كتاب العلم من صحيح البخاري  4

كتاب العلم من صحيح البخاري 4

الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 4، ألقاها

صيغ تحمل الحديث والكتابة

يشرح الإمام البخاري صيغ تحمل الحديث، مركزًا على المناولة والكتابة، ويبين أن المناولة مع الإجازة تعتبر من أعلى رتب التحمل. كما يوضح أن الكتابة جائزة إذا تأكد المرسل إليه من مصدرها.

فضل العلم وآثاره

يروي المقطع قصة ابن شهاب الزهري الذي ذهب إلى الشام لطلب العلم، وتقريبه من هشام بن عبد الملك بعد توسطه. كما يذكر بعض العلماء البارزين مثل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعبد الله بن المبارك.

أهمية حلق العلم وآدابها

يشرح حديث أنس بن مالك أهمية حلق العلم وآداب حضورها، حيث يقص عن ثلاثة نفر أقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أثناء جلوسه في المسجد مع الناس. ينبغي على المسلم الحرص على حضور حلقات العلم لتحصيل الخير والفوائد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان. بعدما ذكر بعض صيغ التحمل كالسماع والعرض أو القراءة، ذكر بعدها المناولة والكتابة، وهي أيضا من صيغ التحمل للحديث أن يناول الشيخ الطالب الكتاب ويقول له: هذا كتابي. وعلى رتب المناولة أن تكون مناولة مع إجازة، مناولة مع إجازة، فهي أعلى رتب المناولة. فيقول له: خذ هذا كتابي، أرويه عني. خذ هذا كتابي، أرويه عني. فهذا كتابة، أو هذه مناولة مع إجازة، مع إجازة. قال: وقال أنس: النسخ عثمان المصاحف، فبعث بها إلى الآفاق. والظهر هنا المؤلف الإمام البخاري يساوي بين المناولة والكتابة، فذكر هذا الحديث في نسخ عثمان المصاحف، ثم بعثها إلى الآفاق، أي إلى الأمصار حتى يوحد المصحف. فهذا فيه الكتابة، وأن الكتابة إذا جاءت من شخص معروف، فله أن يقول: كتبني فلان. وهذا كان عند السلف، الأوزاعي يقول: كتب إلي قتادة. وأيضا كذلك من بعدهم، ابن أبي حاتم، دائما تجد في تفسيره، وكذلك في الجرح والتعديل، وفي بعض كتبه التي ألفها، يقول: كتب إلي فلان. فكثير من أهل العلم استعمل هذا، والصحيح من أقوال أهل العلم أنها جائزة إذا تأكد هذا المرسل إليه، إذا تأكد أن هذا الكتاب من فلان، يتأكد أنه من فلان لمعرفته لخطه، أو لمعرفته لخط من يكتب له، أو هناك قرائن تدل عليه. وإلا قد حصلت الأخطاء الكثيرة في الكتابة، لأن الكتابة كانت بدون نقط، ليست منقوطة، فيحصل الخلط في بعض الأحرف. فمثلا جاء عند أحمد من حديث عقبة: موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجر في المسجد، أو احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد. احتجر، معنى جعل له حجرة. لما اعتكف، فكتب موسى بن عقبة هذا الحديث إلى عبد الله بن نهيعة، فقال عبد الله بن نهيعة: كتب إلي موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في المسجد. هذا الموضع يقول: احتجر، قال: احتجم في المسجد، وهو صائم. وأنا والحديث إنما احتجر في المسجد، وهو صائم. ورواه ابن نهيعة: احتجم في المسجد، وهو صائم. فهذا تغيير لهذا اللفظ، وصار حكما آخر. فلهذا كانت فيه آفات، لكن قد تعامل به أهل العلم، فما تأكد منه أنه من شخص أو من هذا الشخص بعينه، فلا بأس بروايته. قال: وسيدكر المؤلف بعض الأدلة على ذلك. قال: وروى عبد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ومالك، ذلك جائزا. ويقول حافظ: أن الظاهر أنه ليس هو عبد الله بن عمر، وإنما عبد الله بن عمر جاء عنه ذلك. قال: واحتج بعضهم للحجاز في المناولة بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل الحجاز. أراد الحميدي، أراد الحميدي قال: حيث كتب الأمير السرية كتابا، وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا. فلما بلغ ذلك المكان، قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فهذه السرية التي بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءت عندنا من إسحاق بإسنادين، جاء من طريق عروة، وجاء كذلك من طريق جندب رضي الله عنه. وهي السرية صحيحة، أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض الناس، فأمرهم بكتاب، وكان ذلك في الشهر الحرام، قال: ذلك في الشهر الحرام، فعمرهم، فأعطاهم كتابا، قال: لا تفتحه حتى تبلغ مكان كذا. فلما بلغ ذلك المكان، فتح الكتاب، فوجد فيه: امضوا في طريقكم. فأخبرهم ذلك الأمير بكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال لهم: من أراد أن يرجع فليرجع، فإني ماضي على كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فوجدوا بعد ذلك عكرمة بن أبي جهل، وقتلوه. وكان ذلك في أشهر الحرم، فصاحب قريش وعظم ذلك، فنزل الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ إلى آخر الآيات. فنزلت في هذه السرية. فوجه الشاهد من هنا أخذه الحميدي وغيره، أن هذا الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصاحب السرية، فإنه ما كان يدري فيه شيء حتى فتحه في ذلك المكان. لكن هذه تعتبر مكاتبة ومناولة، هذه تعتبر مكاتبة ومناولة، لأنه ناوله الكتاب، ثم قرأه بعد ذلك في ذلك المكان. وأيضا عنده قرينة قوية، وهي أن هذا الكتاب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه ناوله إياه. قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، وهو الأويسي، وخاله مالك بن أنس. إسماعيل وأخوه أيضا عبد الحميد، عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، وأبوهم كان صهرا لمالك، وزميله، زميله في الطلب. وإسماعيل بن عبد الله قد ضعف، لكن البخاري اختار من أحاديثه. وكان إسماعيل له كتاب، خرج أحاديث خرجها البخاري من أحاديث انتخبها، انتخب هذه الأحاديث الإمام البخاري من أحاديث إسماعيل. فكان إسماعيل يفتخر بهذا، فإذا جاءه أهل الحديث، فقال: هذا انتخاب محمد بن إسماعيل، يقول لهم: هذا انتخاب محمد بن إسماعيل، أي أنه ما سينتخب إلا ما كان صحيحا. قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، وهو المدني. إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من سكان أهل المدينة، وكان من ثقات الناس. تركه بعضهم لبعض الأشياء، قيل: أنه كان يرى السماع، وهذا شديد، كان ثبت عنه ذلك، لأن بعض العلماء ينفي عنه هذا، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله. قال: عن صالح، وصالحه من كبار المدنيين، كان أكبر من الزهري بأربع سنوات، إلا أن الزهري أدركه بالعلم. الزهري سبقه بالعلم، وإلا كان أكبر من الزهري بأربع سنوات. وكان زميلا للزهري. قال صالح رحمه الله: كنت مع الزهري أطلب الحديث، فقال: لنطلب حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فطلبته معه، ثم قال الزهري: لنطلب كلام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقضاياه. قال: فتخلفت عن ذلك، وطلبه، فسبقني. أنه كان الزهري عنده همة يطلب الحديث، ويطلب كذلك الآثار. كان دائما يسأل سعيد بن المسيب عن قضايا عمر. وكان من أعرف الناس بقضايا عمر. وكان سعيد بن المسيب من أعرف الناس بقضايا عمر. وكان الزهري قد أخذها منه. وهذا الذي قربه إلى عبد الملك، إلى شاب عبد الملك، لما ذهب إلى الشام. وكان قد همه الدين الذي كان عليه، لكثرة إنفاقه، وكثرة تصدقه، حتى أصابه دين عظيم، فما درى من الذي يسلطه عنه هذا الدين. فذهب إلى الشام، فجلس في حلقة عقبة بن ذؤيب رضي الله عنه. فهذه القصة العظيمة تدلك على توفيق الله عز وجل لطالب العلم، وتيسيره له. فهذا ابن شهاب ذهب من المدينة إلى الشام، فهو ذهب لأجل أن يخرج عن نفسه هذا الدين الذي ركبه، ما عرف كيف يسدد هذا الدين. فذهب إلى الشام، وجلس في حلقة عقبة بن ذؤيب. فكان في حلقته، فجاء رجل من هشام بن عبد الملك، وقال له: إنه يريده. فأرسل إلى عقبة، فذهب إليه، ثم قال له: أريد قضاء عمر في مسألة كذا وكذا. فقال عقبة: ما أعرف هذا. فذهب، فقال له: هل يعرف أحد في المسجد هذا القضاء؟ فذهب عقبة، وقال لتلاميذ الذين كانوا في المسجد: هل منكم أحد يعرف قضاء عمر في كذا وكذا؟ فقال الزهري: أنا. فذهب به إلى هشام، وقال: هذا يعرف قضاء عمر. فقال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله بن مسلم، أو قال: مسلم بن شهاب بن عبد الله الزهري. فقال: لم تعلم ما فعل أبوك؟ فقال له الزهري: لأن أبا الزهري خرج، وكان مع عبد الله بن الزبير. فقال: قد حصل، وعفا الله عما سلف. فقال: تعرف قضاء عمر في كذا وكذا؟ فأتى به من طريق سعيد بن المسيب، عن عمر. فقال: ماذا تريد؟ قال: أريد قضاء ديني. فقضاه هشام منه. ثم قربه إليه، قربه هشام، حتى جعله في مرتبة الوزير، جعله مفتيا، وجعله كذلك عالما، معنى الدولة ومفتيها. وكذلك أيضا جعله بمثابة الوزير. وكان يمشي معه الشرط، وهذا كله بسبب علمه بذلك العلم. وهذا من توفيق الله عز وجل. وسبحان الله، معنى ابن الشهاب رحمه الله، كان في قصر الوزارة، قصر بني أمية، إلا أنه لم يتأثر بشيء من ذلك. فبقي على ما كان عليه من الإنفاق، والصدقة، والخير، وبث الحديث، وغيرها من الأمور التي كان عليها رحمه الله. قال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن الشهاب. اسمه محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب بن الزهري، وقيلته: أبو بكر، واشتهر: ابن شهاب. قال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أيضا ثقة، وبيض الله وجهه. وهو يعتبر من علماء المدينة، ومن السبعة الفقهاء الذين كانوا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن التابعين. قال: أن عبد الله بن عباس، وكان عبيد الله بحر من بحور العلم. كان عمر بن عبد العزيز يقول: لو كان عبيد الله بن عبد الله حيا، لما استشرت غيره. قال: لو كان عبيد الله حيا، لما استشرت غيره. وجاء في لفظ: لما خرجت عن شورته، لما خرجت عن شورته. قال: أن عبد الله بن عباس أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث بكتابه رجلا، وأمره أن يدفعه، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين. عظيم البحرين في ذلك الوقت هو المنذر بن ساوي، تابع للروم، أو أقصد: إلى الفرس، تابعا للفرس. فكتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا إلى كسرى، ودفعه إلى عظيم الروم، حتى يوصله إلى المنذر بن ساوي. فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى. وكسرى: الصحيح أنه ابن الهرمزان، وليس أنه شيرويه، لأن شيرويه جد، والذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو ابن الهرمزان. قال: فلما قرأه كسرى، قال: فعجبت أن ابن المسيب قال: بدع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يمزقوا كل ممزق. على الحديث على الحديث الأول متصل، من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس. وآخره مرسل، أرسله من طريق ابن المسيب. قال: فحسبت أن ابن المسيب قال: فدع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يمزقوا كل ممزق. ووجه الشاهد من هذا الحديث، فيه أن الكتاب له اعتبار عند النبي صلى الله عليه وسلم. وأنه لما مزق هذا كسر، مزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، مزق الله عز وجل ملكه. قال: حدثنا محمد بن المقاتل، أبو الحسن، أبو الحسن المروزي، من مرو. من مرو مدينة من مدن خراسان. ومرو ثنتان: مرو مطلقا، ومرو الروض، هناك أيضا المنطقة قربها، يقال لها: مرو الروض. وينسب إليها الناس: بالمروذي. وهذه مرو نسبتها بالمروذي. ومعنى: وتجد أن بلاد خراسان، وكذلك بعض بلاد المغرب، نسبتها غير نسبة العرب. معنى: النسبة تختلف. فالعرب مثلا عندنا، الذي ينتسب إلى بلد أو إلى قبيلة، ينتسب إليها بزيادة الياء. مثلا إلى قريش: قرشي، إلى ثقيف: ثقفي، إلى بلد مثلا: صلعي، إلى الشحر مثلا: شحري. وهكذا. أما تجد في دول أو بلاد الشرق، أو المشرق، وبلاد أو بعض البلاد المغرب، تجد أن النسبة لا توازي البلد. فمثلا: الري، النسبة على العرب: سيكون ري، لكن هم إذا نسبوا، قالوا: رازي. عندك الإمام أبو حاتم، أبو زرعة، وغيرهم، هم من الري، لكن نسبتهم تكون رازيا. وهكذا أيضا: نيسابور، يقولون: نيسابوري. قال: حدثنا لمحمد بن مقاتل، أبو الحسن المروزي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك. وابن الوارك: إمام أهل مرو، بل إمام أهل خراسان جميعا. كان إماما في كل شيء. كان في الحديث إماما، في الجهاد إماما، وفي العبادة إماما، وغيرها من هذه الأمور. حتى قال الإمام سفيان بن عيينة، وهو شيخه: يقول سفيان بن عيينة شيخه: ما سبق عبد الله بن المبارك أصحاب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا في شرف الصحبة. على ما سبقوه في شيء من العبادات. إن كان في العلم، فهو عالم. وإن كان في الجهاد، فهو مجاهد. وإن كان في العبادة، فهو عابد. وإن كان في الزهد، فهو زاهد. لكن سبقوه في شرف الصحبة، هذا الذي لم ينالوه. وهي مرتبة عظيمة. قال: أخبرنا شعبة، وهو أمير المؤمنين في الحديث. شعبة بن الحجاج، أبو بسطام البصري رحمه الله. أول من فتش عن الرجال في العراق. قال: عن قتادة، وابن دعامة. أبو الخطاب السدوسي رحمه الله. ولد أكمى، ولد أعمى. فكان من أشد الناس حفظا. وكان إذا لم يحفظ شيئا، أخذه العوين، حتى يحفظه. قال: عن أنس بن مالك. يقول أبو إسحاق الشيباني: قرأ قتادة سورة البقرة، قرأ قتادة سورة البقرة، فما أخطأ فيها في حرف. وأنا: كلها سردها، ثم قال: إني لأحفظ صحيفة الصحيفة اليشكري، أكثر مما أحفظ سورة البقرة. أنا: صحيفة اليشكري، فيها حديث عن جابر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وكان قتادة يحفظها أكثر مما يحفظ سورة البقرة، مع أنه ما أخطأ في سورة البقرة. قال: عن أنس بن مالك، وهو أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر، الخزرجي الأنصاري، من بني النجار، من أخوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ونزل عندهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي في ديارهم. وكان من خيرة ديار الأنصار، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «خير دور الأنصار بني النجار، ثم بني عبد الأشهل». وفي كل دور الأنصار خير. ومنهم أنس بن النضر، عم أنس بن مالك. أي: من خيرة بني النجار. ومنهم كعب بن مالك. ومنهم طلحة، أو أبو طلحة أيضا. وزوجة ابن سليم، وغيرهم من خيار أولئك الرجال. كذلك عباد بن بشر رضي الله عنهم. هؤلاء كلهم من بني النجار. قال: كتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابا، وأراد أن يكتب، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما عليه الختم. فاتخذ خاتما، خاتما من فضة، نقشه: محمد رسول الله. أي: نقش في هذا الخاتم: محمد رسول الله. محمد في السطر، ورسول في السطر، والله في السطر. وهذا حتى ينقش الكتاب، يطبع عليه. قال: كعني أنظر إلى بياضه في يده، فقلت لقتادة: من قال: نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس، أنا أنس الذي قال هذا. أي: أن أنس رأى هذا الخاتم، ورأى كذلك نقشه. قال: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة، فجلس فيها. قال: حدثنا إسماعيل، وهو الأويسي، الذي تقدم معنا. قال: حدثني مالك، وهو خالغ، إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، أبو عبد الله. عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة من حفاظ المدينة، وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة، أخو أنس، أنس يعتبر عمه أنس بن مالك، عمه لأنه أخو عبد الله بن أبي طلحة، وأمهما أم سليم. قال: أن أبو مرة، مولى عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه. أنا عقيل بن أبي طالب، صحابي. وهذا أبو مرة، مولاه، أخبره عن أبي واقد الليثي. وأبو واقد الليثي هو الحارث بن مالك، وقيل: الحارث بن عوف، وقيل: غير ذلك. وهو صحابي، كان حليف بني أسد من قريش. وإلا فهو يعد في بني الليث من المدنيين، لكنه حالف بني أسد، فكان في مكة. واختلف في إسلامه: هل أسلم في بدر، أو أدرك بدر، أو لم يدرك؟ لأن البخاري رحمه الله، وكذلك ابن حبان، وابن سحاق، ذكروا أنه حضر بدر، أنه من حضر بدر. وأستدلوا بحديث ذكره ابن سحاق، أنه قال رضي الله عنه: أنه قال: تابعت رجلا في غزوة بدر، فهرب، حتى مددت عليه سيفي ليقطع عنقه، فسقط عنقه قبل أن أقطعه. جاء بالسيف لأجل أن يقطع العنق، سقط الرأس قبل أن يقطعه. معنى: أن هناك ملائكة تقاتل معه. لكن الصحيح: أن هذا حصل في اليرموك، كذلك حصل في غزوة اليرموك. وكان أبو واقد قد حضرها. والصحيح: أن أبا واقد الليثي إنما كان من مسلمة الفتح، أسلم في فتح مكة، وقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حنين، وكذلك في اليرموك، وأقصد: في تبوك. وقاتل أيضا في اليرموك مع الصحابة رضي الله عنه. وهذه الحادثة حصلت له في اليرموك أيضا. كذلك أبو واقد ذكر أيضا جاء عنه في مسند الإمام أحمد، في السنن، أنه قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن حديثو عهد بالكفر». أنا في حديث: «ذات أنواط». وهذا الحديث حسن. فهذا حديث أبي واقد يدل على أن أبا واقد أسلم في الفتح، لأن حادثة ذات أنواط حدثت في حنين. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بينما هو جالس في المسجد، والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر. فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب واحد. قال: فوقف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأما أحدهما، فرأى فرجة في الحلقة، فجلس فيها. وأما الآخر، فجلس خلفهم. وأما الثالث، فأدبر ذاهبا. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «لا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم، فآوى إلى الله، فآواه. وأما الآخر، فاستحيا، فاستحيا الله منه. وأما الآخر، فأعرض، فأعرض الله عنه». فهذا الحديث العظيم يبين فيه أهمية حلق العلم. وكلما حرص الإنسان على الاجتماع في حلقة العلم، وكلما حرص على الاجتهاد في حلقة العلم، كلما كان أقرب إلى الله جل وعلا. فأما أحدهم، فآوى إلى الله، فآواه. أي: فآواه الله عز وجل إليه. فهو أقرب الناس إلى الله سبحانه وتعالى. فأقرب الناس إلى الله هم أهل الحلق، أهل العلم، الذين يجلسون في هذه الحلقات. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى الصحابة متفرقين، قال: «ما لي أراكم متفرقين؟» قال: فاجتمعوا. وجاء في حديث ثعلبة الخشني: لما عكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفرقهم، قال: «إن تفرقكم في الأودية والشعاب، لمن الشيطان». قال: فاجتمع الناس، حتى كان يشملهم الحصير، أو يجلسون في حصير. الحصير واحد، يجلس عليه جماعات من الناس، من شدة قربهم في الحلقات عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فكلما آوى الناس، واقتربوا من المدرس، كان أعظم للبركة، وأعظم للخير، وهم أقرب إلى الله جل وعلا. وأما الآخر، فاستحيا، فاستحيا الله منه. فهو على خير، لكنه ليس مثل الأول. فهو استحيا، وجلس يستمع، لكنه بعيدا. فاستحيا الله عز وجل منه، فهو في خير، لأنه جلس يستمع لكلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: أما الآخر، فأعرض، فأعرض الله عنه. أعرض عن الذكر، وأعرض عن الخير، فأعرض الله عز وجل عنه. لأن هذه الصفة ليست صفة أهل إيمان، وإنما ذكرها الله عز وجل صفة للكفار، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. فلهذا: المسلم ينبغي عليه أن يحرص على حلق العلم، يحرص على هذه الحلق، إذا لم يسمع من مكان يقرب عند الشيخ، حتى يستمع أكثر، فإنه ينال الخير بالاستماع، وكذلك بالفوائد التي تحصل عليها. طيب إن شاء الله تعالى.

شاركنا على