شرح مختصر سيرة الرسول  4

شرح مختصر سيرة الرسول 4

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مختصر السيرة

يشرح الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مقدمة مختصر السيرة أن معرفة الدين هي أفرض الفرائض، وأن تعلم السيرة النبوية من أسباب دخول الجنة. ويشير إلى أن قصص القرآن تُعد جنود الله وحججاً قاطعة، مستعرضاً قصة آدم وإبليس كأول القصص، مع ربط السيرة باستخراج العبر والدروس في باب التوحيد.

الهداية بإرسال الرسل ووجوب التمسك بهديهم

تبين أن هداية الله للعباد تتم بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، وأن النجاة تكمن في التمسك بهديهم والسير على طريقهم. ويؤكد المؤلف ضرورة تعلم سيرة الأنبياء وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه للتمييز بين الإسلام الحق والكفر والشرك، مستدلاً بميثاق الفطرة الذي أخذه الله على ذرية آدم.

العهد مع ذرية آدم وأصل الشرك

يفسر العهد الذي أخذه الله على ذرية آدم بربطه بالفطرة والحديث النبوي، ويسرد قصة آدم مع ملك الموت وداود. ويوضح كيف بقي الناس على التوحيد عشرة قرون ثم وقع الشرك بسبب الغلو في الصالحين الخمسة، مما استدعى إرسال نوح عليه السلام ومن بعده الرسل لدعوة التوحيد.

إرسال الرسل بالدعوة إلى التوحيد وعاقبة المكذبين

أرسل الله رسلاً إلى كل أمة يدعون إلى عبادة الله وحده واجتناب الطاغوت، فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة. وتعد قصص الرسل في القرآن عبرة لأولي الألباب، حيث ينجي الله رسله والمؤمنين ويهلك المعاندين، وينبغي دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ العظة والعبرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول": بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اعلم رحمك الله أن أفرض ما فرض الله عليك معرفة دينك، الذي معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار. هذه مقدمة بدأ بها الشيخ رحمه الله تعالى، فبدأ بقوله: "اعلم رحمك الله"، وهذا تجده في كثير من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. قال العلماء: وهذا يدل على حسن سريرته، وعلى رحمته بالأمة إذ يدعو لها بالرحمة، فهذا فيه خلاف ما يرمي به أعداء هذه الدعوة على الشيخ؛ لأنه عنده غلظة، وعنده كذلك تكفير للمجتمعات، وعنده كذا وكذا، فهذا كله من الشائعات الكاذبة، وإلا فهو رحيم بهذه الأمة وبأهل التوحيد، فيدعو لهم بالرحمة وبكذلك التوفيق. فذكر أن أفرض ما فرض الله عليك معرفة دينك، كأنه يقول: ومن الأسباب التي بها تعرف دينك تعلم سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام؛ فإن سيرته سيرة حياة عملية للعمل بهذا الدين وبهذا الإسلام، تعرف كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام، كيف كان في دعوته، كيف كان في صلاته، كيف كان في جهاده، كيف كان في تقواه لربه، في خشيته، في عبادته، فهذا من أسباب معرفة ما فرض الله عز وجل عليك. ثم بيّن أن معرفة الدين والعمل به سبب لدخول الجنة، وهذا الذي يدنو به المسلم وهو الدخول إلى الجنة، فمن أسباب ذلك تعلم السيرة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار. متى ما أهمل العبد تعلم سيرة رسوله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، فإنه يبتعد عن سبيل وطريق الجنة. قال: "ومن أوضح ما يكون لذوي الفهم"، يعني: أوضح ما يكون من أسباب معرفة الدين الذي بمعرفته دخول الجنة، تعلم قصص الأولين والآخرين. ولذلك قال: "ومن أوضح ما يكون لذوي الفهم لأصحاب الفهم قصص الأولين والآخرين"، قصص من أطاع الله وما فعل بهم، وقصص من عصاه وما فعل بهم. لماذا تتعلم قصص من أطاع الله؟ لتعلم توفيق الله عز وجل لأهل طاعته ورحمته بهم وإعانته لهم، وكذلك تسهيل أمرهم وتيسير طريقهم ونحو ذلك. وما العبرة من معرفة قصص من عصاه؟ حتى تحذر من طريقهم وسبيلهم، فترى ما نزل من عقاب وعذاب على المكذبين العصاة المعاندين، فتحذر من هذه الطريقة، كما قال الله عز وجل في القرآن: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴾ [المزمل: 15-16]، يعني: وأنتم إذا عصيتم فسيكون أمركم وحالكم كحال فرعون ومن تبعه. ﴿ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴾، ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ﴾ [العنكبوت: 40] إلى آخر الآية. فبمعرفة قصص العصاة والطغاة أخذ العبرة، وهو اجتناب طريقهم والابتعاد عن سبيلهم، وهذا أيضاً من ماذا؟ تعلم قصص من عصى الله. والقرآن لم يذكر فقط قصص الأنبياء، بل قصص الأنبياء وما أكرمهم به، وقصص كذلك الكفار وما حل بهم من العذاب، وما فعل بهم. فمن لم يفهم ذلك ولم ينتفع به فلا حيلة فيه، كما قال تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴾ [ق: 36]. والعلماء قالوا: إن ابتداء الشيخ بهذه المقدمة فيها شيء من براعة الاستهلال. وما هي براعة الاستهلال؟ براعة الاستهلال عند البلاغيين: أن يشير المؤلف في مقدمته لمضمون الكتاب، يشير مؤلف أي كتاب في مقدمته لمفهوم الكتاب بما يكون من المقدمة، فالذي يقرأ المقدمة يفهم ما محتوى هذا الكتاب. فإذا عرفنا من كلام الشيخ هذا أن محتوى هذا الكتاب هو في قصص الأنبياء، وهو قصة نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي هذا براعة الاستهلال. قال: وقال بعض السلف: "القصص جنود الله"، يعني: أن المعاندة لا يقدر يردها، لماذا؟ لأن فيها حججاً ملزمة وقاهرة. فلما تسمع في القرآن أن الله نجى نوحاً، لماذا نجاه؟ لأنه أطاع الله، ولأنه دعا إلى الله وقام بما أمره الله به. ولماذا أغرق قومه الذين عصوه؟ لأنهم كذبوه ولم يؤمنوا به. فالقصص جنود الله، فيها من الحجج القاهرة الواضحة البينة الذي لا يستطيع المعاند أن يردها، لا يستطيع المعاند أن يردها. قال: "فأول ذلك"، يعني: أول هذا القصص، ما قص الله سبحانه عن آدم وإبليس، إلى أن هبط آدم وزوجه إلى الأرض، ففيها من إيضاح المشكلات ما هو واضح لمن تأمله. وهذا فيه الانتفاع والاعتبار بقصص الأنبياء، ومنهم سيرة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا أعظم ما تميز به هذا الكتاب "مختصر السيرة". فإن هذا الكتاب على اختصاره كتاب عظيم، وهو كذلك عالي النفع والقدر، لما فيه من الاهتمام بأخذ الفوائد والعبر من السيرة. فالسيرة ليست أحداثاً يقرأها القارئ ويمر عليها مروراً يتسلّى بها لا، وإنما السيرة دروس وعبر وعلم وإيمان. فالشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله في هذا الكتاب ربط بين سرد السيرة وبين أخذ الدروس والعبر، خصوصاً في باب التوحيد، فإنه ركز على هذا الجانب تركيزاً عظيماً في هذا الكتاب، كما سيأتي معنا. قال: "وآخر القصة قوله تعالى"، يعني: في قصة آدم: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 38]، لماذا أهبط الله آدم من الجنة ونعيمها؟ لأنه عصى، لأنه عصى. ثم لما أهبطه إلى الأرض، ماذا قال؟ ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 38-39]. فمن تبع الرسل ودعوتهم كان من أهل الأمان ومن أهل الإكرام، ومن عصى الرسل وكذبهم كان من أهل النيران والعياذ بالله. وفي الآية الأخرى قال: ﴿ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ [طه: 123-124]، إلى آخر الآية، أو إلى قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 127]. فربنا عز وجل في هذه الآيات يبين لنا ما آل إليه حال آدم وزوجه، وبيّن لنا أيضاً أن من اتبع الرسل فقد سعد، ومن عصى فقد شقي. قال رحمه الله: "وهذا الهدى الذي وعدنا به هو إرساله الرسل، وقد وفى بما وعد سبحانه"، يعني: في قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾، ما هو هذا الهدى؟ ما هو هذا الهدى الذي وعدنا الله عز وجل به؟ هو إرساله للرسل مبشرين ومنذرين. قال: "وقد وفى بما وعد سبحانه، فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين"، مبشرين أهل الإيمان بما وعد الله من النعيم، ومنذرين أهل الكفر بما سيلاقونه من العذاب الأليم. قال: "لألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل"، فأولهم نوح، وآخرهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ودليل ذلك حديث الشفاعة: فيأتي أهل الموقف إلى نوح، فيقول له: أنت أول رسول أرسلك الله، فيطلبون منه الشفاعة. ودليل نبينا محمد أنه آخر الرسل، كذلك في القرآن والسنة: ﴿ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [الأحزاب: 40]، وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: "فلا نبي بعدي". قال: "فاحرص يا عبد الله على معرفة هذا الحبل"، ما هو هذا الحبل؟ طريق الرسل واتباع الرسل، احرص عليه. طيب، إذا ما تعلمت ما جاءت به الرسل، هل تستطيع أن تتمسك به وتعمل به؟ لا. إذن هنا المؤلف يحثنا ويدعونا إلى تعلم هدي الأنبياء، ومنهم وآخرهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. "فاحرص يا عبد الله على معرفة هذا الحبل"، يعني: اتباع الرسل الذي بين الله وبين عباده، وهذه هي الوسيلة التي بين الله وبين عباده، وهم الرسل. قال: "الذي من استمسك به سلم، ومن ضيعه عطب"، يعني: هلك. العطب هو الهلاك. فمن استمسك بهدي النبي عليه الصلاة والسلام سلم ونجا وسعد، ومن ضيعه فلم يتعلمه ولم يعمل به ولم يطلع عليه فهلك. فاحرص على معرفة ما جرى لأبيك آدم، وعدوك إبليس، وما جرى لنوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وإبراهيم وقومه، ولوط وقومه، وموسى وقومه، وعيسى وقومه، ومحمد صلى الله عليه وسلم وقومه. وهذا كله في القرآن، قصص الأنبياء فيها من العبر، وفيها من العظات. فلذلك بعدما ذكر الله عز وجل قصة يوسف قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [يوسف: 111]، عبرة: دروس وعبر وعلم وهدى. فقصص القرآن فيه الإيمان والهدى والنور، فينبغي للمسلم أن يحرص على معرفة ذلك، ومن ذلك معرفة سيرة آخر الأنبياء وأفضل الأنبياء وخاتم المرسلين، وهو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. قال: "وعرف ما قصّ أهل العلم من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وقومه، وما جرى له معهم في مكة، وما جرى له في المدينة"، وهذا كله بتعلم ماذا؟ السيرة. وهذا هو موضع الكتاب، وهذا من كما ذكرنا من ماذا؟ براعة الاستهلال. قال: "وعرف ما قصّ العلماء عن أصحابه"، ما جاء عن سيرة السلف كذلك، ما جاء عن سيرة السلف. قال: "وعرف ما قصّ العلماء عن أصحابه وأحوالهم وأعمالهم، لعلك أن تعرف الإسلام والكفر". انظر كيف استنبط الشيخ رحمه الله أن في تعلم سيرة النبي، سيرة أصحابه، معرفة الإسلام الحق، معرفة التوحيد، معرفة الإيمان. ومن عرف الإسلام عرف الكفر، ومن عرف الكفر... قال: "فإن الإسلام اليوم غريب، فهو يعيش في مجتمع قد شيدت فيه القبور، وبنيت فيه القباب، واستغيث بغير الله". فإذا نظرت إلى السيرة مثلاً: لما ذهبت أم سلمة وأم حبيبة إلى أرض الحبشة، فرأت ما رأت من الكنائس وما فيها من التصاوير، ماذا قال لهما النبي عليه الصلاة والسلام؟ "أولئك شرار الخلق، أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه هذه الصور". وهذا الواقع موجود، كان في عهد الشيخ، وموجود إلى زماننا هذا. فمن درس هذا وعلم إنكار النبي عليه الصلاة والسلام على فعل هؤلاء النصارى، فهل سيقر بالبناء على القبور، وكذلك إدخال القبور إلى المساجد ونحو ذلك؟ أبداً. ففي تعلم السيرة معرفة التوحيد الذي كان عليه النبي، وعليه الصلاة والسلام وأصحابه. ولذلك قال هنا: "لعلك أن تعرف الإسلام والكفر، فإن الإسلام اليوم غريب". فليس من الإسلام دعاء غير الله، وليس من الإسلام بناء القباب، وليس من الإسلام إدخال القبر إلى المسجد، وليس من الإسلام تجصيص القبور. وهذا موجود في العالم الإسلامي في ذاك الزمان وإلى وقتنا هذا، بل ومن يدعو إليه، من يدعو إلى هذا الشرك والعياذ. فإذن الإسلام اليوم غريب. قال: "وأكثر الناس لا يميز بينه وبين الكفر، وذلك هو الهلاك الذي لا يرجع معه فلاح". لماذا؟ لأنه شرك بالله عز وجل، والشرك أمره خطير، فإن صاحبه في جهنم خالداً مخلداً فيه. ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ﴾ [المائدة: 72]، أمر خطير. فإذن شيء هنا أراد من دراستك للسيرة أن تعرف الإسلام من الكفر، وأن تعلم غربة الإسلام، وأن الإسلام الحق هو الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. هذا هو مراد الشيخ رحمه الله، وهذا فيه ربطه رحمه الله السيرة بالواقع، وهذا ما تميزت به مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، أنها مؤلفات واقعية تربط الطالب بالواقع الذي يعيشه. وشيخنا الوادعي رحمه الله في ترجمته التي ترجم بها لنفسه، ذكر أنه لما ذهب إلى السعودية، وكان بغرض العمل، فعمل حارساً على عمارة، قال: "فوقع في يدي كتاب التوحيد وشرحه فتح المجيد، قال: فكنت أقرأ فيه، قال: فينطبع في قلبي طبعاً". لماذا؟ قال: "لأنني أقرأ أشياء هي في واقع الذي كنت فيه، في صعدة الرافضة كان عندهم القبور والقباب، قال: فكأن الشيخ يتكلم في الواقع الذي أنا أعيشه في بلدي، فكانت هذه العبارات والجمل تنقش في قلبي نقشاً، كأنها يعني تطبع ولا تمحى وتزال أبداً". لماذا؟ لأنه كتاب يحكي واقع، يحكي واقع ما عليه الناس من الشرك، ومن كذلك الالتجاء لغير الله، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله. فكتبه رحمه الله كتب واقعية تعيش واقع الأمة إلى يومنا هذا. قال: "وأما قصة آدم وإبليس فلا زيادة على ما ذكر الله في كتابه، فيقتصر على ما جاء في الكتاب، أو ما جاء في صحيح السنة". فالله عز وجل بين هذه القصة في كتابه أتم بيان. قال: "ولكن قصة ذريته، فأول ذلك"، يعني: ذريته، من جاء بعده من ذريته وأبنائه، وماذا كانوا عليه في حياتهم. قال: "ولكن قصة ذريته، فأول ذلك أن الله أخرجهم من صلبه أمثال الذر"، يعني: عندما خلقهم في علمه السابق سبحانه وتعالى، وفي قدره عز وجل. ﴿ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ أَلَّا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 172]. وقد جاء في تفسير هذا العهد الذي أخذه ربنا عز وجل على بني آدم تفسيران: التفسير الأول ما ذكره المؤلف ها هنا، وهو ميثاق وعهد بالقيام بعبادة الله وحده، وعدم الإشراك به، وعدم الإشراك به، وهذا العهد يكون بإرسال الرسل، فأمر العباد للتوحيد قد أخذه الله عز وجل عليهم وهم في صلب أبيهم آدم. هذا القول الأول، وهذا معنى قوله: "ألا يشرك به شيئاً". وأما القول الثاني فقد فسر هذا العهد بميثاق حقيقي عند خلق آدم، فهو بمعنى الفطرة، هذا الميثاق بمعنى الفطرة، أي أنه فطرهم على التوحيد، فطرهم