التعليق على العقيدة الطحاوية 79

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 79، ألقاها

مفهوم الخروج على الحكام ووجوب طاعة ولي الأمر

يناقش المقطع مفهوم الخروج على الحكام ووجوب طاعة ولي الأمر مستندًا إلى أقوال الإمام الطحاوي وآيات وأحاديث نبوية. طاعة الحاكم من طاعة الله ورسوله ما دام يقيم الصلاة.

حدود طاعة ولاة الأمور وأهميتها

يجب طاعة ولاة الأمور ما لم يأمروا بمعصية، وطاعتهم من طاعة الله، والخروج عن طاعتهم خروج عن الجماعة. يجب الدعاء لهم بالصلاح والمعافاة لأن صلاحهم يترتب عليه صلاح الناس.

دعاء أهل السنة لولاة الأمر ودلالته

يؤكد المقطع على أهمية دعاء أهل السنة لولاة الأمر بالصلاح والمعافاة، ويعتبر ذلك من مميزات أهل السنة. يُشدد على أن طاعة ولاة الأمر واجبة ما لم يأمروا بمعصية.

ختام الدرس والإشارة إلى الدرس القادم

يتم ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس قادم، ويعبر عن الامتنان لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا من وجب عليه السيف». ولا نرى الخروج على أئمتنا أولاة أمورنا وإن جاروا. فخضنا العبارة الأولى قوله: «ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف». وقلنا إن كلمة السيف تطلق على أمرين: على الخروج على إمام الظلمة، وكذلك على قتل بعض أو على القتل بدون إذن الحاكم، وهذا يعتبر خروجًا. قال: ﴿وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَلَا أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وَإِنْ جَارُوا﴾. ومثله الخروج على الإمام سواء كان بالقول أو بالفعل، فكلاهما خروج. والطعن في الأئمة يعتبر من الخروج. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة والمتكاثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحذير من الخروج على الأئمة. ومن ذلك حديث عوف بن مالك رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم -أي تدعون لهم ويدعون لكم- وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من ولي عليه شيء، فأتى شيئًا من معصية الله، فلا ينزعن يدا من طاعة». قال: «فليكره عمله، ولا ينزعن يدا من طاعة». وأيضًا جاءت أحاديث كثيرة في هذا الباب. وأيضًا أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن هناك أناسًا يهتدون بغير هديه عليه الصلاة والسلام، يستنون بغير سنته. قال: «تعرف منهم وتنكر». وقال: «فلا ننابذهم بالسيف». قال: «لا، ما أقاموا الصلاة». فهذه الأحاديث كلها تبين أنه لا يجوز الخروج على أئمة الإسلام، وعلى أئمة الناس، وولاة الأمور. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم». فإن تنازعتم في شيء، فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. فطاعة أولي الأمر من طاعة الله جل وعلا، طاعة أولي الأمر من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فمن خرج عن الطاعة، فقد خرج عن طاعة الله وعن طاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن هذه الطاعة لا بد أن تكون بالمعروف. لهذا قال المؤلف هنا: «ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة». وقد تقدم معنى أن تولية الإمارة يكون بعدة أمور، ومنها الغلبة أو الإجماع. الإجماع يجمعون عليه، أو معنى يوليه من هو قبله. وإن كان هذا حدث، كل هذا معنى في خلافة أبي بكر، صار الإجماع المسلمين على خلافته. وفي إمارة عمر، خلفه أبو بكر، استخلف عليهم أبا بكر رضي الله عنه عمر. وكذلك أيضًا عمر استخلف على الناس للشورى، واختاروا عثمان أن يكون هذا الأمر. الثالث وهو أن يكون بين أهل الشورى، يجعل الحاكم بعض أهل الشورى وأهل الحل والعقد يتشاورون في وضع إمام للناس. والأمر الرابع هو المغالبة، أن يغلب بسيف وهو من أهل الإسلام، فهذا يطاع ولا تنزع من يده الطاعة. قالوا: «نرى طاعتهم من طاعة الله فريضة»، أن طاعة هؤلاء الولاة من طاعة الله جل وعلا ما لم يأمروا بمعصية. ما لم يأمروا بمعصية. والتمسك بطاعتهم هو الدخول في الجماعة، والخروج من طاعتهم خروج عن الجماعة. ومن شذ شذ في النار. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عرفجة: «من أتاكم وأمركم جميعًا يريد أن يشق عصاكم -أي أنتم مجتمعون على إمام فأراد هذا الخارجي أن يشق عصا الناس- وأيضًا يحدث فتنة، فقال عليه الصلاة والسلام: من أتاكم وأنتم جميعًا يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائنًا من كان». فاقتلوه كائنًا من كان، أي حتى وإن كان رجلًا من أهل الصلاح ومن أهل الاستقامة فيكم، كذلك ممن يطاع. معناه مثلًا رجل صالح، فإنه قد وقع الناس في مثل هذا أنهم اتبعوا ناسًا من الصالحين فخرجوا معهم، أو أنهم ظنوا أنهم من الصالحين. ومنها العبادة، فوقعوا في هذا الخروج. فقالوا: «لا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية». أن الطاعة بالمعروف كما جاء في الصحيحين أن رجلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل جماعة وأمر عليهم رجلًا، وقال لهم: «أطيعوه». فلما كانوا في الطريق أغضبوه، فأمرهم أن يجمعوا حطبًا ويوقدوا نارًا -أي هذا الأمير الذي أصله النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أولًا الجماعة أغضبوه فغضب- فأمرهم أن يأتوا بحطب ويجمعوا ويؤججوا نارًا بهذا الحطب، ثم أمرهم أن يدخلوا فيها. أمرهم أن يدخلوا في النار. فقال بعضهم: والله ما فررنا إلا من النار، فكيف ندخل فيها؟ حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه. قال عليه الصلاة والسلام: «لو دخلوا فيها ما خرجوا منها». «إنما الطاعة في المعروف». «إنما الطاعة في المعروف». وجاء أيضًا كذلك في السنن: «لا طاعة لمن عصى الله». أو «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فلهذا فولاة الأمور يطاعون في طاعة الله، أو في أمر مباح يصير بقولهم واجبًا. أنا أمر مباح إذا أوجبوه على الناس صار واجبًا. أو أمر مثلًا مستحب إذا أوجبوه على الناس صار واجبًا. مثل مثلًا الجهاد في سبيل الله، فالأصل أنه فرض كفاية، لكن لو كان هناك أمر بالنفير العام يكون واجبًا على كل أحد. قال: «ما لم يأمروا بمعصية». وندعو لهم بالصلاح والمعافاة. وهذا مذهب أهل السنة أيضًا الذي سار عليه سلف الأمة، أنهم يدعون لولاة الأمر بالهداية والصلاح، وإن كانوا من الظلم، لأن صلاح الأئمة صلاح الناس. إذا صلحت الأئمة صلح الناس، وكذلك العكس إذا صلح الناس صلحت الأئمة. إنما كما تكون يولى عليكم. وهذه مقالة تنسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وشواهدها من الكتاب والسنة. ﴿وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. لا يغير الله عز وجل بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. فلهذا قال: «وندعو لهم بالصلاح والمعافاة». وذكر الإمام البربهاري في عقيدته التي ألفها قال: «إذا رأيت الرجل يدعو لولاة الأمر بالهداية والصلاح، فاعلم أنه صاحب سنة». فاعلم أنه صاحب سنة. «وإذا رأيت الرجل لا يدعو لولاة الأمر بالهداية والصلاح، فاعلم أنه صاحب بدعة». فهذا من الأمور التي تميز. معناه هذا عرفه العلماء بالصبر والاستقراء، لا أحد يدعو للأئمة إلا أهل السنة. لهذا قال الإمام أحمد وغيرهم من أئمة السنة: «لو أن لنا دعوة مستجابة لجعلناها للإمام». لو أن لنا دعوة مستجابة لجعلناها لإمام المسلمين. لماذا؟ لأن صلاحه يكون صلاحًا للمسلمين. وإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. فالدعاء للأئمة إنما هو دعاء بالخير للناس، ودعاء الخير للمجتمع. فلهذا ليس بفقيه الذي لا يدعو للأئمة ولولاة الأمور، لا يدعو لهم، بل يحاول أن يطعن فيهم، بل يدعو عليهم. وهذا خطأ، وهذا أيضًا مسلك أهل البدع، وليس مسلك أهل السنة. فلهذا ذكر العلماء أن هذا من مميزات أهل السنة. وتجد الآن أكثر ممن هو منتهج منهج الخوارج أو لإخوان المسلمين أو غيرهم، تجد هؤلاء لا يدعون لولاة الأمر بالهداية والصلاح، بل يحاربون من يفعل ذلك. وأيضًا يحذرون ممن يفعل ذلك. لهذا بعض أهل السنة لما كان بعض الناس يشككون في أن بعض هؤلاء الوعاظ أصحاب القصص كالعودة وغيرهم، فقال لهم: أعطيكم سنة تبحثوا في أجرة العودة، فهل ترون أنه دعا لولاة الأمر سنة كاملة؟ ابحثوا في أجرة وأتوا بشريط واحد يدعو لولاة الأمر بالهداية والصلاح. لأن هؤلاء على ما كان عليه إخوانهم من الخوارج ما يدعون لولاة الأمر بالهداية والصلاح، بل إنهم يكفرونهم أو يضللونهم، ولا يتبعون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم. فلهذا كان مذهب أهل السنة على نقيض هؤلاء. فقال المؤلف: «ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمر بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة». قال رحمه الله تعالى: «فطاعة أولي الأمر فريضة من فرائض الدين»، فريضة من فرائض الدين ما لم يأمروا بمعصية. فإذا أمروا بمعصية، فلا سمع ولا طاعة لأحد. فلا سمع ولا طاعة لأحد. لكن هناك ينبغي للإنسان أن يتبع المصلحة في ذلك. فإن أكره على ذلك، أكرهه الإمام، ولم يستطع أن ينزح عن ذلك الإكراه، وقد يكون مثلًا فيه أنه يقتل، فهنا يكون هذا خيارًا له. إن أراد أن يصبر ويتحمل فله ذلك وأجره عند الله. وإن لم يصبر وأعطاهم ما أرادوا وإن كان في معصية الله فله ذلك. لأن الله عز وجل قد أجاز الكفر فما دونه أجوز. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. فإن شاء الله نكتفي بهذا. ونكمل في درس قادم، الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على