الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 64، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن ابن القيم أن الذنوب تمسخ القلب على صور حيوانات كالخنازير والكلاب والحمير، مستدلاً بتشبيه القرآن لأهل الجهل بالأنعام. وتزداد هذه المشابهة باطناً وظاهراً حتى قد ينقلب العبد إلى صورة ذلك الحيوان مسخاً تاماً كما حدث لليهود في السبت.
يتناول المقطع أنواع العقوبات القلبية كالنكس والختم والران، موضحاً أن المسخ قد يكون معنوياً فيتحول القلب إلى صورة قبيحة كالحمار في البلادة. كما يبين أن استدراج الله للعاصي بنعمه من صور الإهانة، وأن تراكم الذنوب يغطي القلب فيصير أسود مرباداً محجوباً عن ربه.
توضح كيف تحجب الذنوب العبد عن ربه فتجعله في معيشة ضنك وهمّ في الدنيا، وعذاب في القبر، وحجاب عن رؤية الله يوم القيامة. وتبيّن أن سكر حب الدنيا والرياسة أخطر من سكر الخمر، وأن السعادة الحقيقية لا تكون إلا بذكر الله وطاعته.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه الراحة والسعادة في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة، مع طلب عدم جعل الدنيا أكبر همٍّ ولا مبلغ علمٍ ولا مصيراً إلى النار. ويختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، وهكذا يقال ابن القيم أو ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. لا زال رحمه الله تعالى يذكر طرفاً من عقوبات الذنوب والمعاصي، وأنه ينبغي على المسلم أن يستحضر ذلك، وأن من وقع في هذه الذنوب والمعاصي يوشك أن تصيبه بعض هذه العقوبات. وسبق أن ذكر رحمه الله تعالى من هذه العقوبات: الختم على القلوب والأسماع، وهكذا الغشاوة على الأبصار، والإقفال على القلوب، وأن يجعل الله عليها الأكنة ﴿ أَكِنَّةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾، وهكذا الرين عليها، والطبع ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾، وهكذا ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾، وذكر تقليب الأفئدة والأبصار ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ﴾، وهكذا الحيلولة بين المرء وقلبه ﴿ أَن يَحُولَ اللَّهُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَقَلْبِهِ ﴾ ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾، وهكذا إغفال القلب عن ذكر الرب تبارك وتعالى، وهكذا إنساء ﴿ أَن يُنسِيَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ الْإِنسَانَ نَفْسَهُ ﴾، وهكذا ترك إرادة الله تطهير القلب ﴿ وَجَعَلُوا الصَّدْرَ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاء ﴾، وهكذا صرفها عن الحق بعد معرفتها ﴿ أَن تُصْرَفَ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ أَن تَعَرَّفَتْ عَلَيْهِ ﴾، وترك الرغبة في إرادته وزيادتها ﴿ مَرَضاً عَلَى مَرَضِهِمْ ﴾، وهكذا إركاساً ونكساً بحيث يصير أعلاها أسفلها. وذكر منها: التثبيط عن الطاعة والكسل عند إرادتها، فيُبتلى تجده ليس عنده همة ولا عزيمة في فعل الطاعات والإقبال على الأعمال الصالحات، وإنما دأبه وطبعه هو الكسل. وذكر منها: جعلوا القلب أصم لا يسمع الحق، وأبكم لا ينطق به، وأعمى لا يراه، وأعمى لا يراه. وهكذا أيضاً آخر ما تكلمنا عنه من هذه العقوبات، من هذه العقوبات القدرية التي سببها الذنوب والمعاصي، هو مسخ القلب، فيمسخ كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته وطبيعته. فمنها ما يمسخ على خلق الخنازير، ومنها ما يمسخ على خلق الكلاب، ومنها ما يمسخ على خلق الحمير، ومنها ما يمسخ على خلق الثعالب، ومنها على خلق الذئاب، وهكذا غيرها من هذه الحيوانات، من هذه الحيوانات. ثم ذكر رحمه الله تعالى ذكر تتمة لهذا الفصل في بيان هذه العقوبات، في بيان هذه العقوبات، قال: «وقد شبه الله تعالى أهل الجهل والغي بالحمر تارة». الحمر جمع ماذا؟ حمر. قال تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ﴾. حمر جمع ماذا يا أبا حذيفة؟ حمر جمع ماذا؟ ما مفرده؟ حمر. ما مفرده؟ حمر. نعم، حمار. آه، يجمع على حمر. ﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ﴾ أي شاردة مذعورة. ما لها؟ قال: ﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ﴾. ما معنى قسورة يا أبا طاهر؟ ﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ﴾. أسد. نعم، قسورة معنى أو اسم من أسماء الأسد. وهكذا قسورة في لغة العرب يأتي ويراد به الصياد، ويراد به الصياد. لما أحست بالخطر والصيد فإذا بها مذعورة. قال: «وقد شبه الله تعالى أهل الجهل والغي بالحمر تارة، وهكذا في قوله عز وجل: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾. ما معنى أسفارا؟ ما معنى أسفارا يا أبا الفاروق؟ ﴿ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾. وكما قيل: وعند الشيخ أسفار مجلدة، ولكن ما قرأها؟ أه؟ حجر. ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾. أحسنت. ها؟ لعله طيب. أحسنت. نعم يا خان علي. نعم، أسفارا أي كتباً، أي كتباً. قال: «وبالكلب تارة». فمثله ﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾. لو وضعنا الكلب في غرفة مكيفة، لا، ماذا؟ استمر يلهث. وهكذا إن أخذ في الجري والسعي أيضاً يلهث. قال: «وبالأنعام تارة». ﴿ فَأُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾. قال: «وتقوى هذه المشابهة» أي بين أهل الجهل والغي وبين هذه الحيوانات. «قال: وتقوى هذه المشابهة باطناً حتى تظهر في الصورة وفي الأعمال، حتى تظهر في الصورة وفي الأعمال الظاهرة ظهوراً خفياً يراه المتفرسون، وتظهر في الأعمال ظهوراً يراه كل أحد». والمتفرسون، والمتفرسون أي الملهمون، أي الملهمون. والفراسة هذا أمر يعطيه الله عز وجل لمن شاء من خلقه وعبيده. قال: «وتظهر في الأعمال» أي في أعمالهم ظهوراً يراه كل أحد. «قال: ولا يزال يقوى ويتزايد حتى يستتبع الصورة الظاهرة فتنقلب له الصورة بإذن الله». قال: «وهو المسخ التام». قال: «فيقلب الله سبحانه الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان كما فعل باليهود وأشباههم، كما فعل باليهود وأشباههم» أي أشباه اليهود. «ويفعل ذلك بقوم من هذه الأمة، يمسخهم قردة وخنازير». أين حصل المسخ لليهود؟ في أي موضع وفي أي قصة؟ نعم يا بلحسن. في قصة أصحاب السبت، جعلهم الله قردة خاسئين، قردة خاسئين. وهكذا يفعل بأقوام من هذه الأمة، يمسخهم ربنا عز وجل قردة وخنازير. ويدل على هذا ما جاء في صحيح البخاري رحمه الله تعالى من حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، قال: والله ما كذبني، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف». يستحلون أن يفعلوها على سبيل الاستحلال أنها حلال جائز. الحِرَ المقصود به الزنا، الفرج الحرام. قال: «والحرير» أي من الثياب، «والخمر والمعازف» والمعازف. قال: «ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم» يعني بسارحة لهم أي من الغنم والبهائم. «قال: يأتيهم» يعني الفقير، «يعني الفقير لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غداً». قال: «فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة». هذا مسخ تام، مسخ للصور. وهكذا أيضاً مسخ للقلوب. قال رحمه الله تعالى: «قال: فسبحان الله، ويا إخوان، لا يمسخ إلا إلى صورة قبيحة، ما يمسخ إلى شيء طيب، إلى شيء طيب، لا يمسخ إلى ناقة، لا، ولا يمسخ إلى بقرة، ولا إلى شاة، وإنما يمسخ إلى كل، إلى خنزير، إلى حمار». وفي حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله صورته صورة...» نعم، من يكمل؟ صورة حمار. لماذا صورة حمار؟ لبشاعتها، أو أن يجعل رأسه رأس حمار، رأس حمار. واختلف العلماء في هذا المسخ: هل هو حقيقي أو معنوي؟ فذهب بعض العلماء إلى أنه قد يقع في الدنيا، يحول رأسه إلى رأس حمار، واستدل بعضهم ببعض القصص التي وقعت لبعض الناس من مسخ رأسه وصورته إلى رأس حمار وصورته. وقيل: هذا يكون يوم القيامة. وقيل: المسخ معنوي، فماذا؟ فيكون عنده من الصفات ما عند الحمار. وبماذا يضرب المثل بالحمار؟ الحمار يضرب به المثل في ماذا يا خان سعيد؟ الحمار مشهور بإيش؟ بالشجاعة أو بالسرعة أو بالذكاء أو بشيء آخر؟ بالنهيق، صوته مرتفع. صح. ﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾. طيب، عاد في بعض الحيوانات قد تكون أعظم صوتاً منه؟ هل سمعت زئير الأسد؟ مخيف. نعم، عندك يا عبد الرحمن. الحمار يضرب به المثل في ماذا؟ بعض المعلمين لربما إذا رأى شيئاً من بعض الطلاب قال له: يا حمار. لا، ما يصلح هذا، نقص وضعف وخلل في التربية. نعم، بماذا يضرب المثل بالحمار؟ الأعمش، سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، أرسل ولده إلى السوق يأتيه بماذا؟ بحبل، وأعطاه المال، فذهب الولد في طريقه، تذكر، رجع، قال: كم طوله؟ قال: طوله كذا وكذا. فذهب ورجع مرة أخرى، قال: كم عرضه؟ قال: عرضه كعرض مصيبة فيك، كعرض مصيبة فيك. يعني بعض الناس ما يفهم مباشرة وإنما يحتاج إلى تكرار، ولهذا المثل يقول: التكرار يعلم من؟ يا بأي؟ من يعلم الحمار. أحسن، رجعنا إليك يا عبد الرحمن. الحمار مشهور بماذا؟ غير عاقل. طيب، أحسنت يا ب جعفر. غبي، بليد. نعم، يضرب به المثل في الغباء والبلادة، والبلادة. فماذا قال بعض العلم؟ المقصود بالمسخة هنا أنه يكون عنده من الطباع ما عند الحمير، وهي البلادة، فتجده يسابق الإمام مع علمه أنه لن يخرج من الصلاة إلا بعد أن يسلم الإمام، فما فائدة هذه المسابقة؟ قال رحمه الله تعالى: «قال: فسبحان الله، كم من قلب منكوس، كم من قلب منكوس، وصاحبه لا يشعر». ومنكوس يعني أعلاه أسفل، وأسفله أعلى. «وقلب ممسوخ، وقلب مخصوف به، وكم مفتون بثناء الناس عليه، ومغرور بستر الله عليه، ومستدرج بنعم الله عليه، نسأل الله العافية والسلامة». قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذه الأشياء هي الغالبة على أكثر الخلق وهم لا يشعرون». وهذه زيادة كما في بعض النسخ، ولا توجد في بعض آخر. قال: «قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ودقق النظر فيما قال». قال: «وهذه الأشياء هي الغالبة على أكثر الخلق وهم لا يشعرون». قال: «وكلها عقوبات وإهانة لأصحابها، ويظن الجاهل أنها كرامة أكرمه الله بها، وهي مكر به واستدراج، موت قلب، واستدراج، موت قلب». قال رحمه الله تعالى: «ومنها» أي من هذه العقوبات القدرية التي تصيب القلوب، «قال: ومنها مكر الله بالماكر، ومخادعته للمخادع، واستهزاؤه بالمستهزي، وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق». وهذه الصفات ماذا تسمى؟ نعم يا ب فواز. صفات مقابلة. الله عز وجل يمكر بالماكرين، وهكذا يخادع المخادعين، ويستهزئ بالمستهزئين، ويزيغ قلوب الزائغين. ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾. وهكذا ما سبق، وهكذا ما سبق. قال: «ومنها نكس القلب، وانقلاب الأشياء في حق، حتى يرى الباطل حقاً، والحق باطلاً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى، ويتبع هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه». وكل هذا من بعض عقوبات الذنوب الجارية على القلوب، الجارية على القلوب. قال: «ومنها حجاب القلب عن الرب في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾». الران الذي غطى هذه القلوب، وسبب دخول الران وزيادته وتغطيته للقلوب هي الفتن والذنوب. تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أنكرها نكت في قلبه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نكت في قلبه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفاء. ما هي الصفاء؟ كمثال صفوان. ما هي الصفاء؟ الحجر الأملس. أحسنت. قال: «حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفاء لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً» أي مقلوباً منكوساً، «لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه». وهذا يا إخوان هو الران الذي ذكره الله في قوله: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾. قال: «فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم فيصلوا إليها فيروا ما يصلحها ويزكيها، وما يفسدها ويعميها ويشقيها، ومنعتهم أن يقطعوا المسافة التي بين قلوبهم وبين ربهم فتصل القلوب إليه فتذوق حلاوة طاعته ومعرفته، وتفوز بقربه وكرامته، وتقر به عيناً، وتقر به عيناً، وتطيب به نفساً. بل كانت الذنوب حجاباً بينهم وبين قلوبهم، وحجاباً بينهم وبين ربهم وخالقهم». ولاحظ أخي العزيز أثر هذه الذنوب في الدنيا، تجعله بعيداً عما يرضي الله عز وجل، تجعل قلبه معرضاً منغلقاً على ما أمر الله عز وجل به. وفي الآخر يا إخوان، فتحجب الأعين عن النظر إلى الرب الكريم العظيم، فلا يرونه، فلا يرونه، ويحجب عنهم ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾، بينما أهل الإيمان يرون ربهم عز وجل في عرصات القيامة، وهكذا يرونه في الجنة، فلم يعطوا نعيمًا أعظم من النعيم الذي هو في لذة النظر إلى وجه الله العظيم. قال: «ومنها المعيشة الضنك في الدنيا، وفي البرزخ، والعذاب في الآخرة». المصيبة أو المعيشة الضنك، والمقصود