الدرس في كتاب الوديعة والعارية 1، كتاب الوديعة والعارية . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح أحكام الوديعة والعارية في الإسلام، حيث يبين أهمية الأمانة وتأديتها إلى صاحبها. يشير إلى أن كلا من الوديعة والعارية يتعلق بحفظ ما ائتمن عليه ورده عند الحاجة.
يتناول الدرس تفاصيل أحكام العارية وشرط بقاء العين مع انتفاعها، وأهلية المعير والمتبرع له. يشدد على وجوب أداء الأمانة وعدم جواز الخيانة، ويوضح شروط الضمان في حالة التعدي أو التفريط أو مخالفة شرط الضمان.
يتطرق الدرس إلى مسألة ضمان العارية ومخالفة الشرط، حيث يشرح الشروط التي تُوجب الضمان على المستعير أو المستودع. يُبيّن أن الضمان يكون في حالة التعدي أو التفريط أو مخالفة الشرط المتفق عليه، مع تناول صحة بعض الأحاديث المتعلقة بالموضوع.
يختتم الدرس بخاتمة تعبر عن العلم بالله تعالى والامتنان له. يُظهر الدرس تقديراً للعلم الشرعي وأهمية فهم أحكام الوديعة والعارية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الوديعة والعارية. قال: يجب على الوديع والمستعير تأدية الأمانة التي ائتمنه عليها من اعتمن، ولا يخل من خانه، ولا ضمان عليه إذا تلفت بدون جنايته وخيانته. ولا يجوز منع الماعون كالدلو والقدر وإطراق الفحل وحلب المواشي لمن يحتاج ذلك، والحمل عليها في سبيل الله. أورد المؤلف رحمه الله هذا الكتاب وما تحته من مسائل في سياق ذكره لمسائل البيوع. فقوله: كتاب الوديعة والعارية، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الوديعة والعارية. والوديعة لغة مأخوذة من الإيداع، وهو بمعنى الحفظ. فمن طلب حفظ شيء عند أخيه فقد أودعه عنده. والعارية، معناها في اللغة مأخوذ من الاستعارة وطلب الاستعمال. وأما في اصطلاح أهل العلم، فالعارية تطلق على ما يتداول بين الناس بغير عوض، فهو اسم لما يتداول بين الناس بغير عوض. كما أن الوديعة بمعنى المحفوظات التي يطلب فيها الإحسان في حفظها. فإذا الوديعة غير العارية، فالوديعة تكون بطلب المالك، والعارية تكون بطلب المنتفع، فهما أمران متقابلان. الوديعة يقع بفعل من؟ المالك. المالك هو الذي يذهب فيضع ما يملك عند غيره. وأما المستعير أو الاستعارة والعارية، فالمنتفع هو الذي يذهب إلى المالك ويطلب منه الانتفاع بالإعارة. وكل الأمرين، الوديعة والعارية، فيها معنى الأمانة. ولما كان كذلك، وكانت الأمانة للغير، ذكرا في باب واحد. وهذا من محاسن هذا الدين، فمن محاسن هذا الدين أنه شرع هذا المعنى وحث عليه، لما فيه من الإحسان للغير. الوديعة بحفظ الأمانات للغير، والعارية بالتصدق والتعاون مع الغير فيما يحتاج إعارته. وهل هو مستحب أو واجب أو مباح؟ الصحيح أنه ينقسم إلى أقسام. فمنه ما هو مستحب، وهو ما كان في أبواب البر والمعروف. ففي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله، وجاء معنا في صحيح مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل معروف صدقة». وكل من ألفاظ العموم، فيدخل فيه الوديعة والعارية. بل قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. وهذا عام يشمل كل الأمانات فيما أخذت، وهكذا كذلك فيما طلب الإحسان فيها. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وجاء عن غيره، أنه قال: «ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها، ومن حقها طراق فحلها». وهكذا جاء في بعض الروايات، وبعض الألفاظ ذكر أن من حق المركوب أن يركب إذا احتيج إلى ركوبه. وهذا يؤكد لنا ما سبق، ويضيف المعنى الثاني أن من معاني الوديعة والعارية ما يكون واجبًا. فمن الواجب ما يكون من الغني مع المضطر، وصاحب الحاجة الملحة، فيجب عليه أن يحسن مع غناه إلى الغير. وهذا ما حققه ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وغيره من