الدرس في كتاب المعاملات 32، ألقاها
يحرم الاعتداء على أموال الناس وأخذها بغير حق، ويجب ضمان ما يتم إتلافه من المال المحترم. يضمن المتلف المثل بمثله إن كان له مثل، أو بالقيمة إن لم يكن له مثل.
الغصب هو أخذ مال الغير بغير حق، وهو محرم بإجماع المسلمين، ويجب على الغاصب رد المغصوب بحاله أو رد بدلا منه إذا أتلفه.
يجب على الغاصب رد المغصوب بحالته، وإذا تلف المغصوب يرد بدلا منه، كما يلزم الغاصب رد الزيادة سواء كانت متصلة أو منفصلة، وتصرفات الغاصب باطلة إذا لم يأذن بها المالك.
تصرفات الغاصب في العادة باطلة لأنه معتدي، إلا إذا أذن مالك الشيء المغصوب بتصرف معين قبل ذلك. يعتبر الإذن المسبق استثناءً على بطلان تصرفات الغاصب.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: المسألة الرابعة في الإتلافات. قال: يحرم الاعتداء على أموال الناس وأخذها بغير حق، وذلك لأن الأصل في المال الحرمة، الأصل في أموال الناس الحرمة، فلا تحل إلا بطريق شرعي وبطيب نفس من صاحبها. قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه». فعلى هذا لا يجوز للإنسان أن يعتدي على مال غيره فيأخذه بغير حق، فيأخذه بغير حق من غير طريق شرعي كالبيع والشراء أو الهبة أو العطية أو غير ذلك من الطرق الشرعية. قال: ومن اعتدى على مال غيره فأتلفه وكان هذا المال محترمًا، فإنه يجب عليه الضمان. وكذلك من تسبب في إتلاف مال غيره بحل قيد أو بفتح باب أو نحو ذلك. يقول: من اعتدى على مال غيره فأتلفه وكان هذا المال محترمًا، أي له حرمة. أما إن لم يكن محترمًا، كالخمر مثلًا، أو خنزير، أو كلب، أو آلات اللهو أو الطرب، أو نحو ذلك من مثل هذه الأمور التي ليس لها حرمة، فإن هذه لا يجب ضمانها. لكن مال محترم، بهيمة مثلًا من بهائم الأنعام أو غيرها من البهائم المباحة، من الحيوانات المباحة، أو سيارة، أو مال، أو غير ذلك من الأموال المحترمة. قال: فإنه يجب عليه الضمان، أي ضمان ما أتلفه من المال وأفسده على صاحبه. ويضمن المثل بمثله، يضمن المثل بمثله إن كان هذا المال له مثل، ضمنه بمثله، أتى له بمثله. وإن لم يكن له مثل، أتى أو ضمن القيمة، ضمن القيمة. فلو أنه مثلًا أتلف عليه شاة، أتلف عليه شاة، أخذ شاة ودبحها، أو مثلًا رماها بشيء فقتلها، فإن كان لها مثل أتى بمثلها، إن لم يكن ضمن القيمة، يؤتى بأهل الخبرة فينظر إلى هذه الشاة فيقدر كم قيمتها، فيدفع ثمنها ويدفع قيمتها. وهكذا قس على غيرها من الأموال. قال: وكذلك من تسبب في إتلاف مال غيره بحل قيد أو بفتح باب أو نحو ذلك. مثلًا كانت البهيمة عليها قيد ورباط، فأتى وفك هذا الرباط والحبل، وهذه البهيمة مثلًا كانت جديدة أو شرسة، ففك الرباط فانطلقت فتلفت، سقطت مثلًا فماتت، أو حصل لها شيء من التلف، فإنه يضمن لأنه تسبب في إتلافها بفك هذا القيد والحبل، أو بفتح باب. كمن أتى إلى زريبة الغنم وفتح الباب للأغنام فخرجت فحصل لها شيء من التلف، مثلًا فتح عليها الباب في الليل فجاءت السباع وأكلتها، فإنه يضمن هذه الأغنام لأنه تسبب في تلفها. قال: وإذا كان له مواش وجب عليه حفظها في الليل من إفساد زروع الناس أو إفساد أنفسهم. فإن أهملها وحصل الفساد ضمن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وأهل المواش حفظها بالليل. وثبت ذلك في سنن أبي داود وابن ماجة من حديث البراء رضي الله تعالى عنه: أن البراء كانت له ناقة فدخلت في بستان قوم، أو