الدرس في كتاب المعاملات 33، ألقاها
الصلح يعني التوفيق وقطع المنازعة، وهو مشروع بالإجماع وبأدلة من الكتاب والسنة. يُعد الصلح وسيلة لقطع الخصومات.
يتناول هذا الفصل الصلح بين الزوجين، ويشرح الآيات التي تحث على الإصلاح بينهما، والطرق الشرعية للتأديب والتذكير للزوجة الناشز. يُوضح أهمية التحكيم بينهما.
يشرح هذا الفصل أنواع الصلح الأربعة في الإسلام، ويقدم أمثلة من القرآن والسنة لتوضيح جواز كل نوع وأهميته، مثل الصلح بين الزوجين والصلح بين المتحاربين.
يتناول هذا الفصل تعريف الصلح في المال، ويشرح تطبيقاته بين الأفراد المختلفين، مشيراً إلى أنه محور البحث في هذا السياق.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- الباب السادس عشر في الصلح، وفيه مسائل. المسألة الأولى: معناه وأدلة مشروعيته. قال: معناه الصلح في اللغة التوفيق، أي قطع المنازعة. وغالبًا أن الصلح يكون بين شخصين فأكثر، فمعنى الصلح أن توفق بينهما وتحرص على إزالة الشقاق الذي بينهما والنزاع الذي بينهما. قالوا: في الشرع هو العقد الذي تنقطع به خصومة المتخاصمين. فالصلح عقد بين اثنين أو أكثر، أو بين طائفتين، يحصل بينهما خصومة ونزاع في أمر من الأمور، فيعقد بينهما عقدًا تكون فيه شيء من الشروط أو البنود الذي يتفق عليها الطرفان. فإذا حصلت الموافقة من كلا الطرفين، رفعت هذه الخصومة وانقطعت بما يتفق عليه فيه من بنود الصلح. قال: أدلة مشروعيته قد دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، والله عز وجل يخبر بأن الصلح خير من النزاع والشقاق والخلاف والتفرق، وكونه خيرًا إذن هو مما يحبه الله. قال: وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فأمر الله جل وعلا بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين، ولو كان اثنين حصل بينهما قتال، فأصلحت بينهما، أو يجب الإصلاح بينهما. بقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وأيضًا إن كانوا أكثر بين جماعتين أو قبيلتين، فإنه يصلح بينهما. وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فالله عز وجل يخبر أنه لا خير في كثير من نجواهم، أي من نجوى الناس، وأصل النجوة ما يتكلم به الإثنان دون الثالث، أو دون غيرهم من الناس، فأخبر الله أنه لا خير في كثير من نجوى الناس بعضهم لبعض مما يتكلمون به، إلا من أمر بصدقة أو معروف، أي أمر بمعروف أو فعل معروفًا أو حث على معروف، أو إصلاح بين الناس، ما كان من كلامهم في الإصلاح بين الناس، فهذا من أعظم الخير. ثم أخبر الله جل وعلا: من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، يريد ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، ونيل رضا الله جل وعلا، فإن الله توعده، أوعد بالأجر والثواب، فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا، وهذا دل على الحث والترغيب على الإصلاح بين الناس. قالوا: من السنة، قوله صلى الله عليه وسلم: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا»، رواه أبو داود والترمذي، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بالإصلاح بين الناس، وهذا كثير في السنة، يصلح النبي عليه الصلاة والسلام بين المتخاصمين، ذهب إلى بني عمر بن عوف وأصلح بينهم، وهكذا في كثير من الوقائع يحصل شيء من النزاع بين الصحابة رضي الله عنهم، فيصلح بينهم عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا من فعل الخير. فإذا كان الإنسان عنده وجاهة واحترام بين الناس، فيأتي الناس إليه ليصلح بينهم، هذا من الخير الذي ينبغي أن يسعى فيه، وأن يحرص على جمع الكلمة وإصلاح ذات البين. قال: وقد أجمعت الأمة على مشروعية الصلح بين الناس بقصد رضا الله، ثم رضا المتخاصمين. والأصل أن يريد بهذا الإصلاح رضا الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا مما أمر الله به، فهو يفعل ذلك ابتغاء الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك إرضاء المتخاصمين، حتى يرتفع النزاع والخصام الذي بينهم، ويحصل بذلك الخير من اجتماع الكلمة وتآلف القلوب وحصول المودة والمحبة، ولا شك أن هذا أمر مطلوب جاءت به الشريعة وحثت عليه ورغبت فيه بكثير من الأحاديث. المسألة الثانية: في أنواع الصلح العامة. قال: الصلح بين الناس على أنواع، الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، أو خافت إعراضه، أي ترفعه عنها وعدم رغبته فيها. قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. فمن أنواع الصلح الصلح بين الزوجين، فالعشرة بين الزوجين ربما يحصل فيها شيء من الخلل، فيحصل النزاع بين الزوج وبين زوجته. فإذا حصل ذلك، فكانت مثلًا الزوجة ظهر منها شيء من النشوز والترفع على زوجها، هذا إذا لم يكن هناك تقصير من جهة الزوج، فترفعت الزوجة على زوجها، فلا تطيعه ولا تسمع له، فهنا أمر الشرع بالزوج بأن يتدرج مع زوجته في تأديبها وتذكيرها. قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾، أمره الله جل وعلا باستعمال هذه الطرق في تأديبها وتذكيرها، أولًا يعظها ويذكرها بأن فعل هذا معصية، لا يجوز أن تترفع على زوجها، وأن لا تسمع له أو لا تطيعه فيعظها ويذكرها أنه يجب عليها طاعة والاستماع له والتواضع له. لم تنفع الموعظة، إذا لم تنفع الموعظة انتقل معها إلى الهجر، فيهجرها في المضجع، يهجرها في المضجع، إما مثلًا أن ينام معها فيعطيها ظهره، أو ينام في فراش آخر في نفس الغرفة، المهم أنه يهجرها فلا يضاجعها. فإن لم ينفع ذلك انتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي الضرب، والمراد بالضرب يعني الضرب الخفيف، ليس ضرب تعذيب، يأخذ له صوت ويجلدها أو يكسر عظامها. يفعل معها مصارعة وملاكمة، لا. المراد بالضرب كما قال يعني ابن عباس وغيره من السلف: يضربها بالمسواك أو بالعمامة ونحو ذلك من الضرب الخفيف الذي يحصل لها شيء من الزجر. وكذلك أيضًا لا يجرحها، لا يكسر عظمًا ولا يهشم لحمًا. فإن لم ينفع الضرب، أخذ وسلك مع هذه المسالك الثلاثة في محاولة إرجاعها إلى رشدها، فلم ينفع، تأتي هذه المرحلة الرابعة، وهي مرحلة أن يأتي كل واحد بحكم من أهله، فيجلسان ويتحاكمان وينظران في هذا الأمر. قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، ينظروا في هذا الأمر ما هو السبب، يقاربوا ويسدوا ويحاولوا الإصلاح قدر المستطاع. فإن لم يمكن بعد ذلك، يكن يعني الحكم الذي يرى أصلح في الفراق ونحوه. الشاهد أن الله عز وجل أمر بالإصلاح بين الزوجين، قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، يعني كان كل منهما يقصد الإصلاح ويريد الإصلاح، سيحصل التوفيق، يوفق الله جل وعلا يسدد بينهما. وهكذا أيضًا إذا خافت المرأة إعراض زوجها عنها، يعني عكس أن يكون الزوج عنده شيء من النشوز والترفع على زوجته وعدم الرغبة فيها، فتشعر المرأة بذلك، تشعر أن زوجها لا يرغب فيها، فهنا ممكن أن المرأة تصلح أمرها مع زوجها، فتتنازل عن شيء من حقوقها حتى يبقيها معه. قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، وهذا الصلح بتنازل المرأة عن بعض حقوقها حتى يبقيها الزوج، كما دل على ذلك سبب نزول هذه الآية، أن سودة بنت زمعة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، لما خافت أن النبي صلى الله عليه وسلم يفارقها، تنازلت عن ليلتها لعائشة، تنازلت عن ليلتها لعائشة حتى تبقى مع النبي عليه الصلاة والسلام. فدل هذا على جواز مثل ذلك، أن تتنازل المرأة عن بعض حقوقها حتى تبقى مع زوجها، إذا رأت منه النشوز والترفع وعدم الرغبة والإعراض عنها، فتتنازل عن شيء من حقوقها حتى يعني يبقيها، وخاصة إذا كانت محتاجة للبقاء معه، فلا بأس، هذا جائز أن تتنازل عن شيء من حقوقها وتبقى معه. قال ثانيًا: الصلح بين الطائفتين المتقاتلتين من المسلمين. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، هذا أيضًا نوع من أنواع الصلح، أن يقع بين طائفتين قتال، سواء كان اثنين أو أكثر تقاتل، فتأتي تصلح بينهما، تنظر ما هو السبب للقتال وما هو الداعي لذلك، ولو أدى ذلك أن تنفق شيء من المال لأجل الإصلاح، بل ربما كذلك يتحمل المصلح بعض الديات إذا كان القتال مثلًا بين يعني قبيلتين، فقتلت إحداهما رجلًا من القبيلة الأخرى، فيأتي يصلح ويتحمل مثلًا دية هذا المقتول حتى يصلح بينهما ويؤلف بينهما، فمثل هذا يعني أمر مطلوب. ثم بعد ذلك يرجع إلى بيت المال ويسأل عما دفع لإصلاح بين هاتين الطائفتين. فالمقصود أن هذا أيضًا نوع من أنواع الصلح، الصلح بين الطائفتين المقتتلتين، حتى يرفع عنهم القتال وتسلم الدماء. قال ثالثًا: الصلح بين المسلمين والكفار المتحاربين، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية، صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين عشر سنين على ترك القتال، وكان من بنود هذا الصلح أن من جاء من المسلمين من مكة إلى المدينة فإنه يرد إلى أهل مكة، ومن ذهب من أهل المدينة إلى مكة فإنه لا يرد. فكان في بعض بنود هذا الصلح شيء يعني من الغضاضة على أهل الإسلام في الظاهر، إلا أن الله جل وعلا جعل هذا الصلح ماذا فتحًا للمسلمين. فالشاهد النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم مع أنهم كفار ومحاربين، وهكذا صالح اليهود لما أتى المدينة، صالح من فيها من اليهود، بني قينقاع وبني النضير، هذا أيضًا من الصلح بين المسلمين والكفار، إذن هذا جائز أن يصالح المسلمون الكفار، وليس بهذا يعني وقوع المسلم في الكفر أو في التنازل عن الإسلام كما قد يظن البعض. قال رابعًا: الصلح بين المتخاصمين في غير المال، ربما يتخاصم بسبب كلام بينه وبين شخص فيحنق أحدهم على الآخر ويتخاصمان، فتأتي أن تصلح بينهما، تنظر إلى هذا ما عنده وإلى الآخر ما السبب في المخاصمة، فتقارب بينهما وتسدد، فهذا صلح بين المتخاصمين في غير المال لسبب كلام أو سوء ظن أو سوء تصرف أو نحو ذلك من الأمور، هذا أيضًا من أنواع الصلح. قال خامسًا: الصلح بين المتخاصمين في المال، وهو المقصود في بحثنا، إذا حصل خصام بين اثنين أو أكثر على المال، على أرض أو أموال من الدراهم والدنانير أو عين معينة من الأمتعة، فتأتي وتصلح بينهما، فالمراد في الكلام على الصلح في هذا الموضع هو ما كان من الصلح بين المتخاصمين في الأموال. الآن إن شاء الله نقف هنا، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.