الدرس في القواعد والأصول الجامعة 85، ألقاها
الوارث يقوم مقام مورثه في الحقوق والمال، ويرث ماله وحقوقه، ويقضي ديونه. الوارث له التصرف في التركة بشرط ضمان الدين المتعلق بها.
الوارث لا يطالب بأكثر مما تركه الميت من تركة إذا كانت الديون أكثر منها، ويمكنه التبرع بسداد الدين. الوارث يقوم مقام المورث في تلقي الحقوق والالتزامات.
الوارث يقوم مقام المورث في الحقوق المالية مثل خيار العيب والتدليس والرهون والضمانات. هناك خلاف حول قيامه مقامه في خيار الشرط والشفعة، والصحيح أنه يقوم مقامه فيها.
يشير إلى عدم وجود تعليل صحيح لحديث معين، ويؤكد صحة الحديث. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله، في كتاب القواعد والأصول الجامعة: القاعدة السادسة والخمسون: يقوم الوارث مقام مورثه في كل شيء. يقوم الوارث في مقام مورثه في كل شيء، يعني إذا مات الميت، فإن وارثه يقوم مقامه. يقوم مقامه فيما يتعلق بالأموال، وفي الحقوق من أمور البيع والشراء، وما يتعلق بهما، فإن الوارث يقوم مقامه. قال: لأنه لما مات الميت، وانتقل ماله إلى ورثته، وهو ما خلفه من أعيان أو ديون وحقوق، فناب الوارث مناب مورثه في مخلفاته. إذا مات الميت، ينتقل كل ما بحوزته إلى الورثة. كل ما كان بيده، فإنه ينتقل إلى الورثة. فكما أن الوارث يرث مال مورثه، فإنه كذلك أيضًا يرث القيام بحقوقه التي يستحق القيام بها. فقال هنا: وانتقل ماله إلى ورثته، وما خلفه من أعيان، كأموال وأراضي وبيوت والسيارات ونحوها، فإنها تكون للوارث. أو ديون، كذلك إذا كان للميت ديون عند الناس، فإن الوارث يكون هو المطالب بها، وهو المستحق لها؛ لأنه قائم مقام مورثه. وهكذا الحقوق، إذا كان للميت حق من الحقوق، كالقصاص أو حد قذف أو نحو ذلك، فيقوم الوارث مقامه. قال: فناب الوارث مناب مورثه في مخلفاته. وسواء كانت هذه الحقوق له أو كانت عليه، لو كانت له أو عليه، فإن الوارث يقوم مقامه. قال: فيطالب بالديون المتعلقة بالموروث، ويقضي الوارث ديونه، وينفذ وصاياه إن لم يكن له وصي. يعني إذا مات هذا الميت المورث، وقد أوصى، فالذي ينفذ الوصية هو الوارث، يقوم مقام الموصي، إلا إذا كان له وصي، يعني أوصى إلى رجل آخر من غير الورثة أن يقوم برعاية شيء من ماله، أو أوصى أن يقوم برعاية بعض أقاربه أو نحو ذلك، فهنا يكون الأمر إلى الموصى له. لكن إذا لم يوص، فالذي ينفذ الوصية هو الوارث. قال: وله أن يتصرف في التركة، ولو كان المورث مدينًا، بشرط ضمان الوارث الدين المتعلق بالتركة. وله أن يتصرف في التركة، يعني الوارث له التصرف في التركة؛ لأنه كما علمنا يقوم مقام المورث. ولو كان المورث مدينًا، يعني عليه ديون، بشرط ضمان الوارث الدين المتعلق بالتركة. يعني لو أنه استعمل شيئًا من أموال التركة على أنه يضمنها ويردها، فلا بأس. كما أن المالك، وهو الميت، لو تصرف في ماله كيف شاء، وكذلك أيضًا الوارث له حق في ذلك، لكن مع ضمان هذا المال. قال: ولكن لا يطالب الوارث بأكثر مما وصل إليه من التركة. يعني لو أن الميت المورث مات، وعليه ديون، والتركة أقل من الدين، التركة أقل من الدين، فلا يطالب الوارث بأكثر مما خلفه الميت. مثاله: مات هذا الميت، وعليه دين ألف، وترك من التركة خمسمائة، فلا يطالب الوارث بأكثر من خمسمائة. لا يأتي صاحب الدين ويقول للوارث: هات الألف التي على أبيك. يقال: لم يترك الميت إلا خمسمائة، فليس لك إلا خمسمائة، ولا يلزم الوارث أن يسدد الدين على مورثه، ولو كان أبوه، ولو كان أبوه، لا يلزمه ذلك. لكن إن تبرع، إن تبرع بسداد الدين الذي عليه، فهذا أمر حسن، لكن ليس على سبيل الإلزام والوجوب، فإنه لا يلزم