كتاب العلم من صحيح البخاري  15

كتاب العلم من صحيح البخاري 15

الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 15، ألقاها

قواعد فقهية في التعامل مع الاختيارات

يتحدث عن قاعدة ترك بعض الاختيارات خشية سوء الفهم، ويستشهد بترجمة الإمام البخاري وتقييم الرواة. كما يشير إلى أهمية تجنب ما قد يسبب ضررًا أو سوء فهم لدى الناس.

الاختلاف في تقييم الرواة بين العلماء

يتناول الاختلاف بين العلماء في الجرح والتعديل، ويضرب أمثلة على ذلك مثل الإمام الشافعي ومحمد بن أبي يحيى، ويبين أن هذا الاختلاف لا يسبب التنافر بين أهل العلم.

تاريخ الكعبة وتغييراتها عبر العصور

يتناول تاريخ بناء الكعبة وتغييراتها عبر العصور، حيث بناها ابن الزبير ثم هدمها الحجاج وأعاد بنائها، واستشارة الوليد بن عبد الملك لإعادة بنائها كما بناها ابن الزبير.

أهم الدروس المستفادة من الحديث النبوي

يستفاد من الحديث أهمية إزالة الضرر وتجنب سب آلهة الكفار، وهذه القواعد الفقهية تعتبر من الكبرى وتشمل قاعدة "الضرر يزال".

