الدرس في القواعد والأصول الجامعة 79، ألقاها
القاعدة الحادية والخمسون تشير إلى اعتبار الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات، وتدخل في عموم 'الأمور بمقاصدها'. العقود بالإكراه بغير حق لا تنعقد.
يتناول حكم الإكراه في المعاملات، ويفرق بين الإكراه بحق وبغير حق، ويشرح الحيل التي تحاول إباحة المحرمات مثل نكاح التحليل وبيوع الربا.
هدايا العمال تصبح نوعا من الرشوة إذا كانت بسبب الوظيفة، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم قبول الهدية بسبب الوظيفة.
الصدقة المقبولة هي تلك التي تخرج من مال حلال وبطيب نفس، وغير المقبولة هي التي تخرج تحت تأثير الخوف أو الحياء.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة"، القاعدة الحادية والخمسون: الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات معتبرة. هذه القاعدة كالضابط في العقود والتبرعات، وأن أسباب هذه العقود وهذه التبرعات ودواعيها لها اعتبار. وهي تدخل في عموم القاعدة الكبرى: الأمور بمقاصدها. وهكذا أيضا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات". قال: إذا عقد العاقد عقدا -كعقد بيع أو إيجارة أو نكاح أو تبرع بشيء كالهدية والهبة والعطية أو الوصية- وهنا داع وحامل حمله على ذلك، يعني سبب حمله على عقد هذا العقد أو على التبرع بهذا الشيء الذي تبرع به. قال: اعتبرنا ذلك الذي حمله، لأن الأعمال بالنيات والأمور بمقاصدها. فمن ذلك عقود المكره بغير حق وتبرعاته لا تنعقد. عقود المكره بغير حق؛ لأنه يشترط في العقود أو صحة العقد التراضي، يشترط فيه التراضي، سواء كان في البيوع أو في النكاح أو في غيرها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما البيع عن تراض". والله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. فإذا أكره الإنسان على عقد من العقود، وهذا الإكراه بغير حق، فهل يصح؟ إذا نظرنا إلى ظاهر هذا العقد أنه صحيح. قال البائع للمشتري: بعتك -مثلا- هذه السيارة. وقال المشتري: اشتريت. ظاهر هذا العقد أنه صحيح، لكن لو نظرنا إلى السبب الذي جعله يعقد هذا العقد، فوجدناه أنه مكره. إن لم يفعل ذلك قتل، هل يصح هذا العقد؟ الجواب: لا يصح، ويكون العقد باطلا، مع أن ظاهره أنه صحيح. هذا معنى قوله: الأسباب والدواعي للعقود والتبرعات معتبرة. فالشيء قد يكون في ظاهره أنه صحيح، لكن بسبب هذا السبب الذي حمله على عقد هذا العقد، والداعي على ذلك يتغير الحكم. ومثل ذلك أيضا إذا أكره الإنسان على طلاق زوجته -مثلا- فطلق مكرها، هل يقع هذا الطلاق؟ الجواب: لا يقع؛ لأنه عقد هذا العقد على جهة الإكراه، فلا يقع. وقس على ذلك في سائر العقود. وهكذا التبرعات، إذا تبرع بشيء على جهة الإكراه كذلك لا يصح. قيل له: هب هذه الأرض، وإلا قتلناك. فوهبها وتبرع بها. في الظاهر أن هذا التبرع صحيح، لكن لو نظرنا إلى السبب والداعي الذي حمله على ذلك وجدناه مكرها، إذن فلا يصح. إذن الأسباب والدواعي لها اعتبار في صحة العقد وعدم صحته. وقوله: "بغير حق" ليخرج ما إذا كان الإكراه بحق، هنا يصح. إذا كان الإكراه بحق فإنه يصح، كمن عليه ديون وأبى أن يسددها، فأكرهه الحاكم على بيع شيء من ماله ليسدد ما عليه من الديون، فهذا إكراه بحق، فيصح. طيب لكن إذا كان الإكراه بغير حق، هذا الذي لا ينعقد ولا يصح، ولا يحل للطرف الثاني أخذ شيء مما أعطاه الطرف الأول على جهة الإكراه. قال: ومن ذلك الحيل التي يتحيل بها على المحرمات، فنعتبر القصد ولا ننظر إلى صورة العقد. أيضا الحيل التي يتحيل بها على المحرمات، قد يكون في ظاهر المعاملة أنها صحيحة، لكنها في الحقيقة هي حيلة للتوصل إلى أمر محرم. مثلا نكاح التحليل، إذا تزوج الرجل امرأته ثلاثا وبانت منه، فهنا لا تحل له حتى تتزوج برجل آخر ويدخل بها ويطلقها، فيؤتى بنكاح التحليل. يؤتى برجل قد يتفق الزوج الأول معه أو يكون الاتفاق من جهة الطرفين -من جهة