في حائر قوم، فأفسدته، فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، فقضى عليه الصلاة والسلام بذلك: أن على أهل المواش حفظها بالليل، وعلى أهل الأموال حفظها بالنهار. قال: فما أفسدت بالليل فإنه مضمون عليهم، يعني على أهل المواش، لأن أهل البساتين والزراعة في الليل لا يعملون، يكونون في بيوتهم. فيجب على أهل المواشي حفظ مواشيهم في الليل بأن توضع في الزريبة أو تضم مثلًا في مكان معين، بحيث أنها لا تؤذي أحدًا. فإن أهملها وذهبت فدخلت بستانًا من البساتين فأفسدته وأكلت ما فيه، فإن صاحب المواشي يضمن ما أتلفته هذه المواشي بالليل. وأما في النهار، فإن أصحاب الأراضي وأصحاب الزراعة في مزارعهم هم يحفظون أرضهم، يحفظون زراعتهم في النهار، والمواشي في النهار ترعى تذهب يمينًا وشمالًا. لكن صاحب الأرض يحفظ أرضه، فإذا حصل شيء من التلف في النهار فيضمن صاحب الأرض. وأما إن أتلف شيء في الليل، فالضمان على صاحب الماشية. قال: لأن أموال المسلمين وأرواحهم محترمة، فيحرم التعدي عليها أو التسبب في إفسادها أو هلاكها. قال: والصائل من الإنسان أو الحيوان إذا لم يندفع إلا بالقتل، فقتله فلا ضمان عليه، لأنه قتله دفاعًا عن نفسه. لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد». هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وقوله: الصائل من الإنسان أو الحيوان، الصائل هو المعتدي، المعتدي من الإنسان أو الحيوان إذا اعتدى على الإنسان. هذا المعتدي فلم يندفع إلا بالقتل، لم يندفع إلا بالقتل، مثلًا حمار هجم على الإنسان وأراد أن يعضه، فلم يدفع إلا بقتله، فقتله فإنه لا يضمن قيمة هذا الحمار. أو مثلًا بعير هجم على الإنسان فأراد دفعه فلم يندفع إلا بالقتل، فإنه يقتله ولا ضمان عليه. وهكذا أيضًا إذا كان المعتدي وصائل إنسان أراد أن يأخذ مالك، فأردت أن تدفعه فلم يندفع إلا بالقتل، فإنك إذا قتلته فدمه هدر، لا تضمن دمه. والأصل والواجب أن تدفعه بالأسهل فالأسهل، يعني ليس مباشرة تقتله، تدفعه أولًا بدون القتل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتل فدمه هدر، دمه هدر لا قيمة له. وقال: جاء في الصحيح، حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن الرجل قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: «لا تعطه مالك». قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «فقاتله». قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار». قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «أنت شهيد». وهنا النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى هذا السائل: أنه يدافع عن ماله ولا يعطي المعتدي هذا ماله. فإن قاتله، فإن قاتله هذا في النار، وصاحب المال لا يبتدئ القتال، لا يبتدئ القتال، لكن إذا ابتدأ المعتدي فإنه يقاتله، ثم إن قتل صاحب المال فهو شهيد، وإن قتل هذا الصائل المعتدي فهو في النار، ودمه هدر لا غرم عليه. وفي هذا الحديث قال: «من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد». من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد، إذن دل هذا على أن الإنسان له أن يدافع عن ماله حتى ولو أدى ذلك إلى حصول القتل، إلى حصول القتل، فإنه إن قتل كان شهيدًا، وإن قتل فلا ضمان عليه في دم هذا المقتول لأنه معتدي. قال: ومن أتلف ما حرم الله كآلات اللهو والصليب وأواني الخمر