الدرس في القواعد والأصول الجامعة 76، ألقاها
يشرح المقطع قاعدة الفعل الواحد الذي ينبني بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد ويقدم أمثلة على ذلك. يتناول أمثلة عملية مثل تطهير الماء النجس.
الموالاة شرط لصحة الأفعال والأقوال، فإذا كان الفاصل يسيرًا لا يضر، أما إذا طال الفاصل فيبطل الفعل أو القول. يشترط في الوضوء والصلاة والأقوال أن تكون متصلة.
يتناول المقطع شروط صحة الاستثناء والوصف والعقود، حيث يشرح أن الانقطاع اليسير لا يضر في صحة الاستثناء إذا كان متصلًا لفظًا أو حكمًا. كما يشرح شروط العقود.
المقطع ينهي الكلام حول قاعدة معينة ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يظهر أن الحديث كان حول موضوع فقهي أو شرعي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتاب القواعد والأصول الجامعة: القاعدة الثامنة والأربعون: الفعل الواحد ينبني بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد. وذلك أن الانقطاع اليسير عرفًا بين مفردات الفعل الواحد لا يضر ولا يقطع اتصاله. يقول رحمه الله: الفعل الواحد -المراد بالفعل هنا أي الحدث، سواء كان فعلًا أو قولًا، سواء كان فعلًا بالجوارح أو كان قولًا باللسان- ينبني بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد، يعني إذا كان هذا الفعل متصلًا، وهذا الاتصال معتاد شرعًا أو عرفًا لم ينقطع، فهنا يصح هذا الفعل ويترتب عليه ما يتعلق به من أحكام. وذلك أن الانقطاع اليسير عرفًا بين مفردات الفعل الواحد لا يضر، يعني إذا حصل انقطاع يسير، ومعرفة هذا اليسير بالعرف، يعني عرف العقلاء الذين يميزون بين الكثير والقليل، فإذا عد هذا الانقطاع يسيرًا كان حكمه كحكم المتصل. مثال ذلك: إذا اعتبرنا تطهير الماء النجس بإضافة الماء الكثير إليه، لا يشترط أن يصب عليه دفعة واحدة، بل إذا صب عليه أو صب عليه شيئًا فشيئًا حصل المقصود. ولكن الصحيح أن الماء إذا تنجس بالتغير يطهر بزوال التغير بأي حالة تكون. وهذه المسألة -وهي مسألة تطهير النجاسة بالماء- إذا عندنا ماء نجس، أردنا أن نطهره بصب الماء الطاهر عليه، هل يشترط أن يصب عليه دفعة واحدة أم يجوز أن يصب عليه شيئًا فشيئًا؟ وجه هذا الخلاف هو أن الماء عبارة عن أجزاء، فيقولون: إذا صببنا هذا الماء على النجاسة أول جزء من هذا الماء سيلاقي هذا الماء النجس وهو قليل، إذن ستؤثر فيه النجاسة فيصبح نجسًا. قالوا: إذن نجعل الحكم أن هذا الماء يصب دفعة واحدة على هذا الماء النجس، فلا يؤثر فيه. وهذا على القول بأن النجاسة لا يطهرها إلا الماء، وهذا قول جمهور أهل العلم. وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه كل ما تحصل به التطهير فإنه تطهر به النجاسة. وهذا مرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك أيضًا يميل إليه المؤلف العلامة السعدي رحمه الله. ولكن الصحيح أن الماء إذا تنجس بالتغير يطهر بزوال التغير بأي حالة تكون، فلو وضع في الشمس مثلًا حتى زالت هذه النجاسة فإنه يطهر. مثلا: عندك ثوب فيه نجاسة، وضعته في الشمس حتى زالت هذه النجاسة، يطهر بذلك. أو كذلك استحالة -بالاستحالة- أن يستحيل هذا الشيء النجس إلى أن يصبح شيئًا طاهرًا فإنه يكون طاهرًا على الصحيح. قال: ومنها إذا ترك شيئًا من صلاته فسلم قبل إتمامها، ثم ذكر ولم يطل الفصل، أتى بما تركه وسجد للسهو. ولو طال الفصل عرفًا أعادها كلها. هذا أيضًا من أمثلة هذه القاعدة: الفعل الواحد ينبني بعضه على بعض مع الاتصال المعتاد. الآن الصلاة لها أركان وشروط، لها أركان وشروط وواجبات. صلى إنسان فترك شيئًا من الصلاة، مثلا ترك ركعة، هذه الركعة الآن جزء من أجزاء هذه الصلاة، هل يصح؟ هل تصح هذه الصلاة بترك هذا الجزء؟ الجواب: لا. طيب نسيه؟ فسلم وبقي عليه ركعة، ثم قام بعد السلام مباشرة وأتى بهذه الركعة، ثم سجد للسهو، ما حكم صلاته؟ نقول: الصلاة صحيحة. لماذا؟ أليس قد حصل هنا انقطاع؟ فإنه سلم وخرج من الصلاة، لكن هذا الانقطاع يسير، هذا الانقطاع يسير لا يضر، فيكون هذا الفعل مع وجود هذا الانقطاع اليسير كالمتصل، يكون كالمتصل وينبني بعضه على بعض، تصح هذه الصلاة. لكن إذا طال الفصل، إذا طال الفصل عرفًا، نسيه ركعة، سلم، ثم خرج من المسجد وذهب في عمله بعد ساعة، ذكر أنه ترك ركعة، هل يأتي بالركعة؟ ويسجد للسهو؟ نقول: لا، هنا يعيد الصلاة من أولها. لماذا؟ لأن الفصل الفاصل طويل، وهنا لا ينبني بعضها على بعض، فتكون حينئذ منقطعة. قالوا: ومنها يشترط في الوضوء الموالاة، يشترط في الوضوء الموالاة. ومعنى الموالاة: أن يكون غسل كل عضو بعد الآخر مباشرة من غير فاصل. قال: فإن غسل بعض أعضائه ثم انفصل غسل الباقي عن الأول بفصل قصير لم يضر، وإلا طال الفصل بين أعضاء الوضوء أعاده كله. هذا أيضًا من تطبيقات هذه القاعدة: الفعل الواحد ينبني بعضه على بعض إذا كان متصلًا، وكان الفاصل يسيرًا. إذا غسل بعض الأعضاء ثم انفصل غسل -مثلا- وجهه، ثم اتصل وجلس يتكلم في التليفون نصف ساعة، ثم جاء بسم الله أكمل الوضوء، غسل يده، هل يصح هذا الوضوء؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن الفاصل طويل، الفاصل طويل، فعليه إعادة الوضوء من أوله. لكن إذا كان الفاصل قصير، مثلا غسل وجهه، فجاءه اتصال، كلمة قصيرة ومباشرة أقفل التليفون وكمل، هذا يصح وضوؤه. لماذا؟ لأن الفاصل يسير عرفًا. والضابط في معرفة الطويل والقصير في مسألة الموالاة في الوضوء -كما ذكر أهل العلم- هو ببقاء أثر الوضوء، أي أثر الماء في العضو قبل أن ينشف. غسل وجهه، طيب وحصل فاصل يسير، ثم غسل يده، ومازال أثر الماء موجودًا في وجهه، هذا لا يعد فاصلًا يسيرًا. وهذا كما قال أهل العلم: في الجو المعتاد، ليس في الجو البارد شديد البرودة الذي يتأخر فيه بقاء الأثر الماء، ولا كذلك في الحرارة الشديدة التي ينشف فيها الماء بسرعة، بل مع اعتدال الجو. وإذا انفصل عن هذا العضو وتأخر حتى نشف ولم يبق أثر من آثار الغسل، فهنا يعد طويلًا، فيستأنف الوضوء من جديد. قالوا: هكذا كل فعل تعتبر له الموالاة -يعني التتابع وعدم الانقطاع- وكذلك كل قول يعتبر اتصال بعضه ببعض. هنا أشار إلى الأقوال، إذن قوله: الفعل الواحد، يراد به الأفعال ويراد به الأقوال. قال: فإذا ألحق بكلامه استثناء أو شرطًا أو وصفًا، فإن طال الفصل عرفًا لم ينفعه ذلك الإلحاق، وإن اتصل لفظًا أو حكمًا -كانقطاعه بعطاس وشبهه- لم يضر. الأقوال مما يشترط لها الاتصال: الاستثناء والشرط والصفة. يعني لو قال: أكرم الطلاب، عند وعد الطلاب في الفصل مثلا أو في المسجد، فقال: أكرم الطلاب إلا محمدًا، هذا استثناء متصل، هذا يصح، يستثنى محمد من هذا الإكرام. طيب إذا قال: أكرم الطلاب، ثم سكت وجعل يتكلم مع شخص بموضوع من المواضيع، ثم رجع بعد ذلك وقال: إلا محمدًا، هل يصح هذا الاستثناء؟ الجواب: لا يصح. لماذا؟ لوجود الفاصل. إلا إذا كان الفصل يسيرًا، وهو مما يتعلق بهذا الحكم، لا بأس. يعني لو قال: أكرم الطلاب، فقيل له: إن فلان هذا رجل ولد طالب مشاغب، فلو أنك استثنيته، فقال: إلا فلانًا، هذا يصح. لأن هذا الانقطاع اليسير مما يتعلق بهذه الجملة، ويدل عليه حديث «ابن عباس» -أو العباس- «خناء» ذكر النبي عليه الصلاة والسلام حرمة مكة، وأنه لا يجوز قطع أشجارها، فقيل له: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر»، استثناء بعد هذا الكلام، هذا انقطاع يسير متصل بما يتعلق بهذه الجملة، فصح لهذا الاستثناء. وكذلك إذا كان الانقطاع لأمر عارض، فيصح الاستثناء، كما قال: أكرم الطلاب، ثم عطس، فقال: الحمد لله، قيل: يرحمك الله، قال: يهديكم الله، ثم قال: إلا محمدًا، هذا يصح. لماذا؟ لأن هذا الاستثناء عارض، هذا الانقطاع انقطاع عارض، وهنا يصح ويعد هذا يسيرًا. أما إذا كان طويلًا، فكما سمعنا لا يصح. وهكذا أيضًا يقال في الوصف، وفي الشرط. يقول مثلا: أكرم الطلاب إن حفظوا القرآن، هذا شرط، إن حفظوا القرآن، فمن لم يحفظ لا يكرم. فإذا كان هذا متصلًا صح، وإن كان منقطعًا انقطاعًا يسيرًا لم يضر، وإن كان انقطاعًا طويلًا فلا يصح. وهكذا أيضًا في الوصف -كما ذكرنا في المثال الأول-. قال: وقوله: وإن اتصل لفظًا أو حكمًا، لفظًا واضح. أكرم الطلاب إلا محمدًا، أو قال: أكرم الطلاب المجتهدين، طيب هذا الوصف، هذا مثال الوصف: أكرم الطلاب المجتهدين، فقول المجتهدين أخرج غير المجتهدين، هذا متصل، هذا استثناء متصل لفظًا. والمتصل حكمًا: أن يوجد عارض يقطع بين الاستثناء وبين المستثنى منه، كما إذا قلت: أكرم الطلاب، ثم قلت: المجتهدين. هذا يسمى متصلًا حكمًا، متصلًا حكمًا، يعني في حكم الاتصال، يعني في حكم الاتصال، يفصل ذلك في كتب أصول الفقه. قال: وهكذا الفصل بين إيجاب العقود وقبولها لا يضر الفصل المعتاد، فإن زاد على المعتاد أو اشتغل المتعاقدان بغيره بعد الإيجاب وقبل القبول، فلابد من إعادة الإيجاب في الذي يشترط له ذلك. مثلًا في البيع والشراء، قال البائع: بعت لك هذه السيارة، ثم المشتري شغل بكلام مع آخر، وطال الفصل، وبعد ذلك قال: اشتريت أو قبلت، هنا لا يصح. إلا إذا كان في مجلس العقود فنعم، إلا إذا كان الفصل طويلًا، فلابد من إعادة لفظ العقود، من إعادة الإيجاب، وأن يقول البائع له مرة أخرى: بعتك هذه السيارة، ويقول المشتري: اشتريت. إذا كان الفصل يسير ما يضر، إذا كان الفصل يسير ما يضر. مثلا قال: بعتك هذه السيارة، فدخل شخص سلم، رد عليه السلام، قال: كيف حالك؟ قال: الحمد لله، ثم قال: اشتريت، هذا فصل يسير، فيصح به العقد. وهكذا يمن في عقد النكاح، إذا قال: زوجتك ابنتي، أو مليتي، وسكت الزوج وطال الفصل، وهنا لا بد من إعادة الإيجاب. وإن كان الفصل يسير لم يضر، إن كان الفصل يسير ثم قال: قبلت، صح العقد. وهذا كما قال رحمه الله: من الذي يجب فيه أو يشترط فيه الإيجاب والقبول. وأهل العلم اشترطوا الإيجاب والقبول في الأمور العظيمة، في الأمور العظيمة كأمور النكاح، وهكذا أيضًا الأشياء الثمينة كبيع العقار والمركوبات ونحو ذلك، حتى لا يقع فيها النزاع والخلاف. طيب هذا ما يتعلق بهذه القاعدة، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.