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقع في أشد منه. باب من ترك بعض الاختيار، أي فعل الشيء المختار والإعلام به أو الإشهار به، مع أن هناك شيء هو اختياري، لكن لو فعل مختاره قد يكون بعض الناس يفهموا على غير فهمه، وهذا قاعدة عظيمة سيأتي ذكر دليلها في هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: حدثنا عبيض الله بن موسى. وعبيض الله بن موسى هو الأشجعي، وكان فيه تشيع، وكان لما محمد ينكر عليه جدًا، بل يقول لما محمد: إنه داعٍ وخالفه في ذلك يحيى بن معين. وخالفه في ذلك يحيى بن معين، قيل لأحمد: لماذا تروي عن عبد الرزاق ولا تروي عن عبيض الله بن موسى؟ قال: عبيض الله بن موسى داعٍ للتشيع، وأما عبد الرزاق فعلى كلام الإمام أحمد: إنه ليس بداعٍ. وقال لما قيل لابن معين هذا الكلام، قال: قد سمعت من عبد الرزاق أكثر مما سمعت من عبيد الله، أنا أكثر كلمات سمعت كلمات في التشيع من عبد الرزاق مما سمعها من عبيد الله بن موسى. أنا الآن يحيى بن معين يخالف أحمد في أن عبيد الله أقل في التشيع من عبد الرزاق، وقد يكون هذا صحيحًا؛ لأن عبيد الله لم تذكر عنه كلمات شنيعة مثل ما ذكرت عن عبد الرزاق، وخاصة في آخر عمره. وهذا يدلك على أن العلماء قد يختلفون في الرجل: هل هو داعٍ إلى بدعته أو ليس بداعٍ؟ وكل يستدل بأشياء تظهر له. قد يكون أناس يأتون إليه فيقولون: فلان يقول كذا وكذا، وذلك لم يأتِه أحد. وكذلك أيضًا قد يبدع الرجل أو العالم من العلماء إنسانًا ويخالفه الآخر. وكم من أيضًا ممن قال مثلا فيه لما محمد كذا، أو روى عنه، أو كذلك جرحه، جرحه وخالفه غيره. بل لما روى الإمام أحمد عن نصر بن نباب، قال الإمام يحيى بن معين: جنة أحمد حتى يروي عن مثل هذا. فنصر بن نباب كذبه يحيى بن معين، وكذبه جماعة: موسى بن هارون وغيره مكذبه هذا الرجل. وكان الإمام أحمد يحسن الظن به، فكان يروي عنه. وأيضًا كذلك الشافعي رحمه الله كان يحسن الظن في محمد بن أبي يحيى، كان الإمام الشافعي يحسن الظن به ويروي عنه، قد تكلم فيه العلماء حتى قال الإمام أحمد: قدري معتزلي خبيث كذاب. وعلى هذه الكلمات قالها رحمه الله في هذا الرجل؛ لأنه كان يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الإمام الشافعي يحسن الظن به فيروي عنه. فهذا يحصل من العلماء الاختلاف في الرجل، ولا يظل ذلك على التنافر بين أهل العلم، ولا يظل كذلك على التنافر بين طلبة العلم: أن هذا يؤيد هذا، وهذا يؤيد هذا على هذا الجرح، وتكون بعد ذلك فرقة بين أهل الحق. فهذا من الشيطان من تحريش الشيطان، وإلا الاختلاف قد كان بين السلف. الاختلاف على الرجال وعلى الجرح والتعديل قد كان بين السلف رحمهم الله. قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق. وكان حكاية جده، يعني كان يمشي مع جده أبي إسحاق السبيعي، ولهذا فضله عبد الرحمن بن مهدي وجماعة حتى فضلوه على سفيان وشعبة، فضلوا إسرائيل لمعرفته بكتب جده، وكذلك برواية جده. لكن أكثر العلم على تفضيل شعبة وسفيان على إسرائيل. قال عن إسرائيل عن أبي إسحاق، وهو عمرو بن عبد الله السبيعي، قال عن الأسود، وهو النخعي، قال: قال لابن الزبير - أي عبد الله بن الزبير رضي الله عنه - وهو صحابي جليل، وليس بخارجي أبدًا، لم يخرج على أحد، بخلاف ما اشتهر أن ابن الزبير خرج على بني أمية، وهذا كلام باطل. لم يخرج ابن الزبير، وإنما لما مات يزيد بن معاوية فإن الناس في الحجاز بايعوا عبد الله بن الزبير، أو لما مات مروان بايع الناس ابن الزبير، حتى أن عبد الملك بن مروان نفسه كان سيبايع لولا أن بعض الوشاة دخل عليه وقال: هذا اللمار لكم... إلخ. قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تصر إلي كثيرًا، فما حدثتك في الكعبة؟ قلت: قالت لي - أو قالت - يقول الأسود لابن الزبير: يقول له: كانت عائشة تصر إليك كثيرًا، وهي خالتك، فما حدثتك في الكعبة؟ قال: قلت: قالت لك. قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، لولا قومك حديث عهد - أو قال: لولا قومك حديث عهدهم بكفر - لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون». قال: ففعله ابن الزبير. فابن الزبير رضي الله عنه فعل ذلك، بنى الكعبة على ما قالت عائشة رضي الله عنها، ما حدث النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد في الأركان هذا الحجر كسره، وزاد في الأركان على معنى ما كان عليه الكعبة قديمًا، فبناها مثل ما قالت له عائشة رضي الله عنها على كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل لها بابان: باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون. ولما كان في زمن عبد الملك بن مروان أمر الحجاج بأن يهدم ما بناه ابن الزبير ويبنيها على ما كانت عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ثم لما كان في عهد الوليد بن عبد الملك أشار أو استشار الإمام مالك رحمه الله في إرجاع الكعبة لما بناها ابن الزبير، فنهاه عن ذلك الإمام مالك، قال: حتى لا تكون - لا يكون - بيت الله جل وعلا ألعوبة للملوك، لمن جاء رأى رأيًا فيغير. فابن الزبير رضي الله عنه اجتهد وأراد أن يبنيها؛ لأنه كان حاكمًا، بناها مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم على البناء الأول؛ لأن قريشًا نقصت بهم النفقة، فبناها كذلك. ولما جاء عهد الأمويين أو عهد عبد الملك المرواني أمر الحجاج بأن ينقض الكعبة ويبنيها على ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما جاء الوليد أراد أن يعيدها مثل ما بناها ابن الزبير، فنهاه مالك رحمه الله نهاه عن ذلك حتى لا تكون الكعبة ألعوبة بيد الملوك: هذا يكسر، وهذا يصلح. فلهذا صارت مثل ما كانت عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بزيادة الحجر، هذا الحجر لم يدخلوه. فلهذا إذا أراد الإنسان أن يطوف بالكعبة لا يدخل مكان الحجر؛ لأنه من الكعبة. أن بعض الناس يريد أن يختصر، يريد أن يختصر، يرى أن هناك فرجة مثلًا في الحجر يقوم يدخل هذا الحجر - حجر الكعبة - وليس حجر إسماعيل كما يسمونه، فليس هناك أو قولهم: إنه حجر إسماعيل خطأ؛ لأن هذا المكان من الكعبة نفسها، وإنما حجر الكعبة. فإذا أراد أن يطوف لا يطوف داخل الحجر، يطوف بعده، معناه خلف الحجر، حتى يكون الطواف صحيحًا. هذا الحديث أخذ العلماء منه فوائد كثيرة، ومن أهمها القواعد العظيمة التي هي من القواعد العظيمة، وهي قولهم: «ذر المفاسد مقدم على جلب المصالح»، «ذر المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وأن عند تزاحم المصالح تقدم المصلحة الكبرى على المصلحة الصغرى، وعند تزاحم المفاسد تقدم أو ترتكب المفسدة الصغرى - بمعنى ترتكب المفسدة الصغرى ولا ترتكب المفسدة الكبرى - هذا أخذ من هذا الحديث. وهذه القواعد داخلة في القاعدة العامة الفقهية، وهي من القواعد الكبرى: «الضرر يزال»، «الضرر يزال». فهذا أهم ما يؤخذ من هذا الحديث: حديث «يا عائشة، لولا قومك حديث عهد بكفر». وأيضًا أخذ من الآية: قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. والله تعالى أعلم.

شاركنا على