الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 2، ألقاها
يجب على المسلم تدوين حقوقه وواجباته في وصية، ويستحب الوصية بجزء من المال للبر والخير. يجوز الوصية بالثلث أو أقل، ولا يجوز تجاوز الثلث إذا كان هناك ورثة.
الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز إذا كان للميت ورثة، وتصح إذا لم يكن له ورثة. يجب سداد الديون وتنفيذ الواجبات الشرعية قبل تنفيذ الوصية.
يتم ترتيب الحقوق على تركة الميت بدءًا بمؤن التجهيز، ثم سداد الديون، ثم تنفيذ الوصية من الثلث المتبقي، وأخيرًا توزيع الميراث. الديون والواجبات الشرعية مقدمة على الوصية.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وهذه الصلاة تعتبر من الأعمال الصالحة التي يحبها الله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: وقال الله: المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها، أي بالوصية. قال: ويتعلق بالوصية الأحكام الآتية: أولا: يجب على المسلم أن يدون ما له وما عليه من الحقوق في وصية يبين فيها ذلك، لحديث ابن عمر السابق، أي قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه». فإذا كان للموصي حقوق للناس عنده، وخاصة إذا لم يكن لها بينة، فحينئذ يجب عليه أن يكتب الوصية، يكتب وصية يبين بها ما للناس من حقوق وأموال حتى لا تضيع، وكذلك أيضا تذهب وتبقى في رقبته وفي ذمته. وأما إذا لم يكن للناس حقوق عنده، ففي هذه الحال لا يجب عليه أن يكتب وصية، ولكن يستحب. قال: ثانيا: تستحب الوصية بشيء من المال يصرف في طرق البر والخير والإحسان، ليصل إليه ثوابه بعد موته. فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم». والحديث مر معنا في درس الماضي، أنه رواه البيهقي، وكذلك أيضا الدار قطني، وهو حديث صحيح. أو التبراني، هو حديث صحيح. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله عز وجل تصدق علينا بثلث أموالنا عند وفاتنا، يعني عند الموت أو بعد الموت. فالوصية تكتب قبل الموت أو عند مرض الموت، فيتصرف الإنسان بشيء من ماله قدر الثلث، قدر الثلث. وهذا التصرف مما ينتفع به الموصي، مما ينتفع به الموصي لهذا قال: «زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم». فهو إذا تصرف هذا الثلث، أوصى بشيء من ماله في طرق الخير والبر، فإنه مما ينتفع به بعد موته. وهذا كما سمعنا مما يستحب إذا كان الإنسان عنده مال. قال: ثالثا: جواز الوصية بالثلث فأقل. يعني أقل من الثلث. أما جواز الثلث فلحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر، يعني النصف. قال: لا. قلت: فبالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير. وأما استحباب أقل من الثلث، فلقول ابن عباس رضي الله عنه: ما لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير». والحديث في الصحيحين، وأثر ابن عباس كذلك في الصحيحين. إذن دل هذا على أن الوصية تكون بالثلث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز لسعد بن أبي وقاص أن يتصدق إلا بالثلث، ومع ذلك قال: «الثلث، والثلث كثير». مع ذلك فهو جائز. إذن الحد أو أقصى حد يجوز للموصي أن يوصي فيه هو قدر الثلث، ولا يزيد على ذلك. لا يجوز له أن يوصي بأكثر من الثلث. والأفضل أن يوصي بأقل من ذلك، بأقل من الثلث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير». ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم السبب في ذلك، قال: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرا من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». يعني أنت الآن إذا مت ربما تضر الورثة، قد يكون عندك أبناء وعندك أولاد، فيحتاجون إلى نفقة وإلى أموال في أمور حياتهم. فكونك تترك لهم شيئا من المال الذي ينتفعون به ويستغنون به عما في أيدي الناس، هذا أفضل من أن تنقص عليهم فيحتاجون إلى ما في أيدي الناس. هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الثلث، والثلث كثير». فإذا أردت أن تتصدق بشيء تنتفع به، فالأفضل أن يكون أقل من الثلث، وأن تترك للورثة الأكثر. وعم عباس رضي الله تعالى عنه مفهم هذا المعنى، فلهذا قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، يعني لو أنهم أوصوا بدل الثلث بالربع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير». ومع ذلك فهو جائز، يجوز أن يوصي بالثلث. قال: رابعا: أن الوصية لا تصح بأكثر من ثلث ما يملك لمن له وارث، لحديث سعد بن أبي وقاص المتقدم، إلا إذا أجاز الورثة ذلك. أما إذا لم يكن له وارث، تصح بالمال كله. الوصية بأكثر من الثلث لا يجوز، الأصل في ذلك أنه محرم. لا يجوز للمرء إذا كان عنده ورثة أن يوصي بأكثر من الثلث، لا يجوز له ذلك. هذا الفعل منه يعتبر أمرا محرما، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير». ما أجاز له أن يوصي بأكثر من ذلك. وقد أراد أن يوصي بثلثي ماله، فقال: لا. قال: فالشطر، النصف. قال: لا. أنه سلم نهيه عن ذلك. والأصل في النهي أنه للتحريم. إذن يحرم الوصية بأكثر من الثلث. فإذا فعل ذلك، أنه أوصى بأكثر من الثلث، فإن الوصية ينفذ منها الثلث، ينفذ منها الثلث. وما زاد على الثلث فإنه يوقف على إجازة الورثة، يوقف على إجازة الورثة، لأن ما زاد منها فهو حق للورثة. إذا أجازوا وتنازلوا عن حقهم، فلهم ذلك. وإن لم يجيزوا، فلهم ذلك، فلا ينفذ من الوصية إلا قدر الثلث فقط. قال: خامسا: لا تصح الوصية لأحد من الورثة، لما روى أبو أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». والحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وصححه علام الألباني رحمه الله. إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، يعني من الورثة قد أعطى الله عز وجل كل وارث نصيبه من الإرث، فلا وصية لوارث، يعني لا يجوز أن يوصي الإنسان لوارث، وقد يرثه. فلماذا يوصي له؟ فالوصية له معنى أنه سيأخذ زيادة على ما فرض الله له، وهذا فيه تعد على حدود الله سبحانه وتعالى. فلهذا لا يجوز أن يوصى له بأكثر من ذلك، أو أن يوصي لوارث، لأنه كما سمعنا سيرث ما قد كتبه الله سبحانه وتعالى له. قال: سادسا: تحرم الوصية بأمر فيه معصية، لأنها شرعت لزيادة حسنات الموصي، كما مضى في حديث أبي الدرداء. تحرم الوصية بأمر فيه معصية، كان يوصي مثلا إلى بعض المغنين أو الفنانين مثلا بشيء من المال، هذا أمر فيه معصية. أو يوصي إلى قبر من القبور أو زيارة من الزيارات الشركية والبدعية، هذا أمر فيه معصية. لا يجوز أن تنفذ هذه الوصية. وهكذا كل ما كان في هذا المعنى مما فيه معصية ومخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يجوز الوصية بذلك، ولا يجوز كذلك تنفيذها. لا ينفذها الورثة، بل يصرفونها في شيء من أمور الخير والبر التي ينتفع بها الميت. قال: سابعا: أن الدين والواجبات الشرعية كالزكاة والحج والكفارات مقدمة على الوصية، لقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وقال علي رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية. يقول: أن الدين والواجبات الشرعية كالزكاة والحج والكفارات مقدمة على الوصية، يعني إذا كان على الميت دين، فإننا أولا نسدد دينه الذي عليه، نسدد دينه الذي عليه، سواء كان للآدميين أو كان هذا الدين لله، قبل أن ننفذ الوصية. والتركة إذا مات الإنسان وخلف تركة، فإنه يتعلق بها خمسة حقوق. الحق الأول: مؤن التجهيز، مؤن تجهيز الميت، تغسيله وتكفينه وحفر قبره، كل هذا يخرج من تركة الميت. كل هذه الأمور تأخذ من تركة الميت قبل قسمة التركة. ثم بعد ذلك النظر في الديون، النظر في الديون. فإذا كان عنده دين موثق برهن، فإنه يقدم ويسدد هذا الدين. ثم ينظر في الديون المرسلة المطلقة التي ليس فيها توثقة، فإنها كذلك تسدد للناس وتعطى للناس حقوقهم قبل قسمة التركة. ثم بعد ذلك تنفذ الوصية، بعد أن نسدد الديون التي كما هي سمعنا للآدميين، وكذلك الديون التي هي لله من كفارات والزكاة ونحوها. ثم بعد ذلك تنفذ الوصية فيما بقي، فيما بقي يخرج منها الثلث. ما بقي من المال بعد سداد الديون وغيرها من الحقوق يخرج منها قدر الثلث. ثم بعد ذلك ما بقي فللورثة، وهو الحق الخامس: الإرث. إذن الدين والواجبات الشرعية مقدمة على الوصية. وقوله: والواجبات الشرعية كالزكاة، يعني إذا مات وعنده زكاة في مال لم يزك ماله، فإننا نخرج الزكاة أولا قبل إخراج الوصية، نخرج ما عليه من الزكاة، ثم بعد ذلك الوصية. وهكذا أيضا الحج، إذا مات ولم يحج، فإننا نحج عنه بماله قبل أن تخرج الوصية. لكن هل هذا على إطلاقه؟ الصحيح أن هذا إذا حصل منه التفريط، إذا حصل منه التفريط، يعني يقول: أنا سأحج هذه السنة، إن شاء الله السنة التي بعدها، هو مستطيع، فحصل منه شيء من التفريط، فهذا يحج عنه، لأنه الحج يبقى ماذا في ذمته، وهو واجب عليه قد استطاع، فهذا يحج عنه. أما إذا لم يفكر في الحج ولم يبالي به، وما عنده رغبة به، فمثل هذا لا يحج عنه، مثل هذا لا يحج عنه. وكذلك وهكذا أيضا الزكاة، كذلك إذا تركها تفريطا وبخلا، فتخرج عنه. وأما إن تركها لعدم رغبة ونحو ذلك، فهذا لا يزكى عنه، ويترك أمره إلى الله سبحانه وتعالى. قال: مقدم على الوصية لقوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وهنا في الآية قدم الله عز وجل الوصية على الدين، قال: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، يعني تكون أخذ الورثة للمال من بعد وصية أوصى بها الميت، فتنفذ هذه الوصية أو دين. ونحن قلنا الآن أن الدين مقدم على الوصية، فكيف قدم الله عز وجل الوصية على الدين؟ قال أهل العلم: قدم الله عز وجل الوصية على الدين لأجل الاعتناء بها، لأجل الاعتناء بالوصية، وذلك أن الوصية في الغالب قد لا يعلم الموصى له أن هذا أن فلان أوصى له، ما يدري أنه أوصى له، فكيف سيأتي طالبا بالوصية؟ هو ما يدري بما له من حق. بخلاف الدين، فإن صاحب الدين سيأتي يطالب، وربما يكون عنده وثيقة وعنده يعني ما يبين أن له حق عند فلان أو شهود أو نحو ذلك، فيستطيع أن يطالب بها، فلا يضيع حقه. بخلاف الوصية، ربما يضيع حق الموصى له، إذا كتم الورثة أو سكتوا أو ربما تقاعسوا عن تنفيذ الوصية، أضاع الحق لهذا الموصى له. فلذلك قدم الله عز وجل ذكر الوصية على الدين. وقول علي رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية، هذا أيضا يؤكد هذا المعنى. وهذا الأثر ذكره الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه تعليقا بصيغة التمريض، ووصله الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة، وضعفه الحافظ ابن حجر رحمه الله، وأشار إلى أن العمل عليه عند أهل العلم، كما قال الإمام الترمذي رحمه الله. وبعض أهل العلم يحسنه، كالشيخ الألباني رحمه الله يحسن هذا الأثر، والعمل عليه كما قال الإمام الترمذي رحمه الله: أن الدين قبل الوصية. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.