الاستغناء بالقرآن  14

الاستغناء بالقرآن 14

الدرس في الاستغناء بالقرآن 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سورة الإخلاص: قصة الصحابي ومحبة الله لقراءتها

يسرد المقطع حديث عائشة رضي الله عنها عن أمير سرية كان يختم ركعاته بسورة الإخلاص لكونها صفة الرحمن، فأخبر النبي ﷺ أن الله يحبه؛ مبيناً أن السورة جمعت صفات الرب وأخلصت التعريف به، وأن الصحابة كانوا يتحرون المشروع في عباداتهم.

حكم إحداث العبادات بعد انقطاع الوحي ومكانة سورة الإخلاص

يفرق الشارح بين إقرار النبي ﷺ لعمل الصحابي في زمن الوحي دلالة على الجواز، وبين عدم جواز اختراع عبادات جديدة بعده؛ مؤكداً أن سورة الإخلاص صفة الرحمن الخالصة، وأن محبة العبد لأسماء الله وصفاته سبب لمحبة الله له ودخول الجنة.

فضل تعلم القرآن وتعليمه والاشتغال به تلاوةً وعملاً

يستعرض المقطع فضل تعلم القرآن وتعليمه مستدلاً بحديث عثمان بن عفان، موضحاً أنه يشمل الحفظ والإتقان والفهم والعمل به كما قرره ابن تيمية والسلف؛ ويختتم بالتأكيد على أن الرفعة الحقيقية في الدنيا والآخرة تنال بالاشتغال بالقرآن حفظاً وتلاوة وتطبيقاً، مع الحث على العناية به وتشجيع الأبناء عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فشرعنا في الدرس الماضي، شرعنا في الفصل السادس من فصول هذه الرسالة القيمة النافعة "استنباط القرآن"، وهو فصل في ذكر أن أهل القرآن أفضل العمال، وأن الاشتغال به أفضل الأعمال، وذكر فيه عشرة أحاديث، وأخذنا حديثاً منها. قال رحمه الله: الحديث الثاني، عن عائشة رضي الله عنها. قال: الحديث الثاني، نعم، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية، فكان يقرأ لأصحابه فيختم بقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك». فقال: لأنها صفة الرحمن عز وجل، وأنا أحب أن أقرأها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأخبروه أن الله عز وجل يحبه». رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث أيضاً يبين لنا فضل القرآن، وأن من اشتغل به صار من أفضل الناس ومن أفضل العمال. ففي هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث رجلاً على سرية، يعني في الغزو، وكان قائد هذه السرية وأميرها هو الذي أم بأفراد هذه السرية وهو إمامهم في الحرب وفي الإمامة، فكان يقرأ لأصحابه فيختم بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يعني يقرأ الفاتحة ثم يقرأ سورة، فقبل أن يركع يختم الركعة بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يقرأ بعد السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويستمر على هذا في صلاته. فبعضهم أنكر هذا ووجد في نفسه كيف يفعل هذا ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا أهل اتباع، فما فعله النبي عليه الصلاة والسلام أو قاله أو أقره عملوا به، وما لم يكن كذلك فإنهم يسألون ويتحرون: أهو مشروع أو ليس بمشروع؟ فهنا أنكروا ذلك من أميرهم، فذكروا ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا: لا، هذا يصلي بنا في كل ركعة يختم الصلاة الركعة بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، كيف هذا العمل؟ فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «سلوه»، سألوه هذا الذي يفعل هذا الفعل لأي شيء يصنع ذلك، لماذا تفعل هذا، ما هو الحامل لك على فعل ذلك؟ فقال، أي هذا الرجل: لأنها صفة الرحمن. ومعنى صفة الرحمن يعني أن هذه السورة أخلصت لذكر صفة الرحمن، لأن فيها التعريف بالرب سبحانه وتعالى. فلو قال لك قائل مثلاً: من هو الله؟ فلك أن تجيبه بهذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. هذه سورة عظيمة جمعت صفة الرحمن سبحانه وتعالى وأخلصت للتعريف بالرب ولبيان من هو سبحانه وتعالى. فلما علم النبي عليه الصلاة والسلام بمقصد ذلك قال هذا الرجل: «وأنا أحب أن أقرأها» لأن فيها صفة الرحمن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأخبروه أن الله عز وجل يحبه». رواه البخاري ومسلم. طيب، هل في هذا الحديث دليل على أن المسلم له أن يحدث عبادات رآها أنها خير وقربة، مثل هذا الرجل الآن رأى هذه العبادة خير وقربة لأنه يحب هذه السورة فكان يقرأها في ختام كل ركعة؟ فالجواب: قال لا، هناك فرق. نعم، هذا الرجل فعل هذا في زمن الوحي، في زمن الوحي، ولذلك أنكروا عليه الصحابة أو وجدوا في نفسهم من هذا الفعل، فلما أقر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك صار أمراً مشروعاً، صار أمراً مشروعاً. لكن بعد ذهاب زمان الوحي أو زمن الوحي لا يحق ولا يجوز لأحد أن يخترع عبادات لم يفعلها ولم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا هو الفرق. بل أن العلماء قالوا: إن هذا الفعل ليس فيه سنيته، ليس فيه سنيته أن هذا الفعل سنة ومستحب، وإنما غاية ما يدل عليه هذا الحديث جواز هذا الفعل فقط، جواز هذا الفعل، لأن الذي فعله هذا الصحابي وأقره النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الفعل، فيجوز للمسلم أن مثلاً يقرأ سورة في ركعة ثم يختم الركعة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، لأنه صلى الله عليه وسلم أقر هذا الرجل على هذا. لكن هل هو مستحب وسنة؟ لا، لأنه لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام وإنما أقر هذا الرجل على هذا الفعل. هكذا ذكر أهل العلم. وأما بعد انقطاع الوحي فلا يجوز لأحد أن يأتي بعبادات وأذكار وأوراد ويعني صلوات ونحو ذلك لم يكن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وفي هذا الحديث أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتدبرون القرآن، كانوا يتدبرون القرآن ويعون معانيه ويعرفون هداياته ودلالاته وما يدل عليه من الإيمان ومن كذلك التقوى ونحو ذلك، لأن هذا الرجل ما فعل ذلك إلا وهو يعلم معنى هذه السورة، ولذلك قال: لأنها صفة الرحمن، لأنها صفة الرحمن. الرحمن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: ليس في القرآن سورة هي وصف الرحمن محضاً إلا هذه السورة، يعني فيها صفة الرحمن خالصة، ما فيها شيء غير ذلك إلا هذه السورة، سورة الإخلاص. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «فأخبروه أن الله عز وجل يحبه»، هذا فيه أن حب المرء لصفات الله وأسمائه من موجبات محبة الله له، أن محبة المرء لصفات الله وأسمائه من موجبات محبة الله له. فلما أحب هذا الرجل هذه السورة التي هي خالصة في صفة الرب سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته، أحبه الله سبحانه وتعالى. بل جاءت رواية من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «إن حبك لهذه السورة أدخلك الجنة، إن حبك لهذه السورة أدخلك الجنة». فهذه سورة عظيمة، ولذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنها تعدل ثلث القرآن، أي في الأجر والثواب. والشاهد من هذا الحديث ظاهر: أن الاشتغال بالقرآن ومحبة القرآن وقراءة القرآن سبب لمحبة الله عز وجل، بل لدخول الجنة، وهو من أفضل الأعمال والقربات التي يتقرب بها العمال الذين يعملون الصالحات. قال: الحديث الثالث، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أفضلكم»، وفي رواية: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». رواه البخاري. وهذا أيضاً حديث عظيم، فيه موافقة لترجمة المؤلف، لأن خير الناس من اشتغل بخير الكلام، خير الناس وأفضل من تقرب إلى الله عز وجل من اشتغل بخير الكلام، وخير الكلام هو كلام الله عز وجل، كما في خطبة الحاجة يقول عليه الصلاة والسلام: «ألا وإن خير الكلام كلام الله عز وجل». فكلام الله هو خير الكلام وأصدق الكلام، كلامه سبحانه وتعالى. وهذا الحديث فيه فضل تعلم القرآن، وفضل قراءة القرآن، وفضل تعليم القرآن، وفضل كذلك تعليم القرآن، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في هذا الحديث: «خيركم من تعلم القرآن»، تعلم القرآن أولاً في نفسه، كمل نفسه أولاً بتعلم هذا القرآن، ثم كمل غيره بتعليم غيره، فلذلك قال: «وعلمه»، أي علم هذا القرآن لغيره، علم هذا القرآن لغيره. ففيه فضل تعلم القرآن وتعليم كذلك القرآن. لكن هنا سؤال يطرح: ما المراد بتعلم وتعليم القرآن؟ هل هو الحفظ وضبط النطق والحروف، أم كذلك يشمل تعليم المعاني وما تدل عليه الآيات من الإيمان والهدايات؟ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أن الحديث عام، أن الحديث عام، فيشمل من تعلم القرآن أي بحسن ترتيله وضبط حروفه والنطق به، ويشمل كذلك تعليم تفسيره وبيان معانيه ونحو ذلك، فهذا أيضاً يدخل في عموم هذا الحديث، يدخل في عموم هذا الحديث. ولذلك جاء عن جندب وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً، وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان. فدل ذلك على أن الإيمان يتعلم كذلك. كيف تعليم الإيمان؟ بمعرفة معاني آيات القرآن وما تدل عليه من الإيمان والهداية والتقوى والاستقامة ونحو ذلك من هذه المعاني العظيمة. فهذا الحديث فيه مطابقة لترجمة المؤلف، فخير ما يشتغل به المسلم ويتقرب به إلى الله هو القرآن، لأن به يكون من أفضل الناس، كما في الرواية الأولى: «إن أفضلكم»، صاحب القرآن أفضل من ذاك الذي ربما يجمع المال ثم يتصدق به، وأفضل من ذاك الذي ربما يقوم الليل ويصوم النهار، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن أفضلكم»، وفي رواية: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». هذا خير الناس، فينبغي للمسلم أن يعتني بكتاب الله عز وجل تلاوة وحفظاً وإقبالاً على معرفة معانيه وتفسيره ونحو ذلك. وفيه أيضاً تشجيع للأبناء والآباء، نعم الآباء يشجعون أبناءهم ويحثونهم على تعلم القرآن وعلى حفظ القرآن وعلى اللحوق في حلقات القرآن حتى يرفعهم الله عز وجل في الدنيا والآخرة، فقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث عمر: «إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». فالرفعة الحقيقية في الدنيا والآخرة لمن اشتغل بهذا القرآن حفظاً وتلاوة وعملاً بما في هذا الكتاب من الإيمان ومن الأحكام ومن كذلك الآداب ونحو ذلك. وفق الله وإياكم لما يحب ويرضى. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر