التعليق على تفسير سورة الكهف 12

الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 12، ألقاها

آداب التعلم وأهمية التواضع

يتناول هذا الفصل آداب التعلم من العلماء وأهمية التواضع للمعلم. يشدد على ضرورة تعلم العالم الفاضل من غيره في العلوم التي لم يتقنها.

فوائد قصة موسى والخضر

يستعرض هذا الفصل العديد من الفوائد المستفادة من قصة موسى والخضر، منها أهمية الصبر في طلب العلم والتأني في الحكم على الأمور.

قواعد مستنبطة من قصة موسى والخضر وتطبيقاتها

يتناول هذا الفصل قواعد مستنبطة من قصة موسى والخضر وتطبيقاتها العملية، مثل دفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير وأدب الإنسان مع الله في الألفاظ.

أثر الموافقة في العلاقات الاجتماعية

يناقش هذا الفصل أثر الموافقة في استمرار الصحبة وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية، مشيراً إلى أهمية التفاهم والتوافق بين الأفراد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الأستاذ رحمه الله بتفسيره: ومنها أن العلم الذي يعلمه الله لعباده نوعان: علم مكتسب يدركه العبد بجهده واجتهاده، ونوع علم لدني يهبه الله لمن يمن عليه من عباده، لقوله: ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾. ومن ذلك ما يوحي الله سبحانه وتعالى به إلى عبد من عباده، فيرفعه الله عز وجل إلى درجة النبوة أو الرسالة. وهذا كثير فيما يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى أنبيائه ورسله، أو كذلك أيضا ما قد يفتح الله سبحانه وتعالى على عبده من العلم مما لم يتعلمه، بسبب تقواه. كما قال بعض السلف: «من تعلم العلم لوجه الله، آتاه الله علم ما لم يعلم». أي أن الله عز وجل يفتح عليه في بعض العلوم أو المسائل التي ربما ما تعلمها، فيوفقه الله سبحانه وتعالى لمعرفة الصواب فيها. قال رحمه الله: ومنها التأدب مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب، لقول موسى عليه السلام: «هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا»، يعني أتى له بتلطف وليل في الخطاب. قال: فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تذني في ذلك أم لا، وإقراره بأنه يتعلم منه. وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم مع معلمه. قال: بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر، الذين لا يظهرون للمعلم افتقارهم إلى علمه، بل يدعون أنه يتعاونونهم وإياه، بل ربما ظن أحدهم أنه يعلم معلمه وهو جاهل جدا. فالذل للمعلم وإظهار الحاجة إلى تعليمه من أنفع شيء للمتعلم. يعني أن يذل المتعلم نفسه حتى ينال العلم من معلمه. وكما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «ذللت طالبا فعززت مطلوبا»، يعني أنه ذل نفسه، فكان يذهب رضي الله عنه إلى أبواب أو بيوت مشايخ من الصحابة رضي الله عنهم، وربما جلس تحت الباب في وقت القيلولة حتى ينتظر خروجه فيسأله عن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا حتى حصل على علم كثير، وبعد ذلك عز في تعليمه للعلم، وفي كذلك تحديثه بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى بلا شك أفضل من الخضر، يعني أن موسى تواضع للخضر مع كون الخضر مفضول وموسى فاضل. وهكذا ربما يتواضع الفاضل للمفضول لأجل أن ينال العلم الذي ربما ليس عنده أو شيء منه قد فاته. قال: ومنها تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة. فإن موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعطي سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلم منه. فعلى هذا، ينبغي للفقيه المحدث إذا كان قاصرا في علم النحو أو الصرف أو نحوهما من العلوم أن يتعلمه ممن مهر فيه، وإن لم يكن محدثا ولا فقيها. يعني معنى أنه يريد أن يأخذ الإنسان العلم ممن مهر فيه، وإن لم يكن هو في المنزلة أو في الدرجة مثله. فلا شك أن المحدث الفقيه أفضل من من عنده خبرة ومعرفة بعلم نحو الصرف، ولا خبرة عنده ومعرفة بعلم الفقه والحديث. ومع ذلك كونه يتعلم من هذا العلم الذي مهر فيه، هذا أمر يعني ينبغي أن يحرص عليه، ولا يمنعه ذلك أن يأخذ منه هذا العلم لكونه ليس بمحدث ولا فقيه. قال: ومنها إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها، لقوله: «وتعلمني مما علمت». قال: أي مما علمك الله تعالى. ومنها أن العلم النافع هو العلم المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطريق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع. وما سوى ذلك، فإما يكون ضارا أو ليس فيه فائدة، إما أن يكون ضار كالعلوم المحرمة كعلم السحر والكهانة ونحوهما من هذه العلوم، أو ليس فيه فائدة كالعلوم الدنيوية. قال: لقوله: «أن تعلمني مما علمت رشدا». قال: ومنها أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم وحسن الثبات على ذلك، أنه ليس بأهل تلقي العلم. فمن لا صبر له لا يدرك العلم، لأن العلم يحتاج إلى صبر. قال: ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه، لقول الخضر يعتذر عن موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه: «إنه لا يصبر معه». ومنها أن السبب الكبير لحصول الصبر، إحاطة الإنسان علما وخبرة بذلك الأمر الذي أمر بالصبر عليه. وإلا فالذي لا يدريه أو لا يدري غايته، لا نتيجة له، ولا فائدته، ولا ثمرته، ليس عنده سبب الصبر. لقوله: «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا». فجعل الموجب لعدم صبره، عدم إحاطته خبرا بالأمر. أما إذا كان عنده سبب الصبر، ومعرفته بفضل هذا العلم وشرفه، وعظيم منزلته، فهذا مما