الدرس في الأمثال في القرآن الكريم 5، ألقاها
يضرب الله مثلاً لمن أعطاه العلم ولم يعمل به، فيجعله مثل الكلب الذي يلهث سواء حمل عليه أو ترك. هذا المثل يدل على سوء عاقبة من لم يعمل بعلمه.
شبّه الله من ركن إلى الدنيا ولم يعمل بالعلم بالكلب الذي يلهث دائمًا، مما يدل على سوء حال من كذب بآيات الله وأعرض عنها.
يشرح كيف أن إهمال العمل بالعلم يجعل الإنسان عرضة للغواية والضلال، بينما العمل به يكون حصنًا من الشيطان. الرفعة تأتي من العمل بالعلم وليس مجرد امتلاكه.
يتضمن دعاء بالتوفيق للطاعة وطلب للعمل بعلم ينفع يوم القيامة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الله جل وعلا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا قَوْمٌ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾. يخبر الله جل وعلا في هذه الآية عمن أتاه الله جل وعلا آياته وأتاه العلم، فانسلخ منها، أي ترك العمل بهذا العلم، ثم اتبع هواه واتبع الشيطان، فكان من الغاوين، أي من أهل الغواية والضلالة. فأخبر الله جل وعلا أن مثله، أي مثل من أتاه الله جل وعلا آياته وأتاه العلم فلم يعمل به ولم يرفع به رأسا، أن مثله كمثل الكلب، هذا الحيوان المستخذر والحيوان الدنيء الذي همته في بطنه. فالكلب يحرص على إشباع بطنه، وهو في غاية من الشح والبخل. لو وجد ميتة تكفي العشرات من الكلاب لربما قاتل من جاء ليأكل منها بخلا وشحا. وكذلك أيضا أكثر ما يمشي وأنفه في الأرض يشم ويبحث عن الطعام. فمثل الله جل وعلا من ترك آياته أن مثله كمثل الكلب، كمثل هذا الحيوان. إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، إن تحمل عليه يلهث، إن طردته وأبعدته لهثا، وإن تركته يلهث، هو في كل الحالين يلهث، إن كان قائما أو كان قاعدا أو كان يمشي أو يجري فهو يلهث في سائر أحواله. وهكذا شبه الله عز وجل من ركن إلى الدنيا وأخلد إلى هذه الحياة الفانية، وطمع في الحياة الدنيا وأثرها على الآخرة، وترك العمل بالعلم الذي أتاه الله جل وعلا، أن مثله كمثل الكلب، فهو يلهث خلف الدنيا، يلهث خلف الدنيا، مهما وعظته بالمواعظ وذكرت له الآيات فلا يتعب بها ولا يعتبر بها، فهو يلهث في سائر أحواله يريد هذه الحياة الدنيا الفانية طمعا في نيلها وطمعا في تحصيل شيء من متاعها، فلا تنفع فيه المواعظ ولا تنفع فيه الآيات، فحاله كحال الكلب الذي يلهث في سائر أحواله. ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون، أي يتعظون ويعتبرون وينظروا كيف يكون حال من أعرض عن آيات الله جل وعلا. وبئس المثل مثل من آتاه الله جل وعلا آياته بأن يكون حاله كحال الكلب. ولهذا قال الله جل وعلا: «ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون»، هم الذين ظلموا أنفسهم بترك آيات الله جل وعلا التي آتاهم الله سبحانه وتعالى، وهي من أسباب الرفعة. فانظروا إلى قول الله جل وعلا: «الذي أتيناه آياتنا»، فالله عز وجل هو الذي آتاه الآيات وأتاه العلم، فالعلم نعمة من الله، ومن الله سبحانه وتعالى يتفضل بها جل وعلا على من شاء من عباده. ثم أخبر الله جل وعلا أنه هو الذي تسبب في تركها، فانسلخ منها، ما قال الله عز وجل: «فأسلخناه»، هو الذي انسلخ، هو الذي تركها، هو الذي أعرض عنها. فمثل الله جل وعلا تركه لها بانسلاخ الجلد من اللحم، يعني من شدة انفصاله وتركه لها وعدم العمل بها. فلما فعل ذلك أتبعه الشيطان، الإنسان عندما يكون عنده العلم ويعمل به يكون في حصن عظيم من الشيطان، فلا يكاد يتصل عليه إلا الشيء القليل. فلما ترك الآيات وانسلخ منها وجد الشيطان الفرصة العظيمة والكبيرة فوثب عليه وثوب الأسد على الفريسة، لأنه هنا لا حصن له ولا مانع له من تسلط الشيطان. فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، كان من أهل الغواية وأهل الضلال، إذ ترك ما أتاه الله جل وعلا من العلم والهدى، فلم يعمل به بل خالفه. ثم قال الله جل وعلا: «ولو شئنا لرفعناه بها»، إذ أن العلم سبب من أسباب الرفعة، لكن الرفعة ليست بنفس العلم، وإنما الرفعة بالعمل بالعلم، العمل بالعلم هو الذي يرفع صاحبه، وإلا فهذا آتاه الله علما كما أخبر الله جل وعلا: «آتيناه آياتنا»، عنده آيات، عنده علم، لكن لم يحصل له الرفعة بمجرد حصول هذا العلم، لأن الرفعة لا تكون إلا بالعمل بالعلم. «ولو شئنا لرفعناه بها» أي بهذه الآيات، لكان له ذكر وله شأن كحال غيره من أهل العلم. ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، أي ركن إلى هذه الحياة الدنيا وتعلق بها وآثرها على الآخرة، فاتبع هواه، جعل قائده وآمره وناهيه الهوى، فما أراده هواه فعله وإن خالف أمر الله وإن خالف دين الله جل وعلا. وهذا الاتباع منه للهوى مع علم، ليس عن جهل، هو يعلم أن هذا مخالف لدين الله ومخالف لشرع الله، لأنه عنده علم، ومع ذلك لم يبالي بمخالفة أمر الله جل وعلا، فكتب الله جل وعلا عليه الضلال والغواية. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويجعلنا جل وعلا ممن يعملون بعلمهم، وينفعنا جل وعلا بما علمنا، ويجعل ما تعلمناه حجة لنا يوم القيامة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.