وقفات مع أواخر آيات سورة الجمعة

الخطبة بعنوان وقفات مع أواخر آيات سورة الجمعة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 29 رجب 1440هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

السعي لصلاة الجمعة والنهي عن البيع عند النداء

يستعرض المقطع آيات سورة الجمعة الآمرة بالسعي إلى ذكر الله عند النداء، مبيناً أن السعي المقصود هو الاهتمام والخشوع لا الإسراع البدني، ومؤكداً وجوب ترك البيع والتجارة فور سماع النداء الثاني مع وجوب إنصات الخطبة المشبعة بالقرآن والسنة.

تحريم البيع عند صعود الخطيب وفضل التبكير

يقرر المقطع حرمة البيع والشراء على من تجب عليه الجمعة بمجرد صعود الخطيب المنبر، ووجوب الحضور والاستماع من أول الخطبة، مستعرضاً الأجر العظيم للتبكير إلى المسجد وأن الخلق إنما خُلقوا لعبادة الله لا لطلب الدنيا.

الانتشار لطلب الرزق بعد الفراغ من الصلاة

يشرح المقطع الأمر الإلهي بالانتشار في الأرض لابتغاء فضل الله بعد فراغ صلاة الجمعة، محذراً من الاشتغال بالتجارة واللهو عن ذكر الله، مستشهداً بسبب نزول الآيات في انصراف القوم عن خطبة النبي ﷺ لعير تجارية، ومؤكداً أن ما عند الله خير وأبقى.