يعينه على الصبر في تحصيله. قالوا: ومنها الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود. وهذا إذا كان يعني ليس في أمر هو في ظاهره منكر يخالف الشريعة. أما إن كان أمرا يخالف الشريعة، فإنه ينكر، فإنه ينكر ولا يقر على هذا الفعل. قال: ومنها تعليق الأمور المستقبلة التي من أفعال العباد بالمشيئة، وألا يقول الإنسان للشيء إني فاعل ذلك في المستقبل إلا أن يقول: «إن شاء الله». ومنها أن العزم على فعل الشيء ليس بمنزلة فعله. فإن موسى قال: «ستجدني إن شاء الله صابرا»، فوطن نفسه على الصبر، ولم يفعل. قال: ومنها أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيقاظه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال في عن بعض الأشياء حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها، فإن المصلحة تتبع. كما إذا كان فهمه قاصرا، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها، أو لا يدركه ذهنه، أو يسأل سؤالا لا يتعلق بموضع البحث. قال: ومنها جواز ركوب البحر في غير الحالة التي يخاف منها، يعني في حالة هيجان البحر فلا يجوز ركوب البحر، لأن فيه تعريض النفس للهلاك. وأما في غير هيجانه، فيجوز، سواء كان ذلك للاستياد أو للنزهة أو للسفر أو لغير ذلك من المقاصد المباحة. قال: ومنها أن الناس غير مؤاخذ بنسيانه، لا في حق الله ولا في حقوق العباد، لقوله: «لا تؤاخذني بما نسيت». إلا إذا كان في حقوق العباد يتعلق بتلف شيء من الأموال، فإنه يضمن. قال: ومنها أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون أو يشق عليهم ويرهقهم. فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر. قال: ومنها أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية في الأموال والدماء وغيرها. فإن موسى عليه السلام أنكر على الخضر خرقه السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها أنها من المنكر. وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها في غير هذه الحال التي صحب عليها الخضر، فاستعجل عليه السلام وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت لهذا العارض الذي يجب عليه الصبر، عدم المبادرة إلى الإنكار. قال: ومنها القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنه يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويراعى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما. فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاؤه حتى يفتن أبويه عن دينهما أعظم شرا منه. وبقاؤه الغلام من دون قتل، وعصمته وإن كان يظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه وإيمانه، ما خير من ذلك. فلذلك قتله الخضر، أي من باب ارتكاب أذنى المفسدتين لدفع أعلاهما. قال: وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها داخل في هذا، يعني في هذه القاعدة. قال: ومنها القاعدة الكبيرة أيضا، وهي أن عمل الإنسان في مال غيره إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن، حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير، من أجل إصلاح الباقي والسلامة منه. قال: كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم، فهو أعابها من غير إذن من أصحابها. فعل هذا لو وقع حرق أو غرق أو نحوهما في دار إنسان أو ماله، وكان إتلاف بعض المال أو هدم بعض الدار فيه سلامة للباقي، جاز للإنسان بل شرع له ذلك حفظا لمال الغير. قال: ومنها أن العمل يجوز في البحر كما يجوز في البر، لقوله: «يعملون في البحر». ولم ينكر عليهم عملهم. ومنها أن المسكين قد يكون له ما لا يبلغ كفايته، ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة. قال: لأن الله أخبر أن هؤلاء المساكين لهم سفينة، معنى أن المسكين قد يكون عنده سفينة، عنده سيارة، عنده وظيفة وراتب يستلمه، لكن لا يغطي حاجته، فلا يخرجه ذلك عن معنى المسكين. قال: ومنها أن القتل من أكبر الذنوب، لقوله في قتل الغلام: «لقد جئت شيئا نكرا»، أي أمرا منكرا، وهو كذلك، بل هو من كبائر الذنوب. ومنها أن القتل قصاصا غير منكر، لقوله: «بغير نفس». قال: ومنها أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه وفي ذريته، وذلك لقوله: «وكان أبوهما صالحا». قال: ومنها أن خدمة الصالحين أو من يتعلق بهم أفضل من غيرها، لأنه علل استخراج كنزهما وإقامة جدارهما بأن أباهما صالح، يعني فعل هذا لصلاح أبيهما، فخدمهم مجانا من غير مقابل. قال: ومنها استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله: «فأردت أن أعيبها»، ما قال: «فأراد الله أن يعيبها»، بل نسب عيب السفينة إلى نفسه. وأما الخير فأضافه إلى الله تعالى، لقوله: «فأراد ربك أن يبلغ أشدهما ويستخرج كنزهما رحمة من ربك». قال: كما قال إبراهيم عليه السلام: «وإذا مرضت فهو يشفين». وقالت الجن: «وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا». فأضافوا الشر من غيره، يعني ذكروا الشر من غير نسبة إلى الله. ولما ذكروا الخير نسبوه إلى الله سبحانه وتعالى، كل هذا من الأدب. قال: مع أن الكل بقضاء الله وقدره، يعني الخير والشر، لكن الشر ليس من فعل الله، ولا ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، وإن كان يضاف إلى الله جل وعلا خلقا وإيجادا. قال: ومنها أنه ينبغي للصاحب ألا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال، ويترك صحبته حتى يعتذر منه، ويعذر له، كما فعل الخضر مع موسى، يعني حتى يعتذر منه ويسمح له بفراقه وعدم صحبته. قال: ومنها أن موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على