بالضنك أي المعيشة التعيسة. وهكذا المعيشة غير الطيبة التي تقع لهؤلاء في الدنيا، وهكذا في البرزخ، أي في القبر، وهكذا العذاب الذي يكون في الآخرة. قال: قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾. وتمامها: قال: «رب لما حشرتني أعمى وقد كنت أي في الدنيا بصيراً، قال: كذلك آتتك آياتنا فنسيتها أي تركتها، وكذلك اليوم تنسى أي تترك، وكذلك نجزي من أعرض الآيات». قال: «وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآية تتناول ما هو أعم من عذاب القبر، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات، وأن نكر في سياق الإثبات تفيد العموم، كما هي القاعدة عند علماء الأصول وغيرهم». قال: «فإن عمومها من حيث المعنى، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك، المعيشة الضنك، على الإعراض عن ذكره، على الإعراض عن ذكره». قال رحمه الله تعالى: «قال: فالمعرض عن ذكر ربه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، كلما زاد الإعراض كلما زاد الضيق، وكلما زاد الضنك الذي يجده ويعيشه». قال: «وإن ت نعم في الدنيا بأصناف النعيم وأطايب العيش، ونال من الملذات والشهوات والأموال ما عساه أن ينال، ففي قلبه من الوحشة والذل والصغار والحسرات التي تقطع الأكباد والقلوب، والآمال الباطلة، والعذاب الحاضر ما فيه». قال: «وإنما يواريه عنه سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة». قال: «فإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، إذا انضم إلى سكر الشهوات والعشق وحب الدنيا والرئاسة، إذا انضم إلى ذلك السكر الذي يكون بشرب الخمر، كانت الطامة الكبرى». «ولكن سكر هذه الصور أعظم من سكر الخمر الذي يسكر بالشهوات، وهكذا يسكر بالدنيا وولاتها، هذا أعظم ممن يسكر بالخمر». لماذا يا إخوان؟ لماذا أعظم؟ ما هو السبب؟ نعم يا صالح. الذي يسكر خمر، كم يستغرق أثر الخمر؟ فترة مؤقتة، ساعات. قد يسكر في الليل فيفيق في الصباح، وقد يسكر في الصباح فيفيق في الليل. أما الذي يسكر بالدنيا، هذا قد لا يفيق إلا في القبر، قد لا يصح من سكرته إلا إذا عاين الملائكة قد حضروا، لماذا؟ لقبض روحه، لقبض روحه، وجاءت سكرة الموت بالحق، ﴿ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾، ذلك ما كنت منه تحيد، أي تهرب. فماذا؟ ﴿ إِلَى أَن قَالَ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾. البصر قوي، نافذ، رأى الأمور على حقيقتها، رأى الدنيا وحقارتها، بينما كان قبل ذلك سكران بها، سكران بها. قال: قال رحمه الله تعالى: «قال: ولكن سكر هذه الصور أعظم من سكر الخمر، فإن الخمر يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا والرياسة والفوقية» أي أن يكون عالٍ فوق الناس، «لا يصحو صاحبه إلا إذا صار صاحبه في عسكر الأموات». قال: «فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده، أي في اليوم الآخر». إذن في الدور الثلاث: في دار الدنيا، وفي دار البرزخ، وهكذا في الدار الآخرة. قال: «ولا تقر العيون، ولا تهدأ القلوب، ولا تطمئن النفوس إلا بذكر إلهها ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل». قال: «فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر تقر عينه بالله تقطعت نفسه عن الدنيا حسرات». وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. ولاحظوا يا إخوان أن السعادة الحقيقية في الدنيا والراحة في الدنيا ليست في كثرة الأموال، وليست في القصور والدور. يوجد من الأثرياء من عندهم الأواني من الذهب والفضة، عندهم حنفيات ذهب وفضة في الحمامات، عندهم السرر الثمينة، عندهم إلى غير ذلك، ومع هذا إلى يومهم هذا لا زالوا يبحثوا عن السعادة، لم يجدوا الراحة، ولم يشعروا بحقيقة السعادة. ولهذا وجد من وجد منهم منتحراً، وجد منهم من هو بين سبائك الذهب، وهكذا طبقات النقود، ماذا؟ منتحراً. ما وجد الراحة والسعادة. بينما قد يجدها بعض الفقراء من المؤمنين، ممن يعيش في خيمة، أو في عش، أو في تحت شجرة، لكنه يشعر بأنس بالله عز وجل، وهكذا راحة مع طاعته وعبادته لله تبارك وتعالى. فأسأل المولى عز وجل أن يرزقنا وإياكم أجمعين الراحة والسعادة في الدنيا، وفي البرزخ، وهكذا في يوم القيامة، ولا يجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. و نعم، آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.