أهل العلم. جماعة من أهل العلم رجحوا الوجوب في مثل هذه المسائل. والدليل هذا الحديث، ومعناه كثير. بل جاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، فممن يعذب بمنع الماعون من يمنع الدلو وغيره مما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: يجب على الوديع والمستعير تأدية الأمانة إلى من ائتمنه. نعلم بهذا بأن الوديع والعارية كل منهما له أربعة أركان. الركن الأول بالنسبة للوديع والعارية: معير ومودع. والركن الثاني: مودع عنده، ومستعير بالنسبة للعارية، ومودع عنده للوديعة. والركن الثالث: الشيء المودع أو المستعار. والركن الرابع: الصيغة التي كانت بها الوديعة أو العارية. وفائدة معرفة هذه الأركان أننا نعلم أن الوديعة لا تتم إلا بهذه الأركان والنظر إليها، وهكذا العارية. وبمعرفتها كذلك نستطيع تحقيق الشروط التي ذكرها أهل العلم في هذا الباب. والشروط التي ذكرها العلماء في هذا الباب أربعة. الشرط الأول: بقاء العين بالنسبة للعارية مع انتفاعها. يعني إذا صار معنى العارية فيه انتقال ملك، فليست هي بعارية. إذا صار فيه انتقال ملك، فهي ليست بعارية، فيختلف الحكم كما سيأتي إن شاء الله. والشرط الثاني: أن يكون ذلك في أمر مباح، فلا يجوز في محرم أو مشبوه. فمن المحرم عارية آلات اللهو والطرب، وكتب أهل البدع إذا كان انتفاعها على الوجه المحرم. لأنه قد يكون انتفاعها على غير وجه محرم، مثل كتب أهل البدع يأخذها العالم ليرد عليها، فهذه عارية مباحة، بل ربما تكون مستحبة أو واجبة. والشرط الثالث: أهلية المعير، أي من تطلب منه العارية. ومن أهليته أن يكون مالكًا، أن يكون مالكًا كذلك لهذه العارية. فلا يجوز له أن يتصرف فيما لا يملك. والشرط الرابع: أهلية المتبرع له. لأنه إذا لم يكن أهلًا، فلا تلزمه لوازم العارية فيما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه من أحكام ذكرت بموجب الأدلة الشرعية. لأنه أعطى العارية لمن هو ليس بأهل، فكيف يطالبه بعد ذلك بحقه؟ فهو المفرط. قال المؤلف رحمه الله: يجب على الوديع والمستعير تأدية الأمانة إلى من ائتمنه. أولًا علمنا أن هذا الباب من الأبواب التي يحث عليها هذا الدين، لأنه من أبواب الإحسان والخير. ثم إذا وقع، ففيه شروط. وعلمنا هذه الشروط، وأنه كذلك يلزم من رضي به، وقد توفرت فيه الشروط ما يلزمه في هذا الباب من أداء الأمانة على الوجه الشرعي والعرفي. فمن الشرعي قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة الذي أشار إليه بالشرح، وهو حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما: «أدّي الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». وهو حديث حسن، وجاءت طرق كثيرة له يتأكد ويؤكد ذلك تحسين هذا الحديث، ومعناه صحيح. قال رحمه الله: ولا يخن من خانه. ومعنى لا يخن من خانه، يعني إذا قبل أمانة سواء وديعة أو طلب عارية، وكانت هذه أمانة، وكان من وضع عنده الوديعة قد وقعت منه خيانة له، أو من أخذ منه العارية وقعت منه خيانة عليه، فإنه لا يجوز له أن يرد الخيانة بعدم أداء هذه الأمانة. قال رحمه الله: ولا ضمان عليه إذا تلفت بدون جنايته وخيانته. لا ضمان عليه إذا تلفت الشيء المودع أو الشيء المستعار بدون جناية أو خيانة. ومر معنا في درس سابق أن ضمان هذا الباب يكون في أحد أحوال ثلاثة: الأول بالتعدي، والثاني بالتفريط، والثالث بمخالفة شرط الضمان. فمثال التعدي ما سبق، مثلا في خروج في المثال السابق، أعطاه الإذن أن ينتفع بها داخل المدينة، فتعدى وخرج بها خارج المدينة. أعطاه مثلا الإذن أن يركب على الدراجة هو وراكب آخر معه، قال: رجاء الدراجة ضعيفة، إذا كنت تريد تنتفع بها فاركب عليها أنت ومعك واحد، ولو يكون نحيف أو واحد فقط أفضل. وهذا ما قصر، ركب عليها أربعة، ثم جاء وقال: عفوا، المكينة خلطت أو بوشت. هل هذا عذر؟ ليس عذر، هذا تعدي يوجب الضمان. وهكذا كذلك التفريط، مثل هذا مثلا في العرف، دراجة تحفظ داخل البيت، فأتى فحفظ الدراجة خارج البيت، ثم قال: سرقت الدراجة. تفريط أو ليس بتفريط؟ إذا وضعها خارج البيت في غالب عرف الناس أن الدراجة لا تحفظ خارج البيت، خصوصا في الليل، فإذا وضعها خارج البيت، عد مفرطًا، فعليه الضمان. والثالث من مواضع الضمان مخالفة الشرط، وسبق معنا دليله حديث صفوان، وسيأتي معنا إن شاء الله الإشارة إليه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما استعار الأدرع والعتاد، قال: أغصبا يا محمد؟ وكان مشركا وذلك يوم حنين، فقال: «بل عارية مضمونة». وفي رواية أنه قال: عارية مضمونة. وهنا اختلف أهل العلم، هل المراد عارية مضمونة أي إذا حصل التعدي والتفريط فقط، فيكون الضمان في حدود التفريط والتعدي، أم أكثر من ذلك؟ الخلاف على قولين مشهورين. والصحيح والله أعلم أن وضع لفظ الضمان هو شيء زائد عن التعدي وعن التفريط. ولكن الأفضل في مثل هذا أن يعين ما معنى الضمان، هذا هو الأفضل والأحوط، وابتعادًا من أو مواضع النزاع لابد أن يعين ما المراد بالضمان. فإن أردنا بالضمان مثلا التعدي والتفريط، كان التعدي والتفريط. وإن قال: أريد بالضمان أن ترجع ما أخذته مني سليما كما أخذته أنا، لا أعرف أنك مفرط أو غير مفرط، أنك متعدي أو غير متعدي، أريد هذا مثل ما خرج من عندي سليما ترده سليما، له حق. له حق أن يطلب هذا الشرط، والمسلمون على شروطهم، إلا إن اشترط ضمان زائد، فهذا لا يجوز. كل شرط ليس بكتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط. ثم أورد المؤلف رحمه الله في شرح حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضمان على مؤتمن». قال: خرجه الدارقطني وبسناده ضعف. وهذا الحديث حسنه بعض أهل العلم نظرًا لمعناه الحسن، ولعمومات تؤيده. وربما بعض الرجال يرون أن ضعفهم خفيف. والصحيح أنه حديث ضعيف ومعل، ولا يصح. فقد نص الحفاظ على ضعفه، ففيه يزيد بن عبد الملك ضعفه أحمد وغيره، بل قال النسائي: متروك. ولهذا ضعفه غير واحد من الحفاظ. كما أن في إسناده عبد الله بن الشبيب، وهو كذلك فيه ضعف. ورجح الدارقطني أنه لا يصح مرفوعًا، وإنما يروى عن شريح القاضي. ولم يصح مرفوعًا، وهكذا وافقه غير واحد من الحفاظ، فضعفه كذلك ابن عبد الهادي والزيلعي وابن الجوزي والحافظ ابن حجر وجماعة. وأشار إلى حديث آخر: «ليس على المستعير غير المغل ضياء، ولا المستودع غير المغل ضمان». والحديث هذا كذلك ضعيف، ضعفه الدارقطني وابن عبد الهادي وجماعة. ورجح الدارقطني أنه إنما روي عن شريح، ولم يصح مرفوعًا. لكن معنى الحديثين صحيح. «لا ضمان على مؤتمن»، يعني إذا كان غير مفرط ولا متعدي، ولم يخالف شرط الضمان، ولم يخرج على ما يوجبه الشرع، فليس عليه ضمان. وهكذا كذلك الحديث الثاني: «ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا المستودع غير المغل ضمان». معناه أن من استعار شيئًا أو أودع عنده شيئًا، فلا ضمان عليه ما دام أنه لم يفرط ولم يتعدى ولم يخالف الشرط. وأما معنى المغل، فكما أشار في الشرح: الخائن والجاني. ثم ذكر تمثيلًا عن الشيخ الألباني رحمه الله فيما نقله عن أبي عبيد: هو الرجل يكون لك عليه المال فيجحدك ولا يعطيك، ثم يصير له عليك المال، فلا بأس أن تأخذ منه الذي أخذ منك وتعطيه الباقي. قال: رواه الخرائطي بسند صحيح. وبه فسره الطحاوي. يعني الخرائطي روى الحديث المذكور، والتفسير عن أبي عبيد. والصحيح أنه لا يجوز ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تخن من خانك». فلا يجوز أن تخون من خانك. وهذا معنى من معاني خيانة الخائن، وهي محرمة في ديننا ولا تجوز. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق. والله تعالى أعلم. شكرًا.