بذلك. ونبه بعض أهل العلم، كابن عثيمين رحمه الله، إلى خطأ بعض الورثة، من ربما يذهب فيسأل الناس، ويذل نفسه من أجل سداد الدين عن مورثه، وهذا خطأ، هو غير ملزم بذلك، حتى يذهب يسأل ويذل نفسه من أجل ذلك. فإن تيسر أن يسدد الدين مما خلفه الميت، فالحمد لله، وإلا فليس على الوارث شيء، ليس على الوارث شيء. وصاحب الحق إما أن يصبر، وإما أن يعفو، وإما أن يطالب بحقه من الميت يوم القيامة. لكن إن تبرع الوارث، هذا أمر حسن، إن تبرع بسداد الدين وقضائه عن المورث، فهذا لا شك أنه أمر حسن. قال: لأنه لم يكن شريكًا للميت، وإنما كان بمنزلة النائب عنه في موجوداته. يعني لا يطالب بأكثر مما تركه الميت؛ لأنه ليس شريكًا له حتى يطالب بذلك، وإنما هو نائب عنه فقط، هو نائب عنه يقوم مقامه عند عدم وجوده. قال: وكذلك يتلقى عنه أمواله وحقوقه، مثل خيار العيب والغبن، وغبن التدليس، ومثل الرهون والضمانات ونحوها. يعني أن الوارث كذلك يقوم مقام المورث في المطالبة بهذه الحقوق. لو أن الميت قبل موته اشترى سلعة، وبعد أن مات تبين أن في هذه السلعة عيبًا، أو أن في هذه السلعة تدليسًا، هل للوارث أن يطالب بخيار العيب، ويرد هذه السلعة لوجود هذا العيب أو وجود هذا التدليس؟ الجواب: نعم له ذلك؛ لماذا؟ لأنه يقوم مقام المورث. لما كان هذا الميت حيًا، كانت هذه السلعة ملكه، فلما مات انتقل الملك للوارث، وقام مقامه، فله أن يطالب بخيار العيب والتدليس. وهكذا أيضًا الرهون والضمانات كذلك، يعني لو كان الميت له دين على شخص، فيه رهن، له دين على شخص، فيه رهن، فإنه بموته لا يبطل الرهن، بموته لا يبطل الرهن، بل يبقى من حق الورثة. قال: وإنما اختلف العلماء: هل يقوم مقامه في خيار الشرط، وفي حق الشفعة إذا لم يطالب بذلك؟ والصحيح قيامه مقامه فيها كغيرها. هل يقوم مقامه في خيار الشرط؟ يعني لو أن هذا الميت قبل موته باع أو اشترى من شخص سلعة، واتفق معه على أن له خيار الشرط. لو نقول مثلًا: اشترى سيارة، وله مهلة مدة شهر، خيار الشرط شهر، إن عجبته السيارة أخذها، وإن لم تعجبه ردها. في أثناء هذا الشهر مات، هل للوارث أن يطالب بهذا الخيار، خيار الشرط، فيقوم مقامه في إمضاء هذا البيع أو في رد هذه السلعة؛ لأنه له الخيار في خلال هذا الشهر؟ الجواب: نعم له القيام أو المطالبة بخيار الشرط؛ لأنه يقوم مقام المورث. وهكذا أيضًا في حق الشفعة، لو كان هذا الميت شريكًا مع آخر، ثم باع الشريك نصيبه في أرض مثلًا، أو في بيت لهما حدود مشتركة، فمات بعد ذلك بأيام، هل للوارث أن يطالب بحق الشفعة، ويقول: إنه أولى بشراء هذه الأرض أو هذا البيت من شريكي؟ أو ليس له ذلك؟ الجواب: له ذلك؛ لماذا؟ لأنه يقوم مقام مورثه. فكما أن المورث إذا كان حيًا له أن يطالب بخيار الشرط أو الشفعة، فكذلك أيضًا يقوم الوارث مقامه في ذلك، وله أن يطالب بالشفعة. قال: والصحيح قيامه مقامه فيها كغيرها. هذا معنى هذه القاعدة: يقوم الوارث مقام مورثه في كل شيء. والجمهور، والمشهور عن أحمد، أنه لا يقوم فيها مقام مورثه، بل تبطل بموت المورث إن لم يكن طالبًا بها. يعني إذا لم يطالب المورث بحق الشفعة في حال حياته، حين باع هذا الشريك نصيبه، ولم يطالب بالشفعة، فمات بعد ذلك، فليس للوارث أن يطالب بحق الشفعة. قال: والصحيح أنها مثل غيرها؛ لأن المقصود واحد، وليس على إبطالها دليل، ولا تعليل صحيح. يعني ليس هناك دليل على إبطال مطالبته بالشفعة، ولا هناك تعليل، يعني ذكر العلة والحكمة التي تدل على عدم حقه للمطالبة بالشفعة. قال: ولا تعليل صحيح، وما قيل فيها من التعليل موجود في غيرها. والله أعلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.