المحاضرة بعنوان كلمة الأخ الفاضل أبو سالم محمد باعباد، ألقاها
يؤكد المتحدث على عناية السلف الصالح بقبول الطاعات أكثر من مجرد أدائها، حيث كانوا يدعون ستة أشهر بعد رمضان لقبول صيامهم وقيامهم. ويحذر من الرجوع إلى المعاصي بعد رمضان مبيناً أن ذلك يرد الصيام ويمحو أثره من القلوب ويسد باب التوبة.
يوضح المقطع أن المعصية تشمل تضييع الفرائض كصلاة الفجر وهجر القرآن لا تقتصر على الكبائر، مستدلاً بآيات قرآنية. ويبرز أهمية الخوف من عدم قبول الأعمال مستشهداً بآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ وحديث عائشة وأبي الدرداء، ثم يذكر علامات القبول كالتيسير لعمل صالح آخر ومحبة الطاعة وكراهية المعصية وعدم العجب.
يحذر المقطع من مفسدات الأعمال كالرياء والعجب، ويؤكد أهمية الاستغفار بعد الطاعات لسد النقص والخلل مستشهداً بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وآيات القرآن. كما يبرز الدعاء والتضرع إلى الله لقبول الأعمال مقتدياً بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام عند بناء الكعبة.
كلمة إن شاء الله عند إخواننا أصحاب الحامل، عند أخينا أبي سالم محمد سالم بعباد، فليتقدم حفظه الله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فامتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، أتقدم بالشكر الجزيل لإخواننا القائمين على هذه الدار، دار الحديث والشعر، على استضافتهم لمثل هذه الاجتماعات ومثل هذه اللقاءات، والتي نسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك فيها، حيث إن مثل هذه الاجتماعات تكون فيها الفوائد، ويكون فيها الخير، ويعم فيها النفع والإرشاد، وتتحقق فيها الألفة والمحبة، فأكرر شكري لهم. وأما كلمتي فهي حول موضوع يغفل عنه الكثير من أبناء المسلمين عامة، وطلبة العلم على وجه الخصوص، إلا من رحم الله. هذا الأمر الذي يغفل عنه الكثير من أبناء المسلمين كانت أمنية لدى سلفنا الصالح، فقد كانوا رحمهم الله تعالى يسألون الله تبارك وتعالى هذه الأمنية. هذه الأمنية التي نغفل عنها هي مسألة قبول الأعمال. كلنا ولله الحمد نعمل أعمالاً صالحة، ولكن القليل منا، إلا من رحم الله، من يسأل الله جل وعلا دائماً أن يتقبل منه صالح الأعمال. كنا في هذا العيد كل واحد منا يقول لأخيه: «تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال». لهذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى حريصين أشد الحرص على هذه المسألة. علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول: «كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل نفسه». كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل نفسه. وتعلمون يا رعاكم الله أن سلفنا الصالح كانوا يسألون الله تبارك وتعالى بعد انقضاء شهر رمضان، يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم، أن يتقبل منهم هذه الأعمال التي كانوا يعملونها في شهر رمضان. ولقد ذكر علماؤنا رحمهم الله تعالى أسباباً ينبغي علينا أن نجدّ ونجتهد في سبيل تحصيلها، هذه الأسباب هي أسباب قبول الأعمال الصالحة، الأمنية التي كان السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم يريدونها ويتمنونها، ونحن نتغافل عنها. من أعظم هذه الأسباب: عدم الرجوع إلى المعاصي وإلى الذنوب بعد أن أكرمنا الله تبارك وتعالى بهذه الطاعات في هذا الشهر الكريم. ولهذا جاء عن يحيى بن معاذ أنه قال: «من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه على أن يرجع إليها ويعود، فصيامه مردود، وباب التوبة في وجهه مسدود». وفي مثل هذا يقول العلامة الفوزان حفظه الله تعالى: «إن الذين يرجعون إلى المعاصي بعد شهر رمضان إنما يريدون أن يمحوا أثر رمضان من قلوبهم». إن الذين يرجعون إلى المعاصي بعد انقضاء شهر رمضان إنما يريدون أن يمحوا أثر رمضان من قلوبهم. وليست المعاصي المقصودة سماع الأغاني، أو الزنا واللواط، شرب الخمر والربا، كما قد يتصوره البعض، لا. حتى في التهاون في الطاعات: عندما نترك صلاة الفجر فقد وقعنا في المعصية، عندما نهجر كتاب الله تبارك وتعالى فقد وقعنا في المعصية. أما في الأولى: ففي قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. وأما في الثانية: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، من أعرض عن هذا القرآن تلاوةً وعملاً وتدبراً واحتكاماً، من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾. وأما السبب الثاني: وهو الخوف من عدم قبول الأعمال، أن نخاف أن الله تبارك وتعالى لم يتقبل منا هذه الأعمال. عباد الله، إخواني في الله، كلنا ولله الحمد نعمل أعمالاً صالحة، لكن يجب أن نكون على يقين أن هذه الأعمال كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. مع هذه الأعمال الصالحة التي نقوم بها يجب أن نهتم بهذه المسألة وبهذا الأمر، وهو الخوف من عدم القبول. لما تلا عليه الصلاة والسلام قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أهم الذين يسرقون ويزنون؟ ظنت عائشة رضي الله تعالى عنها أن المقصود بالآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أنهم الذين يسرقون ويزنون، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يتصدقون ويصلون ويصومون ويخافون أن لا يتقبل منهم». أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، وهو من الصحابة المبشرين بالجنة عموماً، في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، أبو الدرداء يقول: «لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة، وفي رواية: صلاة واحدة، لكان خيراً لي وأحب لي من الدنيا وما فيها». إذن يجب علينا أن نخاف من عدم القبول، لا نفعل هذه الطاعات ونتمنن على الله تبارك وتعالى. وهكذا من هذه الأسباب التي فيها إشارة إلى قبول الأعمال: التيسير إلى عمل صالح. إذا تقبل ربنا تبارك وتعالى منك عملاً صالحاً، فإنه جل وعلا يسر لك عملاً آخر. قال العلماء استناداً لذلك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. وهكذا من هذه الأسباب: حب الطاعة وكره المعصية. إذا أحببت الطاعة وكرهت المعصية، فإن ذلك دليل على قبول ذلك العمل، فإن ذلك دليل على قبول ذلك العمل. ومن هذه الأسباب كذلك: عدم الإقراءة: عدم الاقتار وعدم العجب بما نقوم به من أعمال صالحة. ربما يأتي الشيطان إلى أحدنا فيوسوس له، ويقول له: بأن لك رصيداً من الحسنات في هذا الشهر الكريم، صليت القيام، وقرأت القرآن، وفعلت الكثير من الأعمال الصالحة، فلا يزال به حتى يعجب بهذه الأعمال، حتى يغتر بهذه الأعمال. انظروا يا رعاكم الله، ربنا جل وعلا يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. ولا تمنن تستكثر. نعم يا عباد الله، ولا تمنن تستكثر. ربما تتمنن على الله تبارك وتعالى بعد ذلك بهذه الأعمال، ويدخل في قلبك العجب والغرور، تأتي يوم القيامة كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، ظهر لهم عند الله تبارك وتعالى ما لم يخطر على بالهم، ما لم يخطر على بالهم. فإياكم إخواني في الله من مفسدات الأعمال: الرياء، والعجب، والشهرة، ويسير الرياء، وغير ذلك. وهكذا علينا أن نستعيذ بالله تبارك وتعالى كما علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام: «اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، من النقصان بعد الزيادة». كنا في زيادة، في الزيادة في شهر رمضان، فالآن نعوذ إلى الخلف، نعوذ إلى النقصان. وهكذا من أسباب قبول الأعمال: الاستغفار. لا شك ولا ريب أنه ما من عمل إلا ويعتريه النقص، يعتريه النقص والخلل. ولهذا أرشدنا ربنا تبارك وتعالى إلى الاستغفار بعد الطاعات، وعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نستغفر الله بعد الطاعات. فبعد الصلاة مباشرة، بعد التسليم، نقول: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله». لماذا؟ أنت لم تفعل ذنباً في هذه الصلاة، لكن لما كانت هذه الصلاة ربما فيها من النقص، فيها من الخلل، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم لينصرف من الصلاة وما كُتب له إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها». قال العلماء: ما قال «إن أحدكم لينصرف من الصلاة وقد كُتبت له كاملة» إلا وكُتب له عشرها، إلى أن قال عليه الصلاة والسلام: «نصفها». ولهذا شُرع لنا الاستغفار. وهكذا في شأن الصالحين الذين يحرصون على قيام الليل، بعد انتهائهم من قيام الليل فإنهم يداومون على الاستغفار: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وهكذا في شأن الحج: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وهكذا من هذه الأسباب، ونختم به: الدعاء، أن ندعو الله تبارك وتعالى دائماً أن يتقبل منا هذه الأعمال. تأملوا في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام، لما أمره ربه جل وعلا ببناء البيت العتيق، كان يبني هو وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام البيت العتيق، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ربنا تقبل منا، مع أن الله تبارك وتعالى قد أمرهم ببناء هذا البيت، مع ذلك يطلبون من الله تبارك وتعالى أن يتقبل منهم هذا العمل: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. والأسباب كثيرة، ولكن نظراً لضيق المقام نكتفي بذكر هذه الأسباب. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. جزى الله أخانا أبا سالم، حفظه الله تعالى ورعاه، على ما ذكرنا به من أهمية الاهتمام بقبول العمل، وقد كان ذلك من شأن السلف، الاهتمام بقبول العمل أجدى اهتماماً لهم من فعل العمل.