الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  111

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 111

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 111، ألقاها

منزلة مكحول الشامي العلمية ومسألة تدليسه

يتحدث هذا الفصل عن الإمام مكحول الشامي ومنزلته العلمية وكثرة إرساله في الحديث، مع مناقشة مسألة تدليسه كما ذكرها بعض العلماء. يبين المقطع آراء العلماء حول مكحول وتدليسه.

تحليل حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يناقش هذا الفصل صحة حديث عن أنس بن مالك المتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحلل سند الحديث ويتناول آراء العلماء حوله خاصة فيما يتعلق بمكحول وكونه مدلسا أو لا.

علامات انتشار الفساد في المجتمع وتحذيرات نبوية

يفصل هذا الفصل العلامات التي تدل على انتشار الفساد في المجتمع كما ورد في الحديث النبوي، ويحذر من الشح المطاع والهوى المتبع وإيثار الدنيا، مشيرا إلى ضرورة الاهتمام بالنفس في ظل انتشار هذه الصفات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام شيخنا بقل بن هاج الواجي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، وظاهر أنه العباس بن الوليد بن مزيد الدمشقي، أبوه صاحب لوزاعي، ووليد بن مزيد وهو ثقة، وكذلك أبوه ثقة. قال: حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، وهو دمشقي أيضا، وهو ثقة، ثققه الإمام أحمد، وذكره أيضا ابن حبان في الثقات وأثنى عليه. قال: حدثنا الهيثم بن حميد، والهيثم بن حميد أيضا دمشقي شامي، وكان يجمع حديث مكحول، حديث أهل الشام، أن يجمعه في كتب، وإلا لم يكن حافظا للحديث، لكنه كان يجمع الكتب ويجمع الأجزاء، خاصة حديث أهل الشام، كان يعتني به، فلهذا قيل لدحيم -هو عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم- قيل له: الهيثم بن حميد يجمع حديث مكحول؟ قال: بل يجمع حديث الأولين والآخرين، إنه كان مهتما بجمع الكتب وجمع الأجزاء، وإلا لم يكن حافظا للحديث، وهذا يشكر عليه؛ لأن هذا فيه حفظ لمصنفات الأئمة، فكان يحفظ حديثهم الذي رووه ويجعلها في أجزاء. قال: حدثنا أبو معيد حفظ بن غيلان الرعيني، وأبو معيد هو أفضل من روى حديث مكحول. ومنهم من يفضل هشام بن الغاز، هؤلاء من أهل دمشق، فمنهم من يقول: أبو معيد هو أوثق من روى حديث مكحول، ومنهم من يقدم هشام بن الغاز، ومنهم من يقدم العلاء. قال أبو معيد حفظ بن غيلان: قال مكحول عن أنس. ومكحول هو أبو عبد الله الشامي، كان إماما من أئمة أهل الشام، عنده علم في الحديث وفي الفقه، كان فقيها يفتي في الشام، كان من أئمة الشام المعدودين، إليه المرجع في الحديث وأيضا في الفتوى. وكان عبدا لامرأة من دمشق، لكن رفعه الله عز وجل بالعلم. ومكحول رحمه الله كثير الإرسال، يعني يروي عن بعض الصحابة ويرسل، يروي عن أبي بن كعب وكذلك عن أبي الدرداء، ولم يلقهم، وهذا يسميه العلماء إرسالا. وفرق بين التدليس والإرسال عند أكثر أهل العلم وأهل الحديث، وبعضهم يخلط، خاصة أهل الوصول، وإلا أغلب أهل الحديث يرون أن الإرسال غير التدليس. فلهذا لم يذكر أحد من المتقدمين الذين يهتمون بهذا؛ كأبي حاتم وبن زرعة والبخاري، وكذلك أيضا الإمام أحمد وابن المديني وجماعة، لم يذكروا مكحولا في المدلسين، لم يذكروه أنه يدلس، وإنما أول من ذكره ابن حبان، أول من ذكر أن مكحولا يدلس ابن حبان، وأقره أيضا الذهبي، ورد عليه الحافظ، رد عليهم الحافظ في الميزان أو في اللسان، فقال: إنه لم يثبت عن أحد من الأئمة أنه اتهمه بالتدليس، وإنما كان يرسل. قال: أما التدليس فما ذكره عنه إلا ابن حبان، لكن الحافظ رحمه الله لعله أخذ بقول ابن حبان وأيضا الذهبي، فذكر مكحولا في الدرجة الثالثة. الإمام الحافظ ابن حجر ألف كتابا سماه "المدلسين" قسمهم إلى خمس أقسام أو إلى خمس طبقات، الطبقة الأولى والطبقة الثانية إما لا يقبل حديثهم؛ لأنهم ما يدلسون إلا عن ثقة، أو أن تدليسهم لا يضر أو قليل. وأما الثالثة فهم الذين كثر تدليسهم، والرابع الذين هم ضعفاء التدليس، والخامسة الذين يشدون في التدليس، وكذلك في الضعف، يدلسون عن الضعفاء كثيرا. فذكر مكحولا من الدرجة الثالثة، ومن المرتبة الثالثة، وهذا يدل على أنه يراه مدلسا. لكن الصحيح أنه لم يأت أنه يدلس عن من لقيه؛ لأن التدليس يكون عن من لقيه. فقال عن مكحول: إنه سمع مالكا. بعض العلماء ضعف هذا الحديث لأجل أنه مكحول لم يسمع من أنس. والصحيح أنه قد أثبت سماعه الإمام البخاري في التاريخ الكبير، أثبت سماعه في التاريخ الكبير. لكن الشيخ الألباني رحمه الله مثل هذا الحديث يضعفه؛ لأنه يرى أن مكحول مدلسا، وقد روى عن أنس وهو لم يسمع منه. لكن هذا الحديث قد خالف فيه أبو معيد، فقد روى هذا الحديث زيد بن واقد عن مكحول، رواه عن كثير بن مرة عن رجل من الصحابة. يعني رواه هذا الحديث زيد بن واقد كما ذكر أبو حاتم في "العلل" أن أبا واقد أو زيد بن واقد روى عن مكحول عن كثير بن مرة عن رجل من الصحابة. فالظاهر أن هذا الحديث ليس من حديث أنس، وإنما هو من حديث رجل من الصحابة، وصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول، فالحديث لا شك في صحته. قال أنس بن مالك: قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم. قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: ﴿الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في ردالتكم﴾. قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿والعلم في ردالتكم﴾: إذا كان العلم في الفساق. قال الشيخ: هذا حديث حسن. وأخرج في "السنة" عند أحمد، سقط الهيثم بن حميد، وفيه تصحيف أبو معيد إلى بسعيد، فالحديث صحيح. وفيه هذا الأمر: قيل يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ والمراد أي نتركه جهرا، أي لا نجهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هكذا قال بعض الشراح. وقيل: إن المراد أن الإنسان يسكت، معنى يأمر وينهى بقلبه، أو ينهى بقلبه إذا رأى منكرا نهاه بقلبه. قد جاء في حديث في صحيح مسلم عن نبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». إذا لم يستطع أن يغير هذا المنكر بقلبه أو بلسانه، فأيضا يغيره بقلبه، وذلك أضعف الإيمان، ولا إنكار بعد ذلك بعد القلب؛ لأنه إن لم ينكره بقلبه فمعنى ذلك أنه لا ينكر المنكر، وأنه غفل قلبه عن مثل هذه الأشياء. فقال هنا في هذا الحديث: متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم. قلنا: يا رسول الله، ما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: ﴿الملك في صغاركم﴾، أي في الصغار الذين فيهم الطيش وفيهم الحدة وفيهم كذلك عدم الحنكة في التصرفات، فغالبا يستعجلون في تصرفاتهم، فالملك يكون فيهم، فيكثر الفساد في الناس؛ لأنه الصغار غالبا إذا وجد المال ووجد الشهوات يفسد، لهذا كثير من ملوك بني العباس خاصة أفسدوا كثيرا، وخاصة آخر الملوك أفسدوا كثيرا؛ لأنهم كانوا صغارا وكانوا أيضا يحبون الشهوات، فدخلت الشهوات في نفوسهم، وصار الفساد في البلاد؛ لأن الحاكم إذا فسد فسدت الرعية. قال: ﴿والفاحشة في كباركم﴾، هنا الكبار فسر بمعنيين: فسر بمعنى سن كبار السن، وفسر بمعنى الكبار، معنى الوجهاء، وجهاء الناس والذين يرجع إليهم الناس، وهذا أقرب من الأول. والفاحشة في كباركم: أن الفاحشة انتشرت عند كبار الناس وقدوة الناس والمسؤولين في الناس والذين يديرون ويجلسون الناس، تنتشر فيهم الفاحشة، فهذا أمر عظيم. فإذا انتشرت في الكبار والحكام لا يستطيع الراعي أو أحد من الرعية أن ينكر؛ لأنه لو أنكر لأخذه هذا المسؤول أو هذا الحاكم أو سجنه وعذبه؛ لأن هؤلاء إذا انتشرت الفاحشة في هؤلاء لا شك أنهم سيدافعون عنها، وأيضا ما يجعلون أحدا ينكرها جهرا. قال: ﴿والعلم في ردالتكم﴾، العلم ينتشر أيضا في الردالة، في الفساق، تجد الرجل عنده علم، لكن ما عنده دين، ما عنده ورع يرجع إليه، ما عنده تقوى، بل يفتي بشهوات الناس وملذات الناس، يفتيهم بما يريدون وما يهون، فلهذا ينتشر أن هذا من الدين، ينتشر الفساد باسم الدين، ينتشر الفساد باسم دين الله عز وجل، فلهذا لا يستطيع أحدا أن يغير؛ لأن الناس يحسبون أن هذا حلال، وقد أفتاهم العالم الفلاني. ولهذا تجد الآن فتاوى يستحى منها، فتاوى بعض ممن يتلبس بالعلم، سواء كان في المعاملات أو في الربا، إجازة الربا أو إجازة بعض الفواحش، أو بعضهم يجيز للنساء أن يختلطن أو بالماء هذا الذي يسمونه إذا كان عند محارمها أو كما يقولون، فهذا أيضا فيه شيء من الردالة والفساد. فلهذا إذا حصل مثل هذه الأمور لا يستطيع أحد أن يغير بعد ذلك؛ لأن الناس يعتقدون أن هذا من الدين. فلهذا قال: إذا ظهر فيكم مثل هذه الأشياء: ﴿الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في ردالتكم﴾، فهذا قد ظهر، معنى ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقد جاء كذلك في الحديث: «إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب المرء بنفسه فعليك بخاصة نفسك ودع أمر العام». فعليك بخاصة نفسك إذا حصل هذا الفساد العظيم في الناس، فإن الإنسان يكون يحرص على نفسه وعلى خاصته، يحرص على نفسه وعلى خاصته، خاصته: معنى من كان على ما هو عليه من الخير، وينتبه إلى أهله حتى لا يقع في هذا الفساد، يتعاهد أهله ويتعاهد أصحابه ويتعاهد من كان معه على طريق الخير؛ فإنه يعتضد به ويأتزر به حتى ينجو من هذا الفساد الحاصل. إذا رأيتم شحا مطاعا، الشح المراد به الأنانية والطمع، إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب المرء برأيه، قال: فعليك بخاصة نفسك ودع أمر العام. فهذا شيء مما يذكر في شرح هذا الحديث، فنكتفي بذلك. والله تعالى أعلم.

شاركنا على