الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 3، ألقاها
يشترط في الموصي أن يكون جائز التصرف، عاقلا، بالغا، حرا، ومختارا. يحرم أن يوصي لجهة معصية وتكون وصيته باطلة.
الوصية لا تستحب للغني، وتحرم إذا قصد الموصي الإضرار بالورثة. تصح الوصية بعد موت الموصي إذا كانت لمعين، ويجوز الرجوع فيها.
تصح الوصية لكل من يصح تمليكه، ولا تصح للمرتد والعبد. يجوز الوصية بأشياء لا يجوز بيعها لعدم وجود غرر أو خسارة.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلفه - الله في ذكره للأحكام المتعلقة بالوصية -: الثامن: يشترط في الموصي أن يكون جائز التصرف في ماله، فيكون عاقلا، بالغا، حرا، مختارا. أن يكون الموصي ممن يجوز تصرفه، كما مر معنا في الأبواب التي مضت في باب المعاملات؛ كثير من المعاملات موقوفة بكون صاحبها ممن يجوز تصرفه، بأن يكون عاقلا، بالغا، حرا، رشيدا. فإن كان الموصي مجنونا لم يصح هذا تصرف منه، لم تصح وصيته، أو كان صغيرا غير بالغ، فكذلك، أو كان عبدا مملوكا، وكذلك لا تصح وصيته؛ لأن العبد لا يملك شيئا، ما يملكه فهو لسيده، فلابد أن يكون حرا، وأن يكون مختارا، فيخرج بذلك ما إذا كان مكرها. لو أكره على كتابة الوصية، فإنها لا تصح. قيل: الله، أكتب وصية لفلان بكذا وكذا، والسلاح فوق رأسه، فكتبها وهو مكره، فهل تصح؟ الجواب: لا تصح؛ لأنه كتبها مكرها، غير مختار. والأصل في أموال المسلم الحرمة، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، فلابد أن يكون مختارا. قال: التاسع: يحرم أن يوصي لجهة معصية، كأن يوصي لمعابد الكفار، أو لشراء آلات له، أو نحو ذلك، وتكون وصية باطلة. يحرم أن يوصي لجهة معصية؛ يعني لجهة معصية لله سبحانه وتعالى، مثل وصية لمعابد الكفار، يوصي لكنيسة من الكنائس، هذا لا يجوز. يقول الله: هؤلاء النصارى متعبون عندهم عبادة وعندهم يعني جهد في دينهم، فنحن نعينهم ونوصي لهم بشيء من المال، هذا لا يجوز، هذا من التعاون على الإثم والعدوان، فلا يجوز مثل ذلك. أو كذلك مثل ذلك: الوصية لعباد القبور الذين يعبدون هذه القبور من دون الله جل وعلا، فيدعونها ويستغيثون بها ويتمسحون بها ويدعونها من دون الله، فيوصي لهم بشيء من المال، هذا لا يجوز، هذا من الإعانة على ما هم فيه من الباطل والشرك. أو كذلك أيضا: زيارات التي تقام للقبور، فيوصي لهم بشيء من المال، هذا لا يجوز. أو كذلك أيضا: بعض البدع كالموالد، يوصي أن مثلا ماله الفلاني للمولد الفلاني أو للموالد في المسجد الفلاني، هذا لا يجوز. وهكذا أيضا: لو أوصى لشراء بعض الأشياء المحرمة كآلات اللهو والطرب وغناء، هذا لا يجوز أيضا؛ لأن هذا جهة معصية. أو يوصي لبعض المغنين بشيء من المال، هذا أيضا لا يجوز؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان. وإذا أوصى بشيء من ذلك، فالوصية باطلة. ثم إذا أراد الورثة أن يحولوها إلى شيء ينتفع به، فعلوا ذلك إلى جهة يعني مشروعة فيها طاعة وعبادة وقرب إلى الله، فعلوا ذلك. قال: عاشرا: تستحب الوصية لمن له مال كثير، ووارثه غير محتاج، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَةُ﴾، والخير هو المال الكثير. فسره بهذا جمع من السلف، فسروا قوله جل وعلا: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ أنه المال الكثير. والمراد به المال الكثير في العرف؛ أن هذا المال كثير، بحيث أنه لا يضر بالورثة إذا أوصى، فهذا يوصي. هذا إذا كان ماله كثيرا، فيستحب له أن يوصي. وكذلك أيضا: إذا كان الوارث غير محتاج. أما إذا كان الوارث محتاجا، وإن كان المال كثيرا، فالأولى أن يتركه للورثة. قال: «وَتُكْرَهُ لِمَنْ مَالُهُ قَلِيلٌ وَوَارِثُهُ مُحْتَاجٌ»، بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». قال: وكثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يوصوا؛ لأن الغالب أو كثير منهم كانوا فقراء، فلم يوصوا. فدل هذا على أن من كان فقيرا ولم يكن غنيا، فإنه لا تستحب الوصية في حقه، ويترك المال للورثة حتى يستغنوا به، ولا يتكففون الناس، ويسألون الناس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لشعد بن وقاص رضي الله تعالى عنه: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». ولأن الورثة تتعلق نفوسهم بهذا المال، فأنت تذهب تصرفه في يعني أبواب أخرى، وهم محتاجون له، فلا شك الأولى أن تبقيه لهم حتى ينتفع به، ويسد حاجتهم. قال: الحادي عشر: تحرم الوصية إذا كان قصد الموصي المضارة بالورثة، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍ﴾، من بعد وصية يوصى بها أو دين، غير مضار؛ أي: ليس فيها شيء من المضارة والإضرار بالورثة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار». فإذا قصد المضارة بالورثة، والحيف بهم، والإجحاف بهم، فحينئذ يحرم عليه هذا الفعل. إذا أراد أن يحرم أن يحرم بعض الورثة من الإرث، أو ينقصهم، أو شيء من ذلك، فهذا لا يجوز، ولا يثاب بذلك. إلا إذا كان أوصى من غير إضرار بهم، فلا بأس. والإضرار بالورثة، قال ابن عباس: من الكبائر، كما رواه النسائي رحمه الله في الكبرى. قال: الثاني عشر: لا يصح قبول الوصية، ولا ملكها إلا بعد موت الموصي؛ لأن ذلك وقت ثبوت حقه. هذا إذا كانت الوصية لمعين. أما إن كانت غير معين، كالفقراء والمساكين، أو على طلبة العلم، أو المساجد ودور الأيتام، فإنها لا تحتاج إلى قبول، وتلزم بمجرد الموت. يقول: لا تصح، لا يصح قبول الوصية، ولا ملكها إلا بعد موت الموصي؛ لماذا؟ لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت. إلا بعد الموت، فإذا مات الموصي، هنا صار الموصى له له حق في هذه الوصية، وامتلاك ما أوصى به. وأما في حال حياته، فإنه لا يمتلك ذلك. الموصى له في حال حياة الموصي لا يستحق ما أوصى به له. قال: هذا إذا كانت الوصية لمعين؛ يعني لشخص معين، أن يوصي لفلان من فلان، فإنه لا يصح قبوله لهذه الوصية، وامتلاكها إلا بعد موت الموصي. أما إن كانت لغير معين، بأن كانت الوصية لجهة؛ لفقراء، أو لمساكين، أو لطلبة علم، أو لأبناء سبيل، أو دور أيتام، أو كانت الوصية لمساجد، فهذه لا تحتاج إلى قبول، وإنما تلزم بمجرد الموت. إذا مات الموصي، فلزمت، لزم إعطاء أو صرف هذه الوصية لهذه الجهة التي أوصى لها. قال: ثالثا: يجوز للموصي أن يرجع في وصيته، أو بعضها، وله نقضها. قال عمر رضي الله عنه: «يغير الرجل ما شاء من وصيته». وهذا الأثر رواه البيهقي، وجاء نحوه عند عبد الرزاق في مصنفه، من قول عطاء، وطاوس، وأبي الشعثاء. يجوز للموصي أن يرجع في وصيته، أو بعضها؛ لماذا؟ لأنه تبرع. هو الوصية عبارة عن تبرع معلق بعد الموت، فهو في حال حياته له يتصرف في هذا المال، فله يرجع أن يرجع في هذه الوصية، سواء في كلها أو في بعضها. يعني مثلا: لو أوصى لشخص مثلا بخمسين نخلة مما يملكها، ثم رجع، وقال: أنا رجعت عن هذه الوصية، وأوصيته بخمسين وعشرين، له ذلك. أو رجع عنها كلها، قال: أنا رجعت عن هذه الوصية التي أوصيت بها لفلان، فله ذلك. وسواء كان الرجوع بالقول، أو كان بالفعل. الرجوع بالقول ظاهر، أن يقول: أنا رجعت عن الوصية لفلان. وبالفعل: أن يتصرف فيما أوصى به، مثلا: أوصى بأرض لفلان، ثم باع هذه الأرض بعد الوصية، فهذا الرجوع، هذا الرجوع عن الوصية بالفعل، وله ذلك، يجوز. قال: الرابع عشر: تصح الوصية لكل شخص يصح تمليكه، سواء كان مسلما أم كافرا، قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا﴾. تصح الوصية لكل شخص يصح تمليكه؛ يعني كل من يصح أن يتملك المال، فيصح أن يوصي له. يصح أن يوصي له، فإذا كان لا يصح تمليكه، فإنه لا يصح أن يوصي له؛ كالعبد، العبد لا يمكن أن يملك؛ لأن كل ما يصل له من المال، فهو لسيده. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باء عبدا له مال، فماله للذي باعه»؛ يعني السيد. إذا العبد لا يملك شيئا، فإذا كان كذلك، فإنه لا يصح أن يوصى له. وهكذا أيضا المرتد، كما ذكر بعض أهل العلم: أن المرتد كذلك لا يجوز أن يوصى له؛ لأن المرتد لا يملك شيئا، ويجب إذا وقع في الردة أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. بخلاف الكافر الأصلي، الكافر الأصلي يجوز أن يوصى له. ولهذا قال: سواء كان مسلما أم كافرا. وهذا إذا كان لا يستعين بهذا المال في محاربة الإسلام ومضارتهم، إنما أراد بذلك الإحسان إليه؛ كابن مثلا يوصي لأبيه، أبوه كافر، والابن عنده أموال، هو يعلم أن أباه لا يرثه، فأراد من باب الإحسان أن يوصي له بشيء من ماله، فلا بأس. وهكذا من باب أولى: وصية الكافر للمسلم، وصية الكافر للمسلم، فإنه يجوز الكافر أن يوصي لقريبه المسلم بشيء من ما عنده من المال. وهذا أيضا مخرج يستفيد منه المسلم في التحصل على شيء من المال من قريبه الذي لا يستطيع أن يرثه بسبب الكفر. قد يكون مثلا: الابن مسلم، والأب كافر، والأب عنده أموال كثيرة، والمسلم لا شك أنه لن يرثه؛ لأنه مسلم، وهذا كافر، ولا يرث المسلم الكافر، فما هو الحل؟ يوصي له. يوصي هذا الأب لابنه المسلم بشيء من الأموال التي عنده، حتى ينتفع بها. ولو أوصى له بكل ماله، إذا لم يكن له وارث، فإنه يجوز أن يوصي له بماله كله، فبهذا ينتفع الابن بشيء من هذا المال الذي ربما يكون عنده قريبه. هذا آخر ما ذكر المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بهذا الباب بباب الوصية. بقي: هل يجوز أن يوصي بشيء لا يجوز بيعه؟ هل يجوز أن يوصي بشيء لا يجوز بيعه؛ كمثلا بيع البعير الشارد، لا يجوز، هل يجوز أن يوصي به؟ وهكذا العبد الآبق، وهكذا الطير في الهواء، وهكذا أيضا ما في بطون الأمهات؛ يعني مما في بيعه غرر وحرم لأجل الغرر والجهالة، هل يجوز أن يوصي به؟ الجواب: نعم، يجوز. يجوز أن يوصي به. فلو أوصى مثلا بعبده الآبق لفلان، هذا جائز. إن قال: أليس هذا محرم، لا يجوز أن يبيع العبد الآبق؟ نقول: نعم، لا يجوز في البيع؛ لأن فيه غرر وجهالة، والمشتري بين الغنم والغرم؛ إما أن يجد هذا العبد فيغنم، وإما أن لا يجده فيخسر. لكن في الوصية هو ليس بخاسر، الموصى له ليس عليه شيء من الخسارة. إن وجد هذا العبد فالحمد لله، وإن لم يجده، فإنه لم يدفع شيئا حتى يكون خاسرا. ومثله بقية أنواع البيوع: بيع الطير في الهواء، بيع البعير الشارد، إذا أوصى بذلك فهذا جائز. كذلك الوصية بما في بطون الأمهات، لو قال مثلا: ما في بطن هذه الشاة أو هذه الناقة فهو لفلان، هذا جائز؛ لأن هذه وصية وهبة؛ يعني ليست بيعا، حتى نقول أن الموصى له قد يخسر. وليس عليه شيء من خسارة. إن خرج ما في بطنها وسلم فالحمد لله، وإن خرج ومات، فهو لم يخسر شيئا، ولم يدفع شيئا. إذن يجوز الوصية بمثل هذه الأمور التي لا يجوز بيعها، وإنما حرم بيعها لأجل الغرر. بخلاف الأشياء التي حرم بيعها من أصلها؛ كبيع الخمر والخنزير وآلات اللهو ونحو ذلك، فهذه كما مر معنا، لا يجوز الوصية بها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.