الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 75، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
نهى الإمام أحمد عن مناظرة أهل البدع والجلوس معهم، مؤكداً أن السلف كانوا يكرهون مجالسة أهل الزيغ. السلامة تكمن في التمسك بالكتاب والسنة وترك مجادلة المبتدعين الذين لا يرجعون للحق.
يفرق النص بين المسترشد طالب الهداية والمماري المجادل للمغالبة، فيجب إرشاد الأول بالكتاب والسنة والحكمة. وينهى عن مناظرة من يقصد الجدال لا الحق اقتداءً بأقوال الأئمة.
منهج أهل السنة هو عدم مجادلة أهل الباطل والاكتفاء ببيان الحق وتعليم السنة. السكوت عنهم مع الدعوة إلى الله أشد عليهم، كما نقل عن أئمة السلف كمالك وأحمد والحسن البصري.
أعلن المحاضر انتهاء الدرس عند الباب الحادي والثلاثين عند أثر الحسن البصري في الصفحة 468. واختتم بالدعاء بالتوفيق والسداد والهداية والثبات والصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فنكمل الباب الذي أخذناه في لمة در المنثور في ذم الجدال والمناظرة والخصومة في الدين. قد تقدمت الأحاديث النبوية في هذا الباب، وكذلك كلام الأئمة رحمهم الله في ترك المناظرة والجدال والمراء والخصومة في دين الله عز وجل، وأن لا يجعل المسلم دينه عرضة للتنقل، بل إذا كان على سنة وعلى هدى وعلى خير فإنه يثبت على ذلك، ولا يجعل ما معه من العلم النافع لأجل أن يماري به أو أن يجادل به. فهؤلاء ينبغي على الإنسان أن يحافظ على دينه، فالعلماء رحمهم الله قد بينوا هذا الأمر أتم البيان. ووقفنا في قول حنبل بن إسحاق بن حنبل في الرجل الذي كتب إلى أبي عبد الله، وهو الإمام أحمد، كتب له كتاباً يستأذنه أن يضع كتاباً يشرح فيه الرد على أهل البدع، وأن يحضر مع أهل الكلام فيناظرهم ويحتج عليهم. فما هو جواب الإمام أحمد رحمه الله لهذا الرجل؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور. الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أهل العلم أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ. يعني: يقول الإمام أحمد: أدركنا الأئمة والعلماء ينهون عن هذا ويكرهون هذا، أن نجلس مع أهل الزيغ. قال: وإنما الأمور في التسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنما نسلم وننتهي بالكتاب والسنة، لا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم، فإنهم يلبسون عليك وهم لا يرجعون، لا يرجعون عما كانوا عليه. فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم والخوض معهم في بدعتهم وضلالتهم. فليتق الله امرؤ، وليصر إلى ما يعود عليه نفعه غداً من عمل صالح يقدمه لنفسه، ولا يكون ممن يحدث أمراً فإذا هو خرج منه أراد الحجة، فيحمل نفسه على المحال فيه، وطلب الحجة لما خرج منه بحق أو بباطل ليزين به بدعته وما أحدث. وأشد من ذلك أن يكون قد وضعه في كتاب قد حمل عنه، فهو يريد أن يزين ذلك الحق والباطل، وإن وضح له الحق في غيره. نسأل الله التوفيق لنا ولك، والسلام عليك. انتهى رد الإمام أحمد لهذا الرجل، يقول له: لا تفعل ذلك، إنما عليك أن تأخذ بالكتاب والسنة وتدع هؤلاء، فإنهم لا يرجعون، فدعهم وبدعهم وضلالتهم. فإن الشخص إذا دخل في هذا الباب ربما يكون بعد ذلك على خطأ، فيصر عليه. يعني: هو بنفسه يقع في الخطأ، يقع في الزلل، فبعد ذلك يزين بدعته ويزين أمره بما ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن بطة رحمه الله: فإن قال قائل: قد حذرتنا الخصومة والمراء والجدال والمناظرة. يعني: يضع إشكالاً وسؤالاً في أنه حذرهم من الخصومة والمراء والجدال والمناظرة، وقد علمنا أن هذا هو الحق، وإن هذه سبيل العلماء وطريق الصحابة والعقلاء من المؤمنين والعلماء المستبصرين. فإن جاءني رجل يسأل عن شيء من هذه الأهواء التي قد ظهرت، والمذاهب القبيحة التي انتشرت، ويخاطبني منها بأشياء يلتمس مني الجواب عليها، وأنا ممن قد وفق الله الكريم لي علماً بها، قال: لي علماً بها وبصراً نافذاً في كشفها. أفأتركه يتكلم بما يريد ولا أجيبه، وأخليه وهو بدعة ولا أرد عليه قبيحة مقالته؟ يعني: أنا عندي علم، فهل أرد عليه مع أني أستطيع أن أرد هذه الشبهة أو هذا المذهب أو هذه البدعة التي هو عليها؟ قال: فإني أقول له: الجواب: اعلم أخي، اعلم يا أخي، رحمك الله، أن الذي تبتلى به من أهل هذا الشأن لن يخلو أن يكون واحداً من ثلاث. يعني: أنت ستبتلى بأحد رجلين ثلاثة. إما رجلاً قد عرفت حسن طريقته، وجميل مذهبه، ومحبته للسلامة، وقصده طريق الاستقامة، وإنما قد طرق سمعه من كلام هؤلاء الذين قد سكنت الشياطين قلوبهم فهي تنطق بأنواع الكفر على ألسنتهم، وليس يعرف وجه المخرج، يلتمس المخرج مما قد بلي به. فسؤاله سؤال مسترشد، يلتمس المخرج مما بلي به، والشفاء مما أوذي. إذن هذا أحد الرجال الثلاثة: أن يسألك سؤال مسترشد، لا سؤال مجادل ومخاصم. المسترشد ترشده، يعني: طلب منك الرشد وطلب منك الدلالة، فتدله وترشده إلى الحق، وهذا يقبل، من كانت عادته يقبل ذلك. قال: وقد استشعرت طاعته وأمنت مخالفته. فهذا الذي قد افترض عليك توفيقه وإرشاده من حبائل كيد الشيطان. إذن أنت أبصر بمن ستقابل من الرجال. فإن جاءك مسترشد فأرشده. يا أيها الناس، اليسر. والله يقول لك: عندي إشكال في مسألة ما، أريد الحق، أريدك أن تدلني. فهذا تعلم أنه سيطيعك فيما تدله عليه، وآمن منه المخالفة، فهذا واجب عليك أن تدله على الحق. قال: وليكن ما ترشده به وتوقفه عليه من الكتاب والسنة، والآثار الصحيحة من علماء الأمة، من الصحابة والتابعين، وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. وإياك والتكلف لما لا تعرفه، وتمحل الرأي، والغوص على دقيق الكلام. يعني: تدله بماذا؟ بالكتاب والسنة. ترشده بالآثار الصحيحة من علماء الأمة والصحابة والتابعين، ولا تغوص في ما لا تحسنه وما لا تعرفه. قال: فإن ذلك من فعلك بدعة. أي: إذا دخلت في علم الكلام، وإن كنت تريد به السنة، فإن إرادتك للحق من غير طريق الحق باطل. إرادتك للحق وإرشادك للحق لهذا الرجل من غير طريق الحق يعتبر منك بدعة وباطل. بل ترشده بالحق إلى الحق، يعني بالكتاب والسنة. قال: وكلامك على السنة من غير السنة بدعة. كلامك تتكلم أنت وتدل على السنة، لكن استدلالك من غير السنة، ما تستدل بالسنة على السنة، فهذا أيضاً بدعة. بل استدل بالسنة على السنة، يعني: أنك ترشده بالسنة إلى السنة. قال: ولا تلتمس لصاحبك الشفاء بسقم نفسك. تلتمس له الشفاء وأنت تمرض نفسك. يعني: أنت تريد له الخير والهداية، لكنك أنت ما تسعى إليه ولا تطلب صلاحه بفسادك، فإنه لا ينصح الناس من غش نفسه. لا ينصح الناس من غش نفسه، يدلهم على الخير ولكنه لا يعمل به. قال: من لا خير فيه لنفسه لا خير فيه لغيره. يعني: من لم ينصح نفسه ويعمل بالكتاب والسنة، فإن هذا لا خير فيه لغيره. فكيف يدلهم على الكتاب والسنة وهو لا يعمل بهما؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ومن تسعر بهم النار ثلاثة، أولاء الذين ما يعملون بماذا؟ بعلمه. فأنت تكون أولى، أنت أيها المرشد وأيها الدال على الخير، تكون أولى بذلك. قال: فمن أراد الله وفقه وسدده، ومن اتقى الله عانه ونصره. انتهى كلام الإمام ابن بطة رحمه الله. قال أبو بكر الآجري رحمه الله، كما في الشريعة: إن قال قائل: إن كان رجل قد علمه الله عز وجل علماً، فجاءه رجل يسأله عن مسألة في الدين، ينازعه ويخاصمه، ترى له أن يناظره حتى تثبت عليه الحجة ويرد عليه قوله؟ يعني: أنت عندك علم، آتاك الله علماً، فجاءك رجل وقال: أريد أن أجادلك وأناظرك حتى ترد عني البدعة التي أنا فيها. قيل له: هذا الذي نهينا عنه، وهو الذي حذرناه من تقدم من أئمة المسلمين. فإن قال قائل: فماذا نصنع؟ قيل له: إن كان الذي يسألك مسألة مسترشداً إلى طريق الحق، لا مناظرة. يعني: جاء وقال: أنا مسترشد، أنا أريد الرشد، أنا أريد الحق، بين ووضح لي. وهنا تبين له وتوضح له، لا يريد المناظرة. بعض الناس يريد المناظرة، يقول: تعالَ نشوف من يغلب. الثاني: أنا أريد أن أناظرك وأجادلك وأخاصمك. هذا سلامتك أنك تبتعد عنه، لا مناظرة ولا جدال، لأنه أصلاً ما يريد الحق، وإنما يريد الغلبة، يريد أن يغلبك. قال: فأرشده بأرشد ما يكون من البيان بالعلم، من الكتاب والسنة، وقول الصحابة، وقول أئمة المسلمين. وإن كان يريد مناظرتك ومجادلتك، فهذا الذي كره لك العلماء، واحذره على دينك. فإن قال: ندعهم يتكلمون بالباطل ونسكت عنهم؟ انظروا هذه الأجوبة من العلماء التي تتكرر في أذهان كثير من الشباب. يعني: نسكت على الباطل، ندعهم يتكلمون هكذا. قد تأتيك هذه الأسئلة، فما هو جواب الآجري؟ قيل له: سكوتك عنهم وهجرتك لما تكلموا به أشد عليهم من مناظرتك لهم. هذا السكوت: أنت تبين فقط كتاب السنة وتشرح الكتاب والسنة، تدعو إلى الله في المساجد، في بيوت الله عز وجل، وسكوتك عن هؤلاء أهل الباطل، هذا والله أشد عليهم من أنك تناظرهم. قال:كذا قال من تقدم من السلف الصالح من علماء المسلمين. إذن هذه طريقة أهل السنة والجماعة في ماذا؟ في باب الخصام والمناظرة والجدال: أنه لا خصام، ولا مناظرة، ولا جدال مع أهل الباطل الذين يطلبون ذلك، لكي تفرج عنهم. فألزم طريقة أهل السنة والجماعة. فإن جاءوا مسترشدين فأرشدهم، أما إن جاءوا مخاصمين مجادلين فدعهم وتركهم. قال عبد الله البسري رحمه الله: ليس السنة عندنا أن ترد على أهل الأهواء، ولكن السنة عندنا أن لا تكلم أحداً منهم. لا ترد، أي: تجعل دينك ذلك، هو أنك تجعل نفسك لهم بالمرصاد. طريقة السنة هو أنه لا يكلم أهل الأهواء، ولا يناظرهم، ولا يجادلهم، ولكن يعمل بالسنة ويدعو الناس إليها. قال الهيثم بن جميل رحمه الله: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، الرجل يكون عالماً بالسنة، أيجادل عنها؟ قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبلت منه وإلا سكت، وإلا سكت. يعني: لا تجعلها عرضاً للخصومات. أخبر بالسنة، علم الناس السنة، كتب السنة، درسها، وهكذا في منبرك ومحاضراتك ودروسك وغير ذلك. علم الناس السنة، والناس يعرفون الحق. قال العباس بن غالب بن الوراق رحمه الله: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، أكون في المجلس ليس فيه من يعرف السنة غيري، فيتكلم متكلم مبتدع، أرد عليه؟ قال: لا، لا تصب نفسك لهذا، أخبر بالسنة ولا تخاصم. فأعدت عليه القول: يعني يكون في المجلس رجل متكلم بالبدع، أرد عليه؟ قال: لا، لا تخاصم، لكن أخبر بالسنة ولا تخاصم. قال: فقال: ما أراك إلا مخاصماً. لأن قد وضحت لك طريقة السلامة، وطريقة السلف الصالح، أنهم يخبرون بالسنة ولا يجادلون. قال هشام بن حسان رحمه الله: جاء رجل إلى الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد، تعال حتى أخاصمك في الدين. جاء رجل إلى الحسن فقال: أريد أن أخاصمك في الدين. عنده شوي علم، ويريد أن يخاصم الإمام الحسن البصري رحمه الله. فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فلتَمِسْهُ. فإن كنت أضللت دينك فلتَمِسْهُ. آمين، الحمد لله، أبصرت ديني. هو يريد الخصام، ما يأتي للفتوى، يعني مسترشد أو مستفتي يريد أن يعرف الحق، عنده شبه، عنده أشياء في رأسه تدور، يريد أن يعرف الحق، هذا الذي ترشده. أما هذا: لا، هو يضع في نفسه أنه علم منه، وأن الحق معه، فلذلك يريد يجادلك ويخاصمك، ويأتي لك بالشبه بعد ذلك، ولا تخرج من هذا المجلس بشيء. وربما كان الحاضرون أيضاً الذين ستجادل في هذه المسألة المعينة مع هذا المجادل المخاصم، يقع في قلوبهم شيء، فيقولوا: هذا هو مع هذا الحق لأنه غلب. قد يغلبك بكثرة صوته، ارتفاع ماذا؟ صوته، ولا يجعل لك الفرصة. فانتبه لهذا. يقول الحسن: إن كنت أضللت دينك، اذهب لتمس دينك وتعلم دينك، وبعد ذلك تعال. فهذا ما في هذا الباب من باب الخصومة والجدال، وكذلك المناظر مع أهل البدع والأهواء والكلام، من أئمة السنة رحمهم الله تعالى. ولعلنا نقف عند هذا الباب، يعني: آخر ما سيكون من درسنا هذا الباب، حتى مرة أخرى إن شاء الله تعالى نعود ونكمل ما تبقى من الأبواب. فوقفنا في الباب الحادي والثلاثين عند أثر الحسن البصري رحمه الله، في الصفحة أربعمائة وثمانية وستين. نقف هنا إن شاء الله تعالى. نسأل الله التوفيق والسداد والهداية والثبات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.