وكتب الضلال والبدعة وأشرطة ومجلات المجون والخلاعة، فإنه لا ضمان عليه، لأن هذه الأموال ليس لها حرمة، ليس لها قيمة، بل هي محرمة. فكونه أتلفها فقد فعل بذلك إنكارًا للمنكر، فلا يضمن. لكن هنا ضابط لابد من التنبه له. قال: لكن لا يكون الإتلاف على إطلاقه، بل لا بد من تقييده بأمر الحاكم وتحت رقابته، ضمانًا للمصلحة ودفعًا للمفسدة ودرءًا للفتن. يعني يكون ذلك بمن ولي الأمر، ومن يقوم مقامه، حتى لا يترتب على ذلك مفسدة أعظم. فإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. فإذا كان سيترتب على إفساده لهذه الآلات مفسدة أعظم، فإنه يترك ذلك، يترك ذلك، إلا من كان له إذن من الدولة، ومأذون بمثل هذا الأمر، فحينئذ يقوم به. ولا يستطيع حينئذ من أفسدت عليه هذه الأموال المحرمة أن يعتدي على من أفسدها. بخلاف عامة الناس أو فرد من أفراد الناس الذي ليس له إذن بذلك، فإنه يترتب على إفساد شيء من المفاسد، فحينئذ يترك ذلك، إلا إذا كان له سلطة، كأب مثلًا في بيته، الأب له سلطة في بيته، وجد آلة لهو مع أحد أبنائه فأخذها فكسرها، هذا مال ليس له حرمة، ليس له قيمة، فإذا أتلفه فلا ضمان عليه. أو كان مع أحد أقاربه مثلًا في بيته وأتلفه، فكذلك. يعني إذا أمكن إتلاف مثل هذه الأشياء المحرمة من غير الترتب مفسدة أعظم منها، فلا بأس في مثل هذه الأمور، وهذا النطاق الضيق بحسب سلطة الإنسان واستطاعته وقدرته. وأما ما كان يترتب عليه مفسدة أعظم، فحينئذ يترك هذا الأمر لمن يجب القيام عليه من جهة ولي الأمر. قال رحمه الله: الباب الخامس عشر في الغصب، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: تعريفه وحكمه. قال: أولًا تعريفه: الغصب لغة أخذ الشيء ظلمًا، وشرعًا الاستيلاء على حق الغير ظلم، وعدوانًا بغير حق. هذا تعريف الغصب. لغة: أخذ الشيء ظلمًا، أخذ الشيء ظلمًا يسمى غصبًا، يعني أخذه بالغصب، بالقوة والقهر. وشرعًا: الاستيلاء على حق الغير ظلمًا وعدوانًا بغير حق. وبعضهم قال: الاستيلاء على حق الغير قهرًا، الاستيلاء على حق الغير قهرًا وعدوانًا بغير حق. لماذا؟ ليخرج السرقة والاختلاس والانتهاب، فهذه يخرج بها معنى الغصب، ولها حكم آخر. إذن أخذ مال الغير بالقوة بغير حق، هذا هو الغصب. قال: حكمه: وهو محرم بإجماع المسلمين، لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. وهذا من أكل المال بالباطل: أن تأتي إلى أرض الشخص وتأخذها بالقوة وبالقهر. قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه». «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه». والحديث رواه الإمام أحمد والدارقطني، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه». يعني أن يعطيك إياه بنفس طيبة، أما إن تأخذه بغير طيب نفس، هذا لا يحل، هذا لا يحل، سواء أخذته غصبًا وقهرًا، أو أخذته حياء. لو أنه مثلًا استحيا، أنت قلت له: ما شاء الله، ما هذا القلم الجميل، لو أنك مثلًا ليت لي مثله، أو تعطيني إياه، وكذا، قال: خذه استحياء، ليس بطيب نفس، هذا لا يحل، لا يحل لك أن تأخذه، لابد أن يعطيك ماله بطيب نفس منك. وقال صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه يوم القيامة من سبع أراضين». يعني جعله في عنقه كالطوق، والحديث في الصحيحين. قال: فعلى كل من عنده مظلمة لأخيه أن يتوب إلى الله ويتحلل من أخيه، ويطلب منه العفو في