المرأة أو من جهة الزوج الأول- على أن تزوجها هذا الرجل ويدخل بها ثم يطلقها حتى تحل للأول. فقد يعقد العقد وفي ظاهره أنه صحيح، لكن النية هنا موجودة، نية التحليل. فوجود هذه النية لأجل أن يحلها للأول تجعل هذا العقد غير صحيح، وهذا الفعل محرم. تجعل هذا الفعل محرم، وقد لعن النبي عليه الصلاة والسلام المحلل والمحلل له، كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وهكذا أيضا في بيوع الربا بجميع صورها وأنواعها، هي من هذا الباب. ما كان منها -يعني- ظاهر، فهذا لا إشكال فيه أنه محرم. وما كان منه على صورة التحايل فهو أيضا يدخل في هذا الباب، فإنها لا تحل ولا تصح، ما دام أنها يتحيل بها على الحرام. قالوا: من ذلك هدايا العمال؛ فإنها لا تحل لهم؛ لأن السبب معروف. يعني ما هو السبب الذي جعله يعطي لهذا العامل هدية؟ إنسان موظف، ويأتي رجل عنده معاملة، فيعطي لهذا الموظف هدية. ما هو الداعي لهذا؟ وما هو السبب لهذه الهدية؟ هل هناك بينه وبينه علاقة ومعرفة غير العمل وغير هذه المعاملة؟ هذا أمر آخر. أما كونه يعطيه لأجل أنه موظف حتى يسهل له المعاملة، هذا هي الرشوة. هذه الرشوة، فهدايا العمال من هذا الباب. يعني الأصل في الهدية أنها مشروعة، الهدية مشروعة ومستحبة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". لكن ننظر إلى السبب والداعي، ما هو السبب والداعي لهذه الهدية؟ فإذا نظرنا في هدايا العمال وجدنا أن الداعي هو الأجل تسهيل المعاملة والقيام بخدمته، وهذا أيضا معنى من معاني الرشوة. وقد جاء في بعض السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هدايا العمال غلول". لكن هذا الحديث ضعيف بهذا اللفظ، ومعناه صحيح، ويدل عليه قصة إمن اللتبية رضي الله عنه. قال: ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في قضية إمن اللتبية الذي أرسله عاملا على الصدقة وحصل له من الناس هدايا. رجل يقال له إمن اللتبية، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عاملا على الصدقة يجمع صدقات من أصحابها، وحصل له من الناس هدايا وعطي له شيء. يقال: هذا لك. فلما جاء قال للنبي عليه الصلاة والسلام: هذا لي وهذا لكم. فأنكر النبي عليه الصلاة والسلام عليه، وقال: "هل لا جلس في بيته فينظر أيهد إليه أم لا؟" يعني لأنه ما ذهب وجلس في بيته، هل سيأتي هؤلاء ويهدون له ما أهدوه إليه؟ الجواب: لا. إذن ما هو الداعي الذي جعلهم يهدون له؟ ها ما هو الداعي والسبب الذي جعلهم يهدون له؟ هو لأجل أن يعني يحسن تعاملهم أو يخفف عنهم أو شيء من ذلك من معاني من معاني الرشوة. لأجل هذا أنكر النبي عليه الصلاة والسلام عليه، وأنكر على ما أخذ عليه الصلاة والسلام. قال: فاعتبر السبب الحامل لهم على الإهداء، مع أن -كما سمعنا- الأصل في الهدية أنه مشروعة. قال: ومن أهدي إليه خوفا أو حياءا وجب عليه الرد. هذا أيضا من هذا الباب. الأصل في الهدية أنه مشروعة ومستحبة، فإذا كان الإهداء على جهة الخوف -على جهة الخوف- يعني أن إنسان خاف من إنسان فأهدى إليه هدية حتى يدفع عنه ما يخاف منه، هذا أن تدخل في هذا الباب، فلا تحل؛ لأنها ليست عن رضا؛ لأنها ليست عن رضا، وإنما بسبب الخوف. أو كانت حياءا، كانت حياءا، استحيا منه فأهداه إليه. يعني نظر مثلا إلى أخيه أو صاحبه ومعه شيء أعجبه، قال: ما شاء الله، من أين هذا؟ مثلا قلم هذا قلم جيد، ما شاء الله. قال: خذه. استحيا أعطاه إياه. هذا لا يحل للآخذ؛ لماذا؟ لأن أهدي له على جهة الحياء. أهدي له على جهة الحياء أيضا هذا لا يحل؛ لماذا؟ لأن الأموال لا تحل إلا على جهة التراضي، كما سمعنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه". إلا بطيب نفس منه، وما خرج على جهة الخوف أو الحياء، فإنه لم يخرج على جهة طيب النفس، فالأجل هذا لا يحل. طيب ما تبقى إن شاء الله نكمله في درس قادم. إله ناصر الله، وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.