الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  106

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 106

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 106، ألقاها

مقدمة في شرح حديث التسعير

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول التسعير وتوضيح دور الله في تحديد الأسعار. الحديث يبين مسائل عقدية وفقهية حول التسعير.

التسعير والقبض والبسط أفعال الله

توضيح معنى التسعير والقبض والبسط كأفعال لله عز وجل والخلاف حول اعتبارها أسماء لله. يتطرق إلى مسألة تسمية الأشخاص بأسماء مثل عبد المسعر.

حكم التسعير في الإسلام وتطبيقاته

بيان حكم التسعير في الإسلام وجوازه في حالات الاحتكار أو رفع الأسعار بشكل غير عادل. يمكن للحاكم وضع تسعيرة عادلة في ظروف معينة.

تحريم بعض الممارسات المتعلقة بالتسعير

تحريم الطريقة الأولى في التسعير وعدم جوازها، ويشير إلى أن هذا جزء من مسائل تذكر في الحديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل من هذه الوادع رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وهو عثمان بن محمد بن القاسم بن إبراهيم العبسي رحمه الله، حافظ من حفاظ الحديث، وهو أخو الحافظ الكبير عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وهناك أيضًا أخ لهم ثالث وهو قاسم، قال: أخبرنا جرير -وهو ابن عبد الحميد- وهو ابن مسلم الصفار أبو عثمان البصري، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، وهو حماد بن سلمة بن دينار البصري رحمه الله، قال: أخبرنا ثابت عن أنس بن سيرين، أو عن أنس بن مالك، وقتادة وهميد عن أنس بن مالك. حماد بن سلمة رحمه الله من الأشياء التي أخذت عليه، كما ذكرنا قبل ذلك، أنه يجمع بين الشيخين في حديث واحد، وقد رووه مفرقًا، فهو يجمع بين ثابت وقتادة وهميد فيجعلهم حديثًا واحدًا، وقد يكون مختلفًا، ولهذا ذكر الإمام أحمد أن هذا مما يعاب على حماد، وذكر أبو يعلى الخليل رحمه الله في كتابه الإرشاد أنه ناظر بعض مشايخه: لماذا لم يخرج البخاري حماد بن سلمة؟ فقال له: إن حمادًا يجمع بين الشيخين ولا يفرق بين رواياتهم، هذا يرويه موصولًا وهذا يرويه غير موصول، أي مرسلًا، وكذا فيجمع بين الروايات. فقال له: فكيف بعبد الله بن وهب؟ فإنه يجمع بين الروايات، يقول: حدثني مالك ومالك عن زيد وابن عيينة وكذا. فقال: عبد الله بن وهب حافظ، وهذا يدل على أنه إذا كان الرجل حافظًا لحديث هؤلاء لا بأس أن يجمع بينهم، مثل ما يفعل الزهري. وأما أن يخلط بين الروايات فهذا هو الخطأ. فهذا الحديث رواه حماد بن سلمة عن ثابت وقتادة وحميد. أما ثابت فقد جاء أيضًا عن غير حماد، وأما وقتادة وحميد فلم يروه إلا حماد بن سلمة. وقتادة قد جاء عنه هذا الحديث، رواه عنه سعيد بن أبي عروبة، لكن عن أبي نظرة عن أبي سعيد، وليس عن أنس. وقد يكون هذا من تخليط حماد أو أنه حفظه، والله أعلم، لكن الحديث صحيح. قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال الناس: يا رسول الله، غلا السعر فسعر لنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. والحديث أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه. فهذا الحديث فيه أن السعر غلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا، أي اجعل لنا سعرًا محدودًا حتى لا يغلو السعر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال». وهذا الحديث فيه فوائد ومسائل عقدية، وكذلك مسائل فقهية. فمن المسائل العقدية: هل الله عز وجل يسمى بالمسعر؟ أو بالمسعر ويسمى بالقابض والباسط والرازق؟ فالمسعر هو فعل من أفعال الله عز وجل، وهل هو اسم؟ فأكثر العلماء الذين ألفوا في هذا الباب كالإمام ابن عبد البر والبيهقي وابن منده قبلهم، وكذلك جماعة من المعاصرين كالشيخ ابن باز وغيرهم، أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية لم يذكروا هذا الاسم، لم يجعلوه اسمًا من أسماء الله جل وعلا المسعر، لأنه الأصل أنه فعل، أي فعل التسعير، الله عز وجل هو الذي يسعر، والمراد التسعير أي يجعل الأسباب التي يغلو بها السعر أو ينخفض. من المعلوم أن السعر يغلو وينخفض، معنى يغلو السعر لسببين: إما لعدم وجود هذه البضاعة في السوق، وإما لكثرة الطلب لها، قد تكون موجودة لكن الناس يطلبونها كثيرًا فيزداد سعرها. فهذه الأسباب هو يقدرها الله سبحانه وتعالى، فهو مقدر الأسباب جل وعلا، فلهذا نسب إليه التسعير، إن الله هو المسعر، لأنه هو الذي مدبر الأشياء ومدبر ما يكون في هذا الكون، فهنا التسعير المراد به ما يكون من التدبير في هذا الكون، التدبير الكوني لا التدبير الشرعي. فالتدبير الشرعي يكون عند الناس، هم الذين يتحكمون في أسعاره، وممكن أن الوالي أيضًا يتحكم في سعر البضاعة، وهذا لوجود الأسباب التي كما سيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها. فلهذا فهو فعل من أفعال الله عز وجل. فهل يشتق من الفعل اسم؟ فقال بعض العلماء: أن هذه أفعال غالبًا أفعال جامدة لا يشتق منها اسم، فلهذا لم يجعل الله عز وجل اسمه المسعر. وهنا جواب أيضًا للشيخ ابن عثيمين رحمه الله، فقال: إن الذي يعتقد أنه ليس اسمًا من أسماء الله، لكن ما دام جاء في الحديث فيمكن أو لا ينكر على من نسبه وجعله اسمًا، أو كما قال رحمه الله. وإلا فهو لم يجعله من الأسماء التي ذكرها في القواعد، مثلًا. كذلك القابض الباسط، هل هي من أسماء الله عز وجل؟ فأكثر العلماء لم يجعلوها من أسماء الله، والبيهقي وغيره جعلها من أسماء الله، لأن القابض الباسط قد جاءت في القرآن وفي السنة ذكر هذه الصفة لله عز وجل، وهي القابض والباسط، جاءت في القرآن وجاءت كذلك في السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف ربه جل وعلا بالقبض والبسط، يقبض ويبسط، يقبض القسط ويرفعه، ويقبض ويبسط. فهذه صفة لله عز وجل في القبض والبسط، وهي أيضًا من أفعال الله عز وجل. فجعلها بعض العلماء كما قلنا من أسماء الله جل وعلا، إلا أن أيضًا أكثر العلماء لم يجعلوها من أسماء الله، كابن منده وابن عبد البر، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم. فلهذا حصل فيها خلاف. ولهذا هل يسمى عبد الباسط وعبد القابض وعبد المسعر؟ فالأفضل أن لا يسمى كذلك، لأن هذه غالبًا أفعال، والغالب الأفعال التي تكون جامدة يكون الفعل، تكون هذه الأسماء أو هذه الأفعال جاءت على صيغة الخبر، على صيغة الخبر وليس على صيغة الاسم، قال: «إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق». وجاء في رواية الرزاق، جاء في رواية الرزاق، وجاء الرازق، واتفق العلماء على دخول هذين الاسمين من أسماء الله عز وجل في أسماء الله، سواء كان الرزاق أو الرازق، لأنه قد جاء في القرآن: «إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين». فجاء في القرآن، وهنا جاء في هذا الحديث. لكن إبعاد كثير من أهل العلم الثلاثة الأسماء الأولى، وإدخال هذا الاسم فيه شيء، أقصد أنه لا بد أن يكون هذا الاسم قد جاء في غير هذا الحديث، وهو اسم الرازق. ولأن أكثر المصنفين في هذا الحديث جاءت الرزاق، جاءت الرزاق وليس الرازق، ولفظ الرزاق أعني معنى أكثر صيغة أو أكثر فعلًا وأبلغ من الرازق، الرزاق أبلغ من الرازق. طيب أيضًا كذلك في هذا الحديث: أن الله هو المسعر القابض الباسط، أي له التدبير سبحانه وتعالى، وأمر الأرزاق عنده جل وعلا، أمر الأرزاق بيده سبحانه وتعالى، فهو الذي يجعل الأرزاق كثيرة، وهو الذي يجعل الأرزاق قليلة، وهذا بسبب حكمته وعدله سبحانه وتعالى، وتصرفه في عباده وفي أرزاقهم وما يدخل عليهم، فهذا التدبير وهو التدبير الكوني، فهنا المراد به التدبير الكوني، إن الله هو المسعر. وأما التدبير الشرعي وهو ما يحبه الله عز وجل، هو أن الله عز وجل يحب الرفق في الأمر كله، فكلما كان سعر أرفق بالناس فهو يعتبر من التدبير الشرعي، أرفق بالناس كلما كان أرفق فهو تدبير شرعي. وأما من ناحية المسألة الفقهية في هذا الباب، هو هل يجوز التسعير أو لا يجوز؟ فصرح الإمام الشافعي وأحمد بأن التسعير لا يجوز، لا يجوز للحاكم أن يجعل سعرًا معينًا في سلعة من السلع، لا يجوز له أن يجعل سلعة معينة وفي شيء من هذه السلع يقول: هذه السلع لا تباع إلا بكذا، وخاصة إذا كانت هذه السلع موجودة عند الناس، وأيضًا يشتريها التجار بأسعار مختلفة، فيأتي الحاكم ويقول: هذه تباع السلع بكذا لا تباع بغيره، فهذا هو التسعير المحرم. لكن إذا كان هناك أناس تجار يبيعون بعض السلع لا يباع مثلها في الأسواق، أو أنهم يحتكرون بعض السلع ولا يبيعها إلا هم، فمثل هذه الحالة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يجوز للحاكم اتفاقًا، اتفاق من أهل العلم، يجوز له بدون اتفاق، ولم ينازع فيه أحد أنه يجوز له أن يسعر، يضع تسعيرة لهذا المعنى، يضع تسعيرة المثل الموجودة في الأسواق، وهذا كما قلنا إذا كان هذا التسعير عن احتكار أو أنه لا يباع مثله في السوق، أن بضاعة لا تحتاج إلى هذا السعر الكثير، فيأتي بعض التجار ويرفعها أو يتواطؤون على رفعها، يتواطؤون على رفعها، فيجوز للحاكم أن يلزمهم بسعر بسعر المثل، أنا بسعر المثل، لا ليس أنه سعر معين يعينه، حتى أنه مثلًا على الأسعار الموجودة التي كان يعرفها الناس، التي كان يعرفها الناس. فهذا قد يحصل مثلًا إما احتكار لبعض السلع فيزيد في سعرها هذا التاجر، أو أن هذه البضاعة مثلًا لا يشتريها إلا فلان وفلان، معنى تجد مثلًا يحتكرها التاجر الذي هو مثلًا من بلاد أخرى، وكذا فلا يبيع إلا لفلان وفلان، معنى يكونوا بكلالة، فهم يتصرفون في البيع والشراء، فهنا إذا رفعوا السلعة بثمن لا يكون مثله في الأسواق، فهنا للحاكم أن يتدخل، للحاكم أن يتدخل. أما إن كانت هذه السلعة موجودة في الأسواق والناس والتجار يشترونها بأثمان مختلفة، فهنا لا يجوز للحاكم أن يجعل بعض الناس أو يجعل سعرًا معينًا لهذه السلعة، فهذا قد يكون فيه ظلم، هذا يكون فيه ظلم لكثير من الناس. فلهذا استدل الإمام الشافعي وأحمد وغيرهما بتحريم هذا التسعير بهذا الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله ظلمًا، فقال: «وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال»، فجعله من الظلم، فهذا يدل على التحريم. وأما كما قلنا إذا كانت العلة فيها إجحاف من التجار والظلم للعباد، فهنا للحاكم أن يتدخل، الحاكم أن يتدخل في هذا الباب، لأن فيه ظلم للناس، وفيه ظلم للناس. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لبعض الناس الذي يخدع في البيوع، أنه يقول: «لا خلابة ولا خداع»، فإذا خدع رد هذا البيع. وكذلك أيضًا الأحاديث التي جاءت في تلقي الركبان وبيع حاضر للباد وغيرها من الأحاديث التي فيها الخيار في البيع، فإنها تدل على جواز تدخل ولي الأمر في مثل هذه الحالات. وقد ذكر كما قلنا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإجماع على أنه جائز، أي يتدخل ولي الأمر في مثل هذه الحالات إذا كان فيه ظلم للناس، معنى أسعار باهظة يجعلونها على الناس بدون أي حق، وهم يشترونها مثلًا بأقل من ذلك بكثير، أو يحتكرها التاجر، يحتكر البضاعة، المراد يحتكرها أن يحبسها حتى إذا رأى أنها قد نفذت في السوق أخرجها وباعها بسعر باهظ، وباعها بسعر باهظ للناس، فهذا لا يجوز، ويجوز للحاكم أن يتدخل في مثل هذه الأشياء. أو مثلًا إنسان أراد أن يصلح أمر السوق، فجمع التجار، ومعنى ألزمهم مثلًا بسعر معين، أو لم يلزمهم لكن صحح لهم أنهم يقللوا في هذه الأسعار لأنها فيها ظلم للناس، فهذا لا يدخل في هذا الباب، لأن القصد كان صحيحًا، وأن الظلم وقع على العباد وعلى الناس، فلهذا دفع هذا الظلم، دفع هذا الظلم. وأما إن كان على الطريقة الأولى فهو محرم ولا يجوز. فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث من المسائل، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.

شاركنا على