الدرس في كتاب الحدود 8، ألقاها
يتناول تعريف الحرابة لغة وشرعا، وحد المحاربين وفقا للفقه الإسلامي. يشير إلى أن الحرابة تعني البروز لأخذ المال أو للقتل أو لإرهاب مع الاعتماد على الشوكة والبعد عن مسافة الغوث.
يتناول تفصيل عقوبة المحاربين بناءً على أفعالهم، وتحديد العقوبة حسب الفعل المرتكب. يُوضح اختلاف العقوبات بين القتل والصلب، القطع من خلاف، والنفي من الأرض.
يشترط لتطبيق حد الحرابة التكليف والمجاهرة بأخذ المال قهرا، وثبوت كونهم محاربين. يسقط حد الحرابة بالتوبة قبل القدرة على الجاني، ولا يسقط إذا تاب بعد القدرة عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في الدرس الماضي في الفقه الميسر عند باب التعزير، وانتهينا من قراءته. قال المؤلف: وقع الله الباب السابع في حد الحرابة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف الحرابة وحد المحاربين. قال: أولا تعريف الحرابة لغة مأخوذ من حرب حربا، أي أخذ جميع ماله. وشرعا: البروز لأخذ المال، أو لقتل، أو لإرهاب، مكابرة، اعتمادا على الشوكة، يعني القوة والجماعة، مع البعد عن مسافة الغوث، أي المسافة التي يمكن أن يستغيث فيها الإنسان فيغاث، ينادي فيستجاب له، فيلحق ويعان من شر هؤلاء المعتدين. فيكون في مسافة ليس فيها إمكان الغوث، كالطريق البعيدة أو الصحراء أو نحو ذلك. قال: من كل مكلف ملتزم للأحكام، ولو كان ذميا أو مرتدا. يعني سواء كان هذا البارز ذميا، أي كافر من أهل الذمة، أو كان مرتدا ممن وقع في الردة ورجع عن دين الإسلام، فإنه يكون له حكم الحرابة. قال: تسمى أيضا قطع الطريق، أو قطاع الطريق. هؤلاء أهل الحرابة هم قطاع الطريق، من يسمى بقاطع الطريق. سيتبين معنى حكمهم. قال: حد الحراب وعقوبة المحاربين. قال: الأصل في إقامة الحد على المحاربين وقطاع الطرق وعقوبتهم قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾. فهذه الآية هي الأصل في عقوبة المحاربين. أخبر الله جل وعلا أن جزاء من يفعل ذلك ويحارب الله ورسوله، ويسعى في الأرض فسادا بسفك الدماء وأخذ الأموال وانتهاك الأعراض وإرهاب الآمنين وتخويفهم: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. واختلف أهل العلم في هذه الآية وفي هذا الحكم: هل هو على سبيل التخير، فيتخير الإمام الأصلح من ذلك فيفعله، كما هو قول الإمام مالك رحمه الله وجماعة من السلف؟ أو أنه على سبيل الترتيب؟ وكذلك أيضا أن يكون على جهة التفصيل: إن فعل كذا فيفعل به كذا، إن قتل مثلا وأخذ المال قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل ولم يأخذ مالا قتل، وإن أرهب وخوف ولم يقتل أو يأخذ مالا نفيا من الأرض، كما هو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو قول أكثر أهل العلم، ونسبه الإمام كثير إلى جمهور العلماء. قال: وتختلف عقوبة المحاربين وحدهم باختلاف الجرائم التي ارتكبوها، وذلك على النحو التالي: من قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب، حتى يشتهر أمره. ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء. يعني لو قال ولي الدم، ولي المقتول: أنا أعفو، ما يقبل قوله؛ لأن هذا الأمر ليس إليه، هذا إلى ولي الأمر. لابد أن يقيم هذا الحد ويقيم هذه العقوبة. فإذا قتل وأخذ المال قتل وصلب. الصلب بأن يؤتى بخشبة لها يدان وعمود قائم في الوسط، فيربط فيها ويصلب. واختلف أهل العلم: هل يقتل أولا ثم يصلب، أو يصلب ثم يقتل؟ على قول من قال أنه يقتل ثم يصلب، ومن قال يصلب وهو حي ثم يقتل وهو مصلوب. ورجع الإمام شنقيط رحمه الله أنه يقتل ثم يصلب، وهذا هو ظاهر الآية: أن يقتل أو يصلب، فبدأ بالقتل. فيقتل ثم يصلب، حتى يكون عبرة وعظة للمعتبرين. قال: ومن قتل منهم ولم يأخذ المال قتله ولم يصلب. من قتل منهم ولم يأخذ المال قتل فقط، وترك الصلب؛ لأنه ما أخذ المال. فمقابل هذا القتل أن يقتل حدا، فحده في هذا الفعل القتل فيقتل. قال: ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف في آن واحد. تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى في وقت واحد، بخلاف السرقة. معنا في السرقة: ما الذي يقطع أول شيء؟ اليد اليمنى. فإن سرق مرة أخرى تقطع الرجل اليسرى. يعني بعد السرقة الثانية. لكن في الحرابة مباشرة تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. قال: ومن أخاف الناس والطريق فقط، ولم يقتل ولم يأخذ مالا: نفي من الأرض وشرد وطورد، فلا يترك يأوي إلى بلد. إذا لم يأخذ مالا ولم يقتل، لكن يخوف الناس، معه السلاح ومعه الرجال، ويخوفون الناس في الطرق، يرهبونهم ويخوفونهم. فهذا الآن لم يقتل ولم يأخذ مالا، ما هي العقوبة؟ أن ينفى. ينفى من الأرض، يقبض عليه ويبعد من هذه الأرض التي يؤذي فيها الناس. قال: المسألة الثانية: شروط وجوب الحد على المحاربين. قال: يشترط لتطبيق الحد على المحاربين شروط، أهمها: أولا التكليف، فلا بد من البلوغ والعقل حتى يعد الشخص محاربا ويقام عليه الحد. فالمجنون والصبي لا يعدان محاربين، ولا يقام عليهما الحد لعدم تكليف واحد منهما شرعا. قال: ثانيا: أن يأتو مجاهرة ويأخذوا المال قهرا. فإن أخذوه مختفين فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون، فلا قطع عليه. أن يأتو مجاهرة يعني ظاهرين مجاهرين بفعلهم هذا. أما إذا أتوا خفية مختفين وأخذوا المال، هؤلاء سراق، يكون حكمهم حكم السراق. قال: ثالثا: ثبوت كونهم محاربين، إما بإقرارهم أو بشهادة عدلين كما في السرقة. يعني يقر بأنهم يقطعون الطريق ويأخذون الأموال ويفعلون ما يفعله قطاع الطرق، أو يشهد الشاهدان عدلان بأن هؤلاء قطع طرق. قال: رابعا: أن يكون المال الذي يأخذ في حرز، بأن يأخذه من يد صاحبه قهرا. فإن كان المال متروكا ليس بيد أحد، لم يكن آخذه محاربا. وهنا الحرز أن يكون المال في يد صاحبه. أن يكون المال في يد صاحبه فهو يأخذه منه بالقوة. أما إذا كان المال في الطريق أخذوا مالا من الطريق ليس في يد أحد، فهذا لا يعد آخذه محاربا. قال: المسألة الثالثة: سقوط الحد عن المحاربين. قال: يسقط حد الحرابة إذا تاب الجاني المحارب قبل القدرة عليه وتمكن الحاكم منه، كأن يهرب أو يختفي ثم يتوب، لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾. قال: فيسقط ما كان واجبا لله من النفي عن البلد وقطع اليد والرجل وتحتم القتل، إلا أن حقوق الآدميين من نفس أو طرف أو مال لا تسقط؛ لأنه حق لآدمي تعلق به، فلا يسقط كالدين، إلا أن يعفو عنها مستحقها. إذا تابوا قبل القدرة عليهم سقط ما كان واجبا لله. ما كان من حقوق الله جل وعلا فيعفى عنهم، كالنفي عن الأرض عن البلد، وقطع اليد والرجل؛ لأن هذا أقيم عليهم حقا لله، أو تحتم القتل إذا قتلوا، فهذا يعفى. قال: أما من تاب بعد القدرة عليه ورفعه إلى ولي الأمر، فلا يسقط الحد عنه، وإن كان صادقا في توبته. يعني وإن تاب وصدق في توبته، لكن بعد رفعه إلى ولي الأمر وبعد القدرة عليه، فهنا لا تقبل توبته، ولا يسقط عنه الحد. توبته بينه بين الله، لكن ما دام أنه قبض عليه متلبسا، فيقام عليه الحد. قال: يعرف أنهم تابوا: أن يلقوا السلاح، يرمون أسلحتهم ويقولون نحن توبنا، أو يرسل رسول إلى ولي الأمر بأن الجماعة الفلانية قد تابوا مما كانوا يفعلون من قطع الطريق وإخافة السبيل وأخذ أموال الناس إلى آخر ذلك. فهنا يعلم أنهم قد تابوا، وحينئذ يسقط عنهم الحد. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.