خاتمة الدعاء بالاستغفار والصلاة على النبي

يختتم الدرس بدعاء جامع يطلب فيه المغفرة والرحمة والتوبة وتقوى النفس وتزكيتها، مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. نقف وإياكم أيها المسلمون بعض الوقفات مع هؤلاء الآيات من آخر سورة الجمعة. يقول الله عز وجل في أولها وهو ينادي عباده المؤمنين بأحب الأوصاف إليهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾، والمراد بالنداء هاهنا هو النداء الذي يكون بين يدي الإمام حين يصعد على المنبر. ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾، المراد بالصلاة صلاة الجمعة وخطبة الجمعة. ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي أقصدوا واهتموا إلى سيركم إلى الصلاة. فإن المراد بالسعي في هذه الآية ليس المشي السريع، وإنما المراد بالسعي هاهنا الاهتمام بهذه العبادة، كما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾. أما المشي السريع فقد نهي عنه عند الإتيان إلى الصلاة، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: «والله ليس بالسعي على الأقدام، فلقد نهوا أن يأتوا إلى الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، وإنما بالقلوب والنية والخشوع». فينبغي للمسلم أن يلبي نداء الله وأن يحرص على إدراك خطبة الجمعة وصلاة الجمعة، فإن ذلك واجب عليه، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، والمراد بذكر الله أي خطبة الجمعة، فإن الله عز وجل أوجبها على كل مسلم بالغ عاقل ذكر مقيم صحيح. وتأمل معي يا أخي المسلم قوله تعالى: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، لتعلم أن الخطبة ينبغي أن تكون مشبعةً بذكر الله، بآياتٍ من كتاب الله، وبأحاديث من أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبهذا تتذكر القلوب وبهذا تتعظ النفوس. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾، أي القرآن هو الموعظة التي تتعظ به القلوب. ولذلك كان رسول الله عليه الصلاة والسلام لربما خطب خطبةً كاملة بسورةٍ من القرآن لا يزيد عليها، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أم هشام بنت حارث أنها حفظت سورة ق من في رسول الله عليه الصلاة والسلام حين يخطب بها. فينبغي للخطيب أن يشبع خطبته من ذكر الله عز وجل، لا تكون الخطبة خالية من ذكر الله، لا تكون الخطبة عبارة عن نشرات إخبارية أو مناكفات حزبية أو تحليلات سياسية أو كذلك أقوال جاهلية، وإنما تكون بالقرآن والسنة. ثم قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، أي تركوا البيع في هذا الموطن، ولا تنشغلوا بشيء عن سماع ذكر الله وأداء صلاة الجمعة. ولذلك ذكر العلماء أن من وجبت عليه الجمعة لا يجوز له أن يبيع ويشتري عند صعود الخطيب على المنبر، بل الواجب عليه أن يسمع الذكرى وأن يقيم الصلاة. واختلف العلماء هل يصح البيع إذا تعاطاه متعاطٍ تجب عليه الجمعة على قولين لأهل العلم، وظاهر الآية أنه لا يصح لأن النهي في ذات المنهي عنه، وهذا ما حققه جمع من المحققين. لتعلم أخي المسلم أن من فرط في خطبة الجمعة وصلاة الجمعة خسر في دينه ودنياه، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، أي إقبالكم على ذكر الله وعلى أداء الصلاة خير لكم في دينكم ودنياكم. أما في دنياكم فإن ذكر الله وأداء الصلاة سبب للبركة في الرزق والأهل والولد، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْتَّقْوَى﴾. وكما قال الله عز وجل في آخر هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. فيعباد الله، يؤخذ أولاً من هذه الآية وجوب حضور خطبة الجمعة لمن وجبت عليه، ومن باب أولى وجوب أداء صلاة الجمعة، وأن القدر الواجب في الحضور عند ابتداء الخطيب بخطبته. فليس معنى قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أنك إذا سمعت النداء ذهبت إلى بيتك واغتسلت ولبست ثم خرجت، فلم تأتِ إلى المسجد إلا وقد انتهى الخطيب من خطبته أو من بعض صلاته، ليس الأمر كذلك، بل المراد أن تسعى مباشرة إلى المسجد، فتتجهز وتتهيأ قبل أن يصعد الخطيب على المنبر. ولذلك حث الشرع على التبكير إلى المسجد في يوم الجمعة، ورتب على ذلك الأجور العظيمة. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل جنابة ثم راح إلى المسجد في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا صعد الخطيب على المنبر طوت الملائكة صحفها واستمعت الذكر». انظروا إلى هذا الأجر العظيم، على قدر تبكير المسلم ينال هذا الأجر. وهكذا جاء عند الإمام أحمد وعند الترمذي وغيرهما، وصححه العلامة الألباني، من حديث أوس بن أوس الثقفي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنى من الإمام فاستمع ولم يلغُ كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها». أين المتنافسون؟ أين المجتهدون؟ أين المشمرون؟ ولا يستثنى من ذلك إلا الخطيب، فإنه يأتي من بيته مباشرة إلى المنبر، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. فاحرص يا أخي المسلم على أن تنال هذا الأجر العظيم، وأن لا يفوتك قدر الوجوب، فإنك إن تهاونت في التبكير لربما تمادى بك الشيطان حتى جئت إلى المسجد وقد انتهى الخطيب من خطبته. وفي هذه الآية كما تقدم تحريم البيع والشراء لمن وجبت عليه الخطبة عند صعود الإمام على المنبر، لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، أي اتركوا البيع، مع أن الأصل فيه الحل والإباحة، ولكنه لما تعارض مع أمر من أوامر الله عز وجل حرم في هذا الموضع. لتعلم أخي المسلم أنك لم تخلق من أجل البيع والشراء، ولا من أجل هذه الدنيا وملذاتها، وإنما خلقت من أجل عبادة الله، فهي الأصل وهي الغاية التي من أجلها خلقت: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. نسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، ثم قال ربنا عز وجل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، إذا انتهت الصلاة وفرغتم من هذه العبادة العظيمة فانتشروا في الأرض، أخرجوا إلى مصالحكم وإلى بيعكم وشرائكم وطلبكم للرزق. ولذلك كان عِرَاك بن مالك رضي الله تعالى عنه إذا انتهى من صلاة الجمعة وانصرف وقف على الباب وقال: «اللهم قد أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، إنك أنت الرزاق». وهذا فيه عباد الله أن البيع والشراء والمكاسب ليست بمحرمة، وإنما حرم الله عز وجل الالتهاء بها والانشغال بها عن أمر الله. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. هذه هي الخسارة الحقيقية، يوم أن يلهي كمالك عن واجب مما أوجب الله، أو عن الوقوع في محرم حرمه الله. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم واصفًا صحابة نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. هذه هي صفات المؤمنين الصادقين، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، عن إقام الصلاة. قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، أي من رزق الله عز وجل الذي هيأه لكم ورزقكم إياه. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي لا تغفلوا عن ذكر الله وإن كنتم في بيعكم وشرائكم، وإن كنتم في تجاراتكم، فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم. قال العلماء: إنما ذكر ربنا عز وجل وذكر بكثرة ذكره في هذا الموضع لأن التجارة والبيع والشراء مظنة الغفلة عن ذكر الله عز وجل، فحث ربنا سبحانه وتعالى في هذا الموضع على الإكثار من ذكره، وأنه سبب للفلاح: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ثم قال ربنا عز وجل في ختام هؤلاء الآيات: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، أي ذهبوا إليها وحرصوا على الذهاب إليها، وتركوك على منبرك قائماً. ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾. ما هو ذلك الخير؟ خير في الدين والدنيا. فكما تقدم، الحرص على ذكر الله وعلى سماع خطبة الجمعة سبب للفلاح، وذلك بسماع الخير وتهذيب النفوس وتصحيح الأخطاء، وهكذا تعليم العلم ونحو ذلك من المقاصد والفوائد العظيمة. وهكذا فيه خير لكم لما في الطاعة والعبادة من رضا الله عز وجل، ومن تكفير السيئات، ومن رفع الدرجات، ومن كذلك زيادة الإيمان، ونحو ذلك من فوائد ومنافع عظيمة لمن أدى ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه. وهذه الآية لها سبب نزول، فقد جاء في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: «قدمت عير مرة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ الآية». فذكرهم الله عز وجل أن بقاءهم وسماعهم للذكر وأداءهم للصلاة خير من اللهو ومن التجارة، وأن الرزق على الله عز وجل، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، وأن من أعظم أسباب البركة في الرزق وكسب الرزق الحلال الطيب ذكر الله والصلاة وطاعة الله عز وجل، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فهؤلاء آيات عظيمة ينبغي للمسلم أن يتدبرها وأن يعمل بما فيها، وأن يحرص على التبكير إلى المسجد في يوم الجمعة، وأن يحذر كل الحذر من أن يتأخر عن سماع الخطبة، فإن الله عز وجل قد أوجبها عليك أخي المسلم بنص هذه الآية. بل ذكر العلماء، الحافظ بن كثير في تفسيره يقول: «اتفق العلماء على تحريم البيع والشراء عند صعود الخطيب على المنبر، اتفق العلماء»، فدل ذلك على وجوب سماع الخطبة وأداء الصلاة. فالواجب عليك أن تتجهز قبل الخطبة، كي إذا صعد الخطيب على المنبر وقد هيأت نفسك وسمعت إلى الخير والموعظة. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.