مختصر فقه الأسماء الحسنى  33

مختصر فقه الأسماء الحسنى 33

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى اسم الله "السلام" وتفصيل ابن القيم لصفاته

يتناول المقطع اسم الله "السلام" الوارد في القرآن والسنة، مبيناً أنه يدل على نفي كل نقص وعيب عن ذات الله وصفاته وأفعاله، ويستعرض تفصيل ابن القيم في "بدائع الفوائد" كيف أن كل صفة من صفات الكمال سلامة من ضدها، مثل حياته المنزهة عن الموت والسنة والنوم.

سلامة صفات الله من النقائص والآفات

يستعرض المقطع كيف أن اسم الله "السلام" يتناول صفاته كلها بنفي النقائص عنها، فقيوميته وقدرته سالمة من التعب، وعلمه من النسيان، وإرادته من الخروج عن الحكمة، وكلماته من الكذب والظلم، وغناه من الحاجة، وملكه من المنازع، وإلهيته من الشريك، وحلمه وعفوه من الحاجة والمصانعة، وعذابه من الظلم والتشفي، وقضاؤه من العبث، وشرعه من التناقض وخلاف المصلحة.

معاني اسم الله "السلام" في أفعاله وتشريعه وولايته

يوضح ابن القيم أن تشريع الله وعطاؤه ومنعه كلها سلامة من التناقض والحاجة والبخل، فله الغنى المطلق والحكمة في الإعطاء والمنع، كما أن استواءه على العرش ونزوله إلى السماء الدنيا لا ينافيان علوه ولا غناه، وصفات السمع والبصر ثابتة له بلا تشبيه ولا تعطيل، وولايته لأوليائه تتم برحمة وإحسان لا بذل ولا حاجة.