الدنيا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه». والحديث في الصحيحين، من أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهو يبين حرمة الظلم وأخذ أموال الناس بالباطل، وأنها سبب في هلاك صاحبها، فإنه إن سلم من ردها في الدنيا، فإن صاحبها سيأخذها منه يوم القيامة بالحسنات والسيئات، لأن يوم القيامة ليس ثم دينار ولا درهم، إنما الأعمال، إنما الأعمال الحسنات والسيئات. فإن كان له أعمال صالحة، أخذ منه بقدر مظلمته، يعني هذا الظالم، إذا كان عنده أعمال صالحة، أخذ المظلوم من حسنات هذا الظالم. وإن لم يكن له حسنات، فإن المظلوم يتحمل من سيئات الظالم، وتُحمل عليه، فتكون سببًا في هلاكه. هذا إذا كان أخذ هذا المال بغير حق. أما إذا كان بحق، إذا كان بحق، فهذا ليس بظلم، وليس بمحرم، ليس بمحرم. نحن قلنا الآن الغصب: الغصب الاستيلاء على حق الغير قهرًا وعدوانًا بغير حق. أما إذا كان بحق، فهذا ليس بغصب، هذا ليس بغصب، وإنما هو أخذ حق. طيب، كتصرف مثلًا ولي اليتيم في ماله، هذا استيلاء وتصرف في مال اليتيم، لكنه بحق، لكنه بحق، فلا يدخل هذا في الغصب. قال: المسألة الثانية: في الأحكام المتعلقة بالغصب. قال: أولًا: يجب على الغاصب رد المغصوب بحاله، وإن أتلفه رد بدلا منه. يجب على الغاصب رد المغصوب بحاله، إذا كان المغصوب المال الذي غصبه موجودًا، فإنه يرده كما أخذه. غصب سيارة، فإنه يردها كما أخذها. أخذ أرضًا غصبها، وأخذها قهرًا، يردها كما هي. أخذ حيوانًا يرده كما هو. وإن أتلفه رد بدلا منه، أخذ السيارة فصدم فيها، يرد سيارة مثلها. أخذ شاة فذبحها وأكل لحمها، يرد شاة مثلها، أو يدفع قيمتها. قال: ثانيًا: يلزم الغاصب رد المغصوب بزيادته، سواء كانت منفصلة أو متصلة، لأنه معتدي، وليس له حق فيما أخذ. فلو زادت، زاد هذا المغصوب، وجب أن يرده بزيادته. مثلًا غصب شاة نحيفة، شاة هزيلة ليست بسمينة، ثم سمنت، هذا السمن الآن زيادة متصلة، هذه الزيادة متصلة. هنا يقول: رد المغصوب بزيادته، سواء كانت منفصلة أو كانت متصلة. السمن هذه زيادة متصلة، فيردها بسمينها، وليس له شيء، ما يقول: أنه أنفق عليها وأطعمتها، نقول: أنت معتدي، ليس لك حق، ترد هذه الشاة بزيادتها، وليس لك شيء. أو كانت الزيادة منفصلة، كالولد، لو أنه أقذ شاة ثم ولدت، لمن الولد؟ لصاحب الشاة. ما يقول: الشاة ولدت عندي، الولد لي، والشاة لصاحبها، لا يردها بزيادتها ولو كانت منفصلة، لأنه معتدي، ليس له شيء. قال: ثالثًا: الغاصب إذا تصرف في المغصوب ببناء أو غرس، أمر بقلعه إذا طالبه المالك بذلك. لو أنه غصب أرضًا فقام بزراعتها أو بنى فيها، فجاء المالك وأمره بقلع هذا الغرس، هذا الزرع، واجب عليه أن يخرجه وأن يقلعه. أو أمره بهدم هذا البناء، واجب عليه أن يهدمه، واجب عليه أن يهدمه، لأنه معتدي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس لعرق ظالم حق». فهو معتدي، فليس له حق، فإذا أمر صاحب الأرض بقلع الزرع أو بهدم البناء، واجب عليه ذلك. وإذا رضي مالك الأرض بقائه، له أن يبقيه، له أن يبقيه. وإذا كان هذا الغرس موافقًا لما يريد صاحب الأرض، إذا كان موافقًا لما يريد صاحب الأرض، مثلًا هو عازم على أن يزرعها برًا، وهذا الغاصب زرعها برًا، ثم أجبره بقلعه، هل يحق له هذا؟ قال أهل العلم: لا يحق له ذلك، ما دام أنه قد زرعه بما يريد، وكان عازمًا على فعله، فحينئذ لا يجبره على قلعه، لأن هذا من إتلاف المال بلا فائدة، فحينئذ يبقيه، ولا يجبره بقلعه. بخلاف لو كان يريد أن يزرع شيئًا آخر، هو مثلًا يريد أن يزرعها مثلًا عنبًا، وهذا الغاصب زرعها برًا، هنا له حق أن يأمره بقلع هذا الزرع. أما إذا وافق زرعه ما يريد صاحب الأرض، فحينئذ لا، فأيده من قلعه، بل يبقيه. ها، لمن الغاصب؟ ليس له شيء. لكن إذا أبقى هذا البناء، يرد له يعني خسارة ما استعمله في هذا البناء إذا رضي بإبقائه. وأما إذا أمره بهدمه، فيقلعه، ليس له شيء. قال: رابعًا: المغصوب إذا تغير أو قل أو رخص، ضمن الغاصب النقص. المغصوب إذا تغير أو قل، يعني نقص، أو رخص، يعني ثمنه بسبب استعماله، ضمن الغاصب النقص. مثلًا الأرض غصبها، هذه الأرض مثلًا قيمتها مليون، قيمتها مليون، فجاء هذا الغاصب واستعمل هذه الأرض، استعمل هذه الأرض مثلًا بنى فيها أو زرع، أو فعل شيء من ذلك، فصارت هذه الأرض مستعملة، فقل ثمنها، قل ثمنها مثلًا إلى ثمانمائة ألف، ثم ردها، فهنا الآن نقص ثمنها، فيتحمل الغاصب هذا النقص، نقول: أنت غصبت هذه الأرض واستعملتها، والآن قل ثمنها، فعليك قيمة هذا النقص، عليك قيمة هذا النقص، فنقص من ثمانمائة مثلًا مئتي ألف، فيتحمل الغاصب هذا النقص. قال: خامسًا: الاغتصاب قد يكون بالخصومة والأيمان الفاجرة. يعني كذلك قد يأخذ الإنسان أرض غيره أو مال غيره غصبًا عن طريق الأيمان الفاجرة، عن طريق الأيمان الفاجرة. مثلًا يسطو إنسان على أرض وهي ليست له، فيدعي أنها له، فيأتي مثلًا صاحب الأرض يخاصمه، يقول: هذه الأرض لي، ويقول هذا الغاصب: بل هي لي، فيأتي المدعي وصاحب الأرض إلى الحاكم، فيقول: هذه الأرض لي، ويقول الغاصب: بل هي لي، ماذا سيقول الحاكم؟ سيقول للمدعي: هات البينة، ويقول للمدعي عليه، وهو الغاصب: عليك اليمين. طيب، إذا كان صاحب الأرض، وهو المدعي ما عنده بينة، ما عنده بينة، ستكون اليمين في جهة من؟ في جهة المدعي عليه، هو الغاصب، فقد يحلف يمينًا فاجرة أنها له، وسيحكم القاضي بحسب الظاهر أنها له. فهل تحل له بذلك؟ الجواب: لا، ما تحل له، ولو أخذها على الحكم الظاهر، فحلف يمين أنها له، وقضي بأنها له، فلا تحل له، بل يأخذها ظلمًا وعدوانًا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بما ظهر، فمن قضيت له من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار». «فإنما أقطع له قطعة من النار». والمعنى: أن الحاكم يحكم حسب الظاهر، وقد يكون هذا المدعى عليه كاذبًا، وقد يكون المدعي صادقًا، وقد يكون العكس، قد يكون المدعي كاذبًا والمدعى عليه صادقًا. فلو قضى بحسب ما ظهر له، طالب المدعي بالبينة، فأتى ببينة، قضى بأنه له. إن لم يأت بالبينة، أمر المدعى عليه باليمين، فإن حلف، قضى بأنها له. فإذا قضى بأنها له، فلا يقول: أنا أخذتها بحكم القاضي، نقول: حكم القاضي لا يغير من حقيقة الأمر شيء، لا يغير من حقيقة الأمر شيء، فالحرام حرام، والظلم ظلم، والغصب غصب، إذا أخذتها بحكم القاضي، وهي لا تحل لك، وأنت تعلم أنها ليست لك، فإنها لا تحل لك، وتأخذها ظلمًا وعدوانًا. قال: سادسًا: جميع تصرفات الغاصب باطلة، إن لم يأذن بها المالك. لو غصب أرضًا فباعها، فالبيع باطل. أو أخذ بيتًا فأجره، فالإيجار كذلك لا يصح، إلا إذا أذن المالك، إذا أذن صاحب الأرض قال: أذنت بهذا البيع، صح. أو قال: أذنت بهذا الإيجار قبل ذلك، وإلا فالأصل أن تصرفات الغصب كلها باطلة، لأنه معتدي. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.