تنوع، وخلاف تضاد. فخلاف التنوع: مثل أدعية الاستفتاح، هذا يدعو بحديث أبي هريرة: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب»، وهذا يدعو بحديث ابن عمر: «الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً»، وهذا يدعو بحديث أبي سعيد: «سبحانك اللهم وبحمدك»، وهذا يدعو بحديث علي، وهذا يدعو بحديث ابن عباس، وهكذا. وخلاف أفهام: مثل وضع اليدين بعد الركوع، فهذا يرى الإسبال، وهذا يرى الضم، وهذا له علماء، وهذا له علماء، وهذا له أقوال، وهكذا. وخلاف تضاد: مثل الأشياء التي هي في العقيدة أو في المنهج، مثل... يعني أن الله هل الله عز وجل استوى على السماء أو لا، وهكذا الانتخابات، المظاهرات، الثورات. هذه خلاف تضاد، ينكر بعضنا على بعض. فنحن نتعاون فيما اتفقنا فيه، وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. وليس كما يقول الإخوان المسلمون وأهل البدع: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. وإنما نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً، وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. هذا هو الذي يسبب القوة لهذه الدعوة. فهذه الدعوة في ذممكم، كان من آخر وصايا شيخنا محمد بن عبد الوهاب الوصابي رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: «يا أهل السنة والجماعة، المجتمع أمانة في رقابكم. يا أهل السنة والجماعة، من لهم الناس إلا أهل السنة والجماعة؟ أهل البدع دعوتهم موسمية، أما أهل السنة والجماعة فدعوتهم طوال السنة، ويعلمون الناس: قال الله، قال رسوله. همهم أن الناس يخرجون من الظلمات إلى النور، وأهمهم أن الناس يعرفون الحق ويميزون بين الحق والباطل. همهم أن الناس يعرفون كيف يصلون، كيف يصومون، كيف يحجون». هكذا، وليست دعوتهم موسمية. ينبغي لك يا طالب العلم، ويا أيها الداعي الذي أنت في وظيفة الأنبياء، ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، أن تتحلى بهذه الأخلاق الكريمة. يقول بعض السلف عند هذه الآية: «هذا الداعي إلى الله، هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله من خلقه، أجاب الله حينما دعاه، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه، وعمل صالحاً، وقال إنني من المسلمين». فأنت في وظيفة عظيمة، وظيفة الأنبياء. تتحلى بالرفق، تتحلى بالصبر، تتحلى بالحلم، تتحلى بالعمل بالعلم. هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. نعم، تتحلى بأنك تدعو الناس ونيتك خالصة لله سبحانه وتعالى، لا تريد جاهاً، ولا تريد مالاً، ولا تريد رياءً ولا سمعة، وإنما تتعبد الله عز وجل بهذه الدعوة إلى الله، وتضحي وتضحي. وما ضحيت به من مال، ولو كان قليلاً، فأبشر بالخلف. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتفق عليه: «يا ابن آدم، أنفق أنفق عليك». فأنت إذا ضحيت في بترول أو ديزل، أو في شيء يسير في ضيافة أو غير ذلك، فأبشر بأن الله يخلف عليه، وأنك في عمل جليل، تقيم دين الله عز وجل، وتعين على إقامة دين الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا المنهج الطيب. ينبغي أن نتواصل فيما بيننا، وأن يكون فيما بيننا الحب والتقدير والاحترام، والصبر بعضنا على بعض، وغض الطرف عن بعض الأشياء السهلة، وتغافل عن أمور. فإنه لم ينل الفوز إلا من غفل. تغافل عن بعض الأمور، قال أبو إسحاق الشيرازي: «سألت الناس عن خل وفيه، فقالوا: ما إلى هذا سبيل. تمسك إن ظفرت بذيل حر، فإن الحر في الدنيا قليل». فالكمال لله سبحانه وتعالى، الكمال لله، وما منا إلا وفيه نقص. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر». وهكذا أيضاً أنت بينك وبين إخوانك، وبينك وبين من يحملون هذا المنهج، ينبغي أن تصبر لله، من أجل الله، وتتواضع لله، ومن أجل الله، وتنصح لله، ومن أجل الله سبحانه وتعالى، يحصل الخير وتتحصل البركة. كان شيخنا محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى يقول: «أنا لا أحب أن يأتيني من يشتكي أو يشتكى منه». من يشتكي ينبغي له أن يصبر، ومن يشتكى منه ينبغي له أن... يعني ماذا؟ لا يؤذي إخوانه. والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم». وغير ذلك، فينبغي لك يا عبد الله أن تصبر على إخوانك، وأن تتحملهم عبادة لله ومن أجل الله سبحانه وتعالى. ولا نريد... فقد قرب المغرب. أسأل الله رب العرش العظيم أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضاه، وأن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، ويجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً. إن ولي ذلك القادر عليه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله، جزى الله أخانا شيخ أبا مالك حفظه الله تعالى على هذه الكلمة الماتعة النافعة، والتي ينبغي أن يتصف بها أهل السنة مع بعضهم البعض. فلا زال التغافل من شيم الكرام. إخواني في الله، وبهذا نختم المجلس الأول الذي تم عقده بعد العصر إلى المغرب، والمجلس الثاني بإذن الله سيكون بعد صلاة المغرب.