أهمية التفكر في معاني أسماء الله الحسنى

يحث المقطع المسلم على البحث في المعاني والأسرار الواردة في أسماء الله تعالى، لأنها تبلغ غاية الحسن والكمال، ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر من البيان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى في كتابه «مختصر فقه الأسماء الحسنى»: «اسم الله السلام». قال: وهو اسم ورد في القرآن الكريم مرة واحدة، بقول الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وورد أيضاً في السنة، فمن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام بعد السلام: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وكما تقدم أن المؤلف حفظه الله كتابه هذا مختصر، فيكتفي بذكر الدليل من القرآن، وأحياناً يذكر الدليل من السنة. قال: ومعنى هذا الاسم الكريم، أي السلام من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله. فالسلام من الأسماء التي معناها نفي كل نقص وعيب عن ذات الرب سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله، هذا على وجه الإجمال. قال: فهو جل وعلا السلام الحق بكل اعتبار، سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وهم، وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة. وهو سبحانه السلام من الصاحبة والولد، فهو منزه عن الصاحبة الزوجة والولد لكماله سبحانه وتعالى وغناه. قال: والسلام من النظير والكفء، فلا نظير له، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. قال: والسلام من الند والشريك، فلا إله غيره ولا رب سواه سبحانه وتعالى. قال: وهو اسم يتناول جميع صفات الله تعالى، فكل صفة من صفاته جل وعلا سلام من كل عيب ونقص، يعني على وجه التفصيل: كل صفة من صفاته إذا تناولتها فالسلام يدخل في معناها بمعنى نفي كل نقص وعيب عن هذه الصفة، عن هذه الصفة، كما سيأتي من كلام العلامة بن القيم عليه رحمة الله. قال: وقد فصل هذا الأمر وقرره ابن القيم رحمه الله تقريراً وافياً وبسطه بكلام رصين متين، وهذا في كتابه «بدائع الفوائد»، وسنقرأ عليكم هذا الكلام إن شاء الله لنفاسته ومتانته. قال: ثم ختمه بقوله: «فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه تبارك وتعالى، وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني». وكلام ابن القيم في «بدائع الفوائد» المفصل هو قوله رحمه الله: «ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله سبحانه وتعالى وجدت كل صفة سلاماً مما يضاد كمالها». ثم قال: «فحياته سلام من الموت ومن السنة والنوم، فحياته كاملة سبحانه وتعالى لا تأخذه سنة ولا نوم، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، فحياته سلام من الموت ومن السنة وهي مقدمة النوم، وهكذا النوم منزه عنه سبحانه وتعالى». قال: «وكذلك قيومته وقدرته سلام من التعب واللغوب، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، فانظر كيف أن هذا الاسم دخل في هذه الصفات كلها وشملها، أي بمعنى نفي النقائص عن كل صفة من صفاته سبحانه وتعالى». قال: «وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر، فعلمه سبحانه وتعالى علم كامل لا يعتريه نسيان، ولا كذلك حاجة إلى تذكر أو تفكر، كما هو حال هذا المخلوق الضعيف». قال: «وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة، فهو سبحانه وتعالى يريد للعباد ما فيه خير لهم وإن كان ظاهره الشر، لكن الله عز وجل أراد بذلك الحكمة والمصلحة لهذا الإنسان، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾». قال: «وكلماته سلام من الكذب والظلم، كما قال الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، فكلماته سلام من الكذب والظلم». قال: «وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه، فانظر كيف أن هذا الاسم دخل في هذه وتناول هذه الصفات». قال: «وملكه سلام من كل منازع فيه أو مشارك أو معاون أو مظاهر أو شافع عنده بغير إذنه، فملكه سلام، فلم يكن له شريك في الملك سبحانه وتعالى ولا منازع». قال: «وإلهيته سلام من مشارك فيها، فهو الإله الحق، فمن وجه عبادة لغيره فقد أشرك، وذلك لكمال ألوهيته سبحانه وتعالى». قال: «وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو مصانعة، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه، فحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته إحسان وكرم منه سبحانه وتعالى لا عن ذل أو مصانعة أو حاجة إلى هذا المغفور له أو المعفو عنه أو نحو ذلك، فانظر كيف تناول هذا الاسم هذه الصفات العظيمة». قال: «وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلماً أو تشفياً أو غلظة أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله، فالله عز وجل يعذب من يستحق العذاب وينتقم ممن يستحق الانتقام، فعذابه وانتقامه وسرعة عقابه ليس عن ظلم أو تشفٍ أو غلظة أو قسوة، وإنما ذلك بمحض حكمته وعدله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ هُمُ الظَّالِمِينَ﴾». قال: «وقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم، فالله عز وجل حكيم لطيف في قضائه وقدره». قال: «وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم، فما يحل شيئاً إلا وفيه الخير والمصلحة للعباد، وما يحرم شيئاً إلا وفيه الخير والمصلحة للعباد، هذا التحريم، فشرعه ودينه سلام من التناقض، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فهذا الشرع من الله سبحانه وتعالى فهو يوافق الفطرة ويوافق كذلك طبيعة هذا الإنسان، فلم يكلف الله سبحانه وتعالى عباده بما لا يطيقون، فشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب». ثم قال أيضاً: «وكذلك عطاؤه وهذا من فعله سبحانه وتعالى سلام من كونه معاوضة، يعني يعطي لأن العبد أعطى، لا، فالله عز وجل غني، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، فعطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطي، إلى المعطى، وهكذا منعه سبحانه وتعالى سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه». قال: «ومنعه عدل محض وحكمة، فهو يعطي لحكمة ويمنع لحكمة، فيعز من يشاء ويذل من يشاء، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء بحكمته وعدله سبحانه وتعالى». ثم قال ابن القيم: «واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجاً إلى ما يحمله، يعني إلى هذا العرش، أو يستوي عليه، بل العرش محتاج إليه، محتاج إلى الرب سبحانه وتعالى، قال: وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، وعن كل ما سواه، فأين، فأين كان هذا العرش قبل أن يخلق في العدم؟ فما خلقه إلا الله، فليس محتاجاً إليه، فالله سلام عن حاجة أحد من خلقه أو عن حاجته لأحد من خلقه». قال ابن القيم: «ونزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا سلام مما يضاد علوه، فنزوله سبحانه وتعالى لا ينافي علوه، لا ينافي علوه سبحانه وتعالى، لأنه ليس كمثله شيء، ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، قال: وسلام مما يضاد غناه وكماله، وسلام من كل ما يتوهم معطل ومشبه، فإن المعطلة ما عطلوا إلا لتخيلاتهم، وكذلك تنقصهم لربهم سبحانه وتعالى وتشبيههم للخالق بالمخلوق، قال: وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصوراً في شيء، فكل هذا يتناوله اسم الله السلام». قال: «وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل، فأهل السنة يثبتون لله عز وجل ما أثبت لنفسه، ومن ذلك السمع والبصر، فيثبتون لله كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، بخلاف أهل التعطيل والتحريف فإنهم ينفون هذه الصفات بزعمهم أنها فيها تشبيه للخالق بالمخلوق، فشبهوا ثم عطلوا». قال: «وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذل كما يوالي المخلوق المخلوق، فالله عز وجل ولي الذين آمنوا، لكن ولايته لا عن ذل وحاجة إلى هذا الموال، بل هي موالاة رحمة وخير وإحسان وبر، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾، قال: فلم ينفِ أن يكون له ولي مطلقاً، بل نفى أن يكون له ولي من الذل، فولاية الله عز وجل سلام من كل نقص، ومن ذلك الذل». ثم ذكر بعدما ذكر هذه التفاصيل ما ذكره المؤلف هنا، فقال: «فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه تبارك وتعالى، وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني». فينبغي للمسلم أن يبحث عن مثل هذه المعاني والأسرار التي حوتها هذه الأسماء، أسماء الله عز وجل، لأنها غاية في الحسن والكمال. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله تعالى. ترجمة نانسي قنقر