الدرس في كتاب البيوع 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الدرس يتناول أحكام الوقف والهبة، حيث يشرح شروط الوقف وأحكامه، ويوضح مفهوم الهبة وأحكامها. يشترط في الوقف أن يكون على أصل موجود وفرع لا ينقطع، ويجب العمل بشرط الواقف إذا كان لا يخالف الشرع.
الهبة تمليك في الحياة بغير عوض، وتجوز هبة ما جاز بيعه، ولا تلزم الهبة إلا بالقبض. يُستثنى الوالد من عدم جواز الرجوع في الهبة، فيجوز له الرجوع فيها حتى بعد قبض الموهوب له لها.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، وتعتبر الصلاة على النبي من الأعمال المستحبة في الإسلام وتُعدّ علامة من علامات الإيمان والتقوى.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال قاضي أبو الشجاع الأصفاني رحمه الله في كتابه غاية التقريب: فصل، والوقف جائز بثلاثة شرائط: أن يكون مما ينتفع به مع بقاء عينه، وأن يكون على أصل موجود وفرع لا ينقطع، وأن لا يكون فيه محظور. وهو على ما شرط الواقف من تقديم أو تأخير أو تسوية أو تفضيل. الوقف في اللغة الحبس، وشرعا هو حبس الأصل وتسبيل المنفعة. حبس الأصل وتسبيل المنفعة، والأصل في مشروعيته حديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين: أن عمر أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شيء تحبست أصلها وتصدقت بها». وهذا هو الوقف. قال: وتصدق بها عمر: أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث. الحديث. وأيضا حديث: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أما خالد فإنكم تظلمون خالدا، ولقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله». حديث الصحيحين، يعني أوقفها في سبيل الله. والوقف من الصدقة الجارية التي يجري ويستمر نفعها وأجرها لصاحبها. قال: والوقف جائز بثلاثة شرائط: أن يكون مما ينتفع به مع بقاء عينه. يعني العين لا تفنى وتجول بسرعة، بل تبقى وينتفع بمنافعها، كوقف العقار كالأرض أو البيت أو عمارة يوقفها على أيتام أو على مساكين أو على طلبة علم، فينتفع بها وعينها باقية. أو دابة، كان يوقف حمارا أو بعيرا أو فرسا ينتفع به. أو كذلك السيارة مثلا، يجعلها وقف في سبيل الله في الدعوة إلى الله. أو كذلك وقف الأثاث كأثاث المنزل، يقال هذا وقف للدعوة لمن سكن هذا البيت من طلاب العلم. أثاث هذا البيت من ثلاجة وفرن وفرش ونحو ذلك. وهكذا كل ما ينتفع به مع بقاء عينه فيجوز وقفه. أما إذا كانت عينه تبقى لكن لا ينتفع به، فهذا لا يوقف، كأن تكون منفعته محرمة، فهذا لا يجوز وقفه. قالوا: أن يكون على أصل موجود وفرع لا ينقطع. يعني هذا الموقوف عليه الذي يريد صاحب الوقف أن يوقف هذا الوقف عليه، يكون هذا الموقوف عليه موجود حال الوقف. أن يكون موجودا حال الوقف، ولا ينقطع نوعه. يعني إذا انقطعت عينه أو بعض عيانه، فنوعه موجود وينتقل من يخلفه. كالوقف مثلا على الأيتام، فجنس الأيتام يعني لا ينقطع، فهو مستمر. أو هكذا الوقف على المساكين أو وقف على طلبة العلم أو وقف على المجاهدين في سبيل الله أو الوقف على المساجد أو نحو ذلك. فهذه الأشياء يعني موجودة حال الوقف، وهي لا تنقطع. قال: وأن لا يكون فيه محظور. يعني لا يكون هذا الوقف شيء محرم. فلو أوقف بيتا أو عقارا أو دكاكين وجعل وقفها مثلا لفرقة غناء، هذا لا يجوز، هذا فعل محرم لا يجوز هذا الوقف. أو أوقف وقفا على زيارة القبور في الزيارة الشركية أو البدعية، فهذا وقف لا يجوز. أو أوقف على الاحتفال بالمولد، فهذا وقف على بدعة لا يشرع. وهكذا كل ما كان يعني محظورا لا يجوز الوقف عليه. لا بد أن يكون الموقوف عليه شيء مشروع، إن يكون شيئا مشروعا مباحا. قال: وهو على ما شرط الواقف من تقديم أو تأخير أو تسوية أو تفضيل. يعني إذا شرط الواقف شرطا، فالأصل إذا كان هذا الشرط لا يخالف الشرع، فإنه يجوز العمل به. وأما إن كان مخالفا للشرع، فهو مردود. في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «والمسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا». فلو أوقف مثلا على أحد أولاده دون البقية، هذا الشرط مردود لأنه مخالف للشرع، والواجب العدل بين الأولاد. أما إذا كان الشرط لا يخالف الشرع، فلا بأس. قال: من تقديم أو تأخير. يعني يشترط تقديم بعض الموقوف عليهم على بعض، كان يقول مثلا هذا وقف على أولادي، بشرط أن يقدم الولد الأكبر. هذا جائز. وهكذا التسوية، هذا وقف مثلا على طلبة العلم أو على الأيتام أو على مساكين، على أن يعطى كل واحد منهم كذا وكذا مثلا، يعطى كل واحد مائة، لا بأس. أو التفضيل، يفضل بعضهم على بعض، فيقول هذا وقف على طلبة العلم، على أن يعطى مثلا فلان من طلبة العلم مئة، والآخر يعطى فلان خمسين، فلا بأس. وإذا أوقف الإنسان وقفا، فإنه يخرج من ملكه، فلا يلزمه بعد ذلك أن يبيعه أو يهبه، ولا يورث منه، كما فعل عمر رضي الله عنه، على أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث. فهي صدقة جارية لا يملك صاحبها الرجوع عنها، ولا تصرف فيها، ويستمر له أجرها ما بقيت العين، وهي من أنفع ما ينتفع به المتصدق، فليأفضل الصدقات، لأنها صدقة جارية. في حديث أبي هريرة: «إذا مات الإنسان قطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية...». قال: وأكثر أهل العلم بأنها الوقف. قال رحمه الله: فصل، وكل ما جاز بيعه جازت هبته. ولا تلزم الهبة إلا بالقبض. وإذا قبضها الموهوب له لم يكن للواهب أن يرجع فيها، إلا أن يكون والدا. هذا الفصل في ذكر الهبة. والهبة والعطية أو الهدية والصدقة، معانيها متقاربة. وكلها معناها تمليك في الحياة بغير عوض. تمليك في الحياة بغير عوض، يعني يهب الإنسان شيء من ماله لإنسان، يقول هذا هب لك، يعني يملكه له من غير مقابل. هذا يسمى هبة، ويسمى هدية، ويسمى صدقة. كله تمليك في حال الحياة من غير عوض. لكن الفرق بينها، هناك فرق. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. فما أعطي لقصد التقرب إلى الله، فهو صدقة. وما أعطي لقصد التحبب والتودد، فهو الهدية. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تهادوا تحابوا». والهبة يعني الدليل على مشروعيتها، عموم الأدلة التي فيها الحث على البر و فعل الخير، كقوله جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. وهكذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإهداء، «يتحقرن جارة جارتها ولو فرس نشاه». وأيضا قال الله عز وجل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا. هذه الهبة أو الهدية إذا أعطت المرأة لزوجها شيئا من مهرها بطيب نفس منها، فهذا هو الهبة والهدية، جاز له استعمالها وتمليكها. وانعقد الإجماع على مشروعية أو استحباب الهبة. ويخرج عن هذا الاستحباب ما إذا كانت هذه الهبة أعطيت لقصد إبطال حق أو إحقاق باطل، فهي الرشوة. فهذه الرشوة لا تجوز. وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي. وهكذا أيضا هدايا العمال، ما يعطاه الإنسان العامل أو الموظف من قبل بعض الناس، هذا يعتبر من الرشوة، لا يجوز أخذه. قال: وكل ما جاز بيعه جازت هبته. كل ما جاز بيعه جازت هبته، يعني من أثاث وفرش وأواني ودواب وغير ذلك، كل ما جاز بيعه جازت هبته. بل باب الهبة أوسع من باب البيع، يجوز كذلك هبة ما لا يجوز بيعه، يجوز هبة ما لا يجوز بيعه، كهبة البعير الشارد. البعير الشارد ما يجوز بيعه، لكن يجوز هبته. يقول صاحب البعير: يا فلان، البعير الشارد هذا هب لك، إذا وجدته فهو لك. يذهب يبحث عنه، وجده الحمد لله، ما وجده مخسر شيء. وهكذا هبة ما في بطن البهيمة، يعني الحمل ما في بطن الأمهات، لا يجوز بيعه، لكن يجوز هبته على الصحيح، لأنه ليس فيه غرر ولا جهالة. وكذا هبة العبد الآبق، كذلك. هذه الأشياء لا يجوز بيعها، ويجوز هبتها. قال: ولا تلزم الهبة إلا بالقبض. يعني لا يمتلك الموهوب له الهبة إلا إذا قبضها، وحينئذ تقع الهبة. ولا يجوز للواهب أن يرجع في هذه الهبة إذا قبض الموهوب له الهبة، أصبحت لازمة، ولم يصح للواهب الرجوع فيها. واستدل أهل العلم على هذا، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله، وهكذا قول الإمام أبي حنيفة. وقبل ذلك هو قول أكثر الفقهاء، بل هو أيضا يعني قول الخلفاء الأربعة، وقول الصحابة رضوان الله عليهم. قال: ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. استدل أهل العلم بماجاء عند الحاكم: أن النبي عليه الصلاة والسلام أهدى للنجاشي هدية، يعني مسكا، فمات قبل أن تصل إليه، فردها النبي صلى الله عليه وسلم وقسمها بين نسائه. لكن هذا الحديث فيه ضعف في سنده، مسلم بن خالد المخزومي وهو صدوق كثير الأوهام، قد ضعف شيخ الباني رحمه الله في الإرواء. لكن يبقى معنا عمل الصحابة رضوان الله عليهم، بل إجماع الصحابة كما قال ابن قدامة، فإنه لا يعرف لأبي بكر وعمر مخالف في عدم لزوم الهبة إلا بعد قبضها. وخالف في ذلك الإمام مالك، فإنه قال: تلزم بمجرد العقد. واستدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». كما عند ابن عباس في الصحيحين. والجواب عن هذا الحديث: أنه محمول على إذا حصل القبض، إذا حصل القبض فإنه لا يجز له أن يعود فيها. فإن عاد فيها، فهو على هذا المثل من مثل السوء، كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه، لأن حينئذ صارت لازمة. لكن قبل القبض هي غير لازمة، يعني هي مجرد وعد أو يعني إخبار أنه سيهب له وسيعطيه ولم يعطيه بعد، فلا تلزم إلا بعد قبضها. قال: ولا تلزم الهبة إلا بالقبض، وإذا قبضها الموهوب له لم يكن للواهب أن يرجع فيها. نعم، إذا حصل القبض بأن قبضها الموهوب له، فحينئذ ليس له أن يرجع فيها. ليس له أن يرجع فيها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». وجاء في أول الحديث: «ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». فيستثنى من ذلك الوالد. قال: إلا أن يكون والدا. يعني أن يكون الراجع في الهبة هو الوالد فيما يعطي ولده. ولهذا الاستثناء قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده». رواه الترمذي عن ابن عمر، وعن ابن عباس. فالوالد إذا وهب هبة لولده، جاز له أن يرجع فيها، ولو قبضها الولد. ولو قبضها مثلا، وهب له سيارة ثم أراد أن يأخذها منه، له ذلك. أو وهب له أرضا ثم أراد أن يرجع عن ذلك ويأخذها منه، فله ذلك. فهو لا يدخل فيه أنه عن الرجوع في الهبة هو مستثنى. وذلك لما للوالد من حق على ولده. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك». فالوالد له حق أن يأخذ من مال ولده ما شاء، ما لم يضر به. وهل يدخل في الوالد الأم؟ الجواب نعم، أن الوالد أطلق. والله أعلم يدخل فيه الأب والأم، يدخل في ذلك الأب ويدخل في ذلك الأم، إذا وهبت لولدها شيء أو لولدها وأراد أن تأخذه، فلها ذلك. لكن هذا يعني مشروط بما إذا كانت الهبة موجودة. أما إذا تصرف فيها الولد، وهب له سيارة فباعها أو وهبها لغيره أو أوقفها، فحينئذ لا يمكن أن يرجعها. ما لم تكن موجودة، فنعم، إذا كانت موجودة له أن يتراجع فيها. أما إذا تصرف فيها، فحينئذ لا يملك إرجاعها. قال رحمه الله: وإذا أعمر شيئا أو أرعى، العمر والرقبة في الدرس القادم إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.