الدرس في شرح السنة للإمام المزني 4، ألقاها
يؤكد على عقيدة أهل السنة والجماعة في عذاب القبر ونعيمه مستندًا إلى القرآن والسنة والإجماع. يُبيّن أن الإنسان يُسأل في قبره ويُعذب أو يُنعم على الروح والجسد.
يؤكد النص على الإيمان بالبعث والنشور يوم القيامة، حيث يحاسب الله العباد ويوزن أعمالهم وصحائفهم. يُثبت وجود ميزان حقيقي يوم القيامة توزن فيه الأعمال.
يوم القيامة يوم عظيم يحاسب الله فيه العباد ويوزن ميزان الأعمال وتنشر صحائف الأعمال. بعد القضاء، يُساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن يحيى المزني رحمه الله في رسالته «شرح السنة والخلق»: «ميتون بآجالهم عند نفاذ أرزاقهم وانقطاع آثارهم». وهذه مسألة من مسائل القدر، أن الإنسان يموت بانتهاء أجله الذي أجله الله سبحانه وتعالى له، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. فموت الإنسان بانتهاء أجله، إذا انتهى أجله الذي أجله الله سبحانه وتعالى له، فإنه تنتهي حياته في هذه الدنيا، كما أن رزقه كذلك مقدر عند الله سبحانه وتعالى له منذ بداية خلقه في بطن أمه، فإنه ينفخ فيه الروح ويكتب له فيه رزقه وأجله وشقي أو سعيد، كما جاء في حديث المسعود رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: «إن أحدكم يجمع خلقه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». فأجله محدود منذ بداية خلقه، فإذا جاء أجله الذي أجله الله سبحانه وتعالى له مات، لا يتقدم ولا يتأخر، سواء مات بمدة طبيعية أو مات غرقا أو حرقا أو قتلا، فلا يموت إلا بأجله، خلافا للمعتزلة الذين قالوا بأن الإنسان إذا قتل فقد مات بغير أجله الذي أجله الله سبحانه وتعالى له، وقولهم باطل، فالأدلة في الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان لا يموت إلا بأجله، على أي طريقة أو هيئة مات بها. قال رحمه الله: «ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون». أشير رحمه الله في هذه الجملة إلى ما يتعلق بسؤال العبد في قبره، وكذلك أيضا بما يكون للعبد في قبره من عذاب أو نعيم. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإنسان يسأل في قبره ويعذب وينعم، والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة والإجماع. فمن القرآن قول الله جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. النار يعرضون عليها غدوا وعشية هذا في البرزخ في القبر، ويوم تقوم الساعة أي يوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، فدلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر. وقول الله جل وعلا: ﴿وَلْنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، العذاب الأدنى فسر بعذاب القبر، والعذاب الأكبر بعذاب يوم القيامة. وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، هذا العذاب في عذاب البرزخ عند الموت وفي البرزخ. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها حديث ابن عباس في الصحيحين لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». الحديث الشاهد قوله: «إنهما ليعذبان»، أخبر عليه الصلاة والسلام عن هذين الرجلين بأنهما عذبا في قبريهما. وفي حديث علي رضي الله عنه كذلك بالصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعوذوا بالله من عذاب القبر». وقال عليه الصلاة والسلام، وهو أيضا من صحيح الإمام مسلم: «يهود تعذب في قبورها». وفي حديث ابن هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ من أربع، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال». والحديث في الصحيحين. وحديث البراء الذي جاء في الصحيحين وجاء في السنن مطولا في ذكر ما يحصل للعبد في قبره من عذاب ونعيم وسؤال الملكين له. وهذا الذي أشير إليه المؤلف رحمه الله بقوله: «ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون». ويريد بهذه الضغطة ما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين قال: «في بعد موت سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن بموته لقد ضمه القبر ضمة لو سلم منها أحد لسلم منها سعد بن معاذ». وهذه كما قال أهل العلم بالنسبة للمؤمن فهي ضمة رحمة، ضمة رحمة وشفقة. وأما بالنسبة للكافر والفاجر فهي ضمة عذاب، كما في حديث البراء أن الكافر يضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه. فتكون للمؤمن رحمة وتكون للكافر والفاجر عذاب. وأجمع أهل السنة والجماعة على إثبات عذاب القبر وأن العبد يعذب في قبره وقد ينعم كذلك، فالقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النيران. ثم هذا العذاب بالنسبة للكافر هو مستمر، كما في ظاهر الآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ استمرار، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾. وأما بالنسبة للمؤمن العاصي فإنه قد يعذب أحيانا ويرتفع عنه العذاب أحيانا. وعذاب القبر على الروح والجسد، على الروح والجسد، وهو على الروح أكثر، لأن تعلق العذاب والنعيم على الإنسان على أقسام، في الحياة الدنيا يكون عذابه ونعيمه متعلقا بالجسد أكثر من الروح، في الحياة الدنيا يكون العذاب والنعيم متعلقا بالجسد أكثر من الروح. وأما في البرزخ فتعلق العذاب والنعيم على الروح أكثر من البدن. وأما في الآخرة فالعذاب والنعيم على الروح والبدن. وقوله: «قبله في القبور مساءلون» يريد يعني سؤال الملكين للعبد من ربك وما دينك ومن نبيك، كما جاء في حديث البراء أن المؤمن يسأل: «من ربك؟» فيقول: «ربي الله»، «ودين الإسلام»، «ونبي محمد عليه الصلاة والسلام». وأما الكافر والفاجر فيقول: «آه آه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته». فيقال له: «لا دريت ولا تليت». ثم يضرب مرزبة من حديد فيصيح صيحة لو سمعه الثقلان أي الإنس والجن لصعقوا. قال رحمه الله: «ثم إن أعلم أن عذاب القبر ونعيمه أمر غيبي». أمر غيبي، فبعض الزنادقة ينكرون عذاب القبر ويقول: «لو جيت إلى القبور ما سمعت شيئا، ما تسمع عذاب ولا صياح ولا كذا ولا كذا». فيقال له: عذاب القبر غيابي غيبي لا نعلمه نحن ولا نطلع عليه، لكن نؤمن نؤمن أن الإنسان كما دلت الأدلة من كتاب وسنة أنه يعذب وينعم في قبره. ونحن لا نعلم ذلك ولا نطلع عليه، بل ربما يكون يعني الميت لو أن الميت ما قبر وبقي معلقا لوصله ما له من العذاب والنعيم. وهكذا أيضا إذا اختلف موضع موته، إذا لم يدفن في مقابر المسلمين فابتلعته السباع أو وكلته الحيتان أو احترق وذرته الرياح، فكذلك يصلهم من العذاب والنعيم ما قدره الله عز وجل له. نؤمن بذلك ونوقن بذلك يقينا جازما. قال رحمه الله: «وبعد البلاء منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون، ولد العرض عليه محاسبون، بحضرة الموازين ونشر صحف الدواوين، أحصاه الله ونسوه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، لو كان غير الله عز وجل الحاكم بين خلقه، لكنه الله يلي الحكم بينهم بعد عدلهم بمقدار القائلة في الدنيا، وهو أسرع الحاسبين، كما بدأه لهم من شقاوة وسعادة يومئذ يعودون فريق في الجنة وفريق في السعير». أشير رحمه الله في هذا المقطع إلى بعض المسائل المتعلقة بالنشور والحساب والميزان والصحف. فقال رحمه الله: «وبعد البلاء منشورون»، بعد البلاء يعني بعد أن يدفن الإنسان في قبره ويبلى، فتأكله الأرض ولا يبقى منه إلا عجب الذنب الذي منه يركب الخلق، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «كل بن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب، فإنه منه يركب الخلق». يعيد الله عز وجل خلق الإنسان، وعجب الذنب عظم يكون في مؤخرة الظهر، هذا تأكله الأرض، يعيد الله سبحانه وتعالى الإنسان منه. فإذا بلي الإنسان وأكلته الأرض أحياه الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وهذا معنى قوله: «منشورون»، أن ينشرهم الله ويحييهم ويخرجهم من قبورهم للجزاء والحساب، كما قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ يعني أحياه بعد موته وأخرجه من قبره. وقال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾، الأجداث القبور، ينسلون أي يتوجهون ويقصدون إلى الله سبحانه وتعالى. وقال عز وجل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾. ومن أنكر البعث والنشور فهو كافر، وهذه عقيدة الكفار من الزنادقة والملاحدة والمشركين. ولهذا كفر الله عز وجل من أنكر البعث والنشور: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾. وقال الذين كفروا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّا لَمُنْشَرُونَ﴾. وقال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وغير ذلك من الآيات الدالة على كفر من أنكر البعث والنشور. قال: «ويوم القيامة إلى ربهم محشورون». ويوم القيامة إلى ربهم محشورون، أي جميع الخلائق يحشرون إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال الله جل وعلا: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونَ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. وفي حديث عائشة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلا». قالت عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله، النساء والرجال ينظر بعضهم إلى بعض؟» قال: «يا عائشة، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك»، يعني الأمر عظيم ما ينظر الرجل إلى المرأة والمرأة تنظر إلى الرجل، وإن كانوا كلهم عراة كما خلقهم الله سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. فلا يلتفت بعضهم إلى بعض لشدة الهول، كل ينظر إلى ما هو أمامه من الأهوال ومن القيامة وما هو مصيره، هل إلى الجنة أو إلى النار؟ فيحشر جميع الخلق إلى الله سبحانه وتعالى حتى الوحوش والحيوانات والطيور، كلها تحشر، ويفصل الله سبحانه وتعالى بين الخلائق جميعا. قال: «ولد العرض عليه محاسبون»، يعني أن الخلق يعرضون على الله جل وعلا فيحاسبهم على أعمالهم: ﴿إِلَيْنَا إِيَابُهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. وقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. فيحاسب الله سبحانه وتعالى العباد على ما أعملوه في هذه الدنيا. وهذا الحساب على نوعين: حساب عرض وحساب مناقشة. فحساب العرض هذا للمؤمن، تعرض عليه أعماله ويتجاوز الله سبحانه وتعالى عنه فينجيه. وأما حساب المناقشة فهو أن يؤاخذ بكل أعماله دقيقها وجليلها، فإذا نوقش الحساب عذب. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة حين قالت: «يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟» قال: «ذاك العرض، من نوقش الحساب عذب»، يعني إذا عرضت على العبد أعماله من غير أن يناقش بها فهذا يسلم وينجو ويكون حسابه يسير. وأما إذا نوقش على أعماله فهذا الذي يحصل له العذاب. ويعذب بما عمل في هذه الحياة الدنيا. والله عز وجل يتجاوز عن عبده المؤمن، كما جاء في حديث ابن عمر أن الله عز وجل يقرب أو يضع كنفه على عبده فيقول: «عبدي عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا؟» فيقول: «بلى يا رب». فيقول الله عز وجل: «لقد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم». هذا بالنسبة للمؤمن يحصل له شيء من التجاوز في بعض أعماله. وأما الكافر والفاجر فإنه يؤاخذ بأعماله. قال: «بحضرة الموازين»، ويشير رحمه الله بهذا إلى إثبات الميزان يوم القيامة. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون الميزان يوم القيامة، وأنهم ميزان حقيقي له كفتان توزن فيه أعمال العباد، وتوزن فيه كذلك صحائف أعمالهم، ويوزن فيه العباد، كما دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة. والله عز وجل يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها ذكر الميزان. وهذه الموازين اختلف أهل العلم: هل هي موازين متعددة أو ميزان واحد؟ لأن ذكر الميزان جاء بصيغة الجمع: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾. فمن أهل العلم من قال: هي موازين متعددة، لكل أمة ميزان. ومنهم من قال: لكل عبد ميزان. ومن أهل العلم من قال: بل هو ميزان واحد يوزن فيه سائر أعمال العباد، وجمع لأجل ما يوزن فيه من أعمال العباد، فالجمع المراد به ما يوضع في هذا الميزان لأنه موازين متعددة. والله أعلم، فيحتمل هذا ويحتمل ذاك. وخالف في هذا المعتزلة، المعتزلة أنكروا الميزان وقالوا: «ليس هناك يوم القيامة ثمة ميزان، وإنما هو مجرد إقامة العدل». قالوا: «المراد بالميزان هو إقامة العدل، أن الله يعدل بين العباد». وأنكروا أن يكون هناك ميزان حقيقي له كفتان. وقولهم هذا باطل، مخالف لدلالة الكتاب والسنة وما أجمع عليه السلف. ومما يدل أنه ميزان حقيقي حديث صاحب البطاقة، كما جاء في مسند الإمام أحمد أن رجلا أمر الله عز وجل بمحاسبته، فيؤتى له بسجلات مد البصر، فتوضع في كفة الميزان، فيقول الله عز وجل: «لا، هل ظلمك كتبتي؟» فيقول: «لا». فيقول: «هل ظلمك ملائكتي أو هل ظلمك الحافظون؟» فيقول: «لا». فيقول الله عز وجل: «هل لك عندنا حسنة؟» فيقول: «لا». فيؤتى له بطاقة مكتوب فيها «لا إله إلا الله»، فتوضع في كفة الميزان الأخرى، فترجح بهن «لا إله إلا الله». هذا الحديث يدل على أن هذا الميزان له كفتان، وهو كذلك ميزان حقيقي. وهكذا يضحك النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله بحمده، سبحان الله العظيم». ودلائل كثيرة تدل على أنه ميزان حقيقي. قال: «ونشر صحف الدواوين»، أي أن يوم القيامة كذلك تنشر الصحف التي سجلت فيها أعمال العباد. وهذا قال: «أحصاه الله ونسوه»، أحصاه الله ونسوه، والله بكل شيء عليم. قال الله جل وعلا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ الآية. وقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ إلى آخر الآيات. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وقال: ﴿كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة على أن أعمال العباد مسجلة في صحف ودواوين تنشر لهم يوم القيامة. فمن كان من أهل السعادة وأهل الإيمان والتقوى أخذ صحيفة أعماله بيمينه، فكان من السعداء. ومن كان من أهل الكفر والفجور والشقاوة أخذ صحيفة أعماله بشماله، فكان من الخاسرين. وأما قول الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾، قال أهل العلم: هذا فيه أن بعض العباد ربما يأخذ صحيفة أعماله بشماله من وراء ظهره، يعني زيادة في الخزي والتنكيل به. ثم قال: «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، لو كان غير الله عز وجل الحاكم بين خلقه، لكنه الله يلي الحكم بينهم بعد عدلهم بمقدار القائلة في الدنيا». يعني أن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، كما قال الله جل وعلا: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. فيقول رحمه الله: أن ذلك اليوم الذي يحاسب الله عز وجل فيه العباد ويقضي بينهم مقداره خمسون ألف سنة، لو كان غير الله هو الذي يحكم بين العباد، هذا على أحد الأقوال في توجيه هذه الآية في مدة يوم القيامة. معنى ذلك أن يوم القيامة خمسون ألف سنة لو كان غير الله هو الحاكم بين العباد، لو كان غير الله هو الحاكم بين العباد فتكون المدة خمسين ألف سنة. لكن إذا كان الله هو الذي يحكم فإن الله جل وعلا يفرغ من القضاء بين العباد بقدر ما بين الظهر إلى العصر، بقدر ما بين الظهر إلى العصر. هذا أحد الأقوال، يعني في هذه المسألة هناك أقوال أخرى. منهم من قال: أن يعني مقدار يوم القيامة خمسين ألف سنة يختلف باختلاف أحوال العباد، فيكون ذلك على الكافر والفاجر، وأما على المؤمن فيكون أقل من ذلك. وذكرت أقوال أخرى. لكن مما يؤيد هذا القول ما رواه الحاكم من طريق سويد بن نصر، قال: حدثنا ابن المبارك عن معمر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يوم القيامة كقدر ما بين الظهر والعصر». يوم القيامة كقدر ما بين الظهر والعصر، يعني قدر قيلولة. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين إن كان سويد بن نصر حفظه على أنه ثقة مأمون. قال: ثم رواه موقوفا عن أبي هريرة، قال. علام الألباني رحمه الله في الصحيحة: ووافقه الذهبي على ما قال. وأرى أن الموقوف في حكم المرفوع، بل هو أوضح وأبين. والله أعلم. لكن سويدا ليس على شرط الشيخين وإن كان ثقة وهو راوي من المبارك، والموقوف له حكم مرفوع لأن هذا أمر لا يقال بالرأي، لا يقال بالرأي أمر غيبي. وأبو هريرة لم يعرف بالآخذ عن بني إسرائيل، فبهذا نعلم أنه ما قاله إلا وقد سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون له حكم رفع. طيب، هذا أحد الأقوال في تفسير الآية، وهو أظهرها لوجود هذا الحديث. هناك أقوال أخرى ذكرها الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية بسورة المعارج. وهذا يدلنا على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، إذ أفرغوا من سائر العباد كلهم من أولهم إلى آخرهم في هذه الفترة اليسيرة. قال: «وهو أسرع الحاسبين، كما بدأه لهم من شقاوة وسعادة يومئذ يعودون فريق في الجنة وفريق في السعير». يعني بعد أن يقضي الله عز وجل بين العباد ويحاسبهم على أعمالهم. وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، أي فيما بين الله وبين عبده. وأما بين العباد مع بعض فأول ما يقضى بينهم في الدماء. فإذا فرغ من القضاء بين العباد أخذ أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، فأهل الجنة هم السعداء وأهل النار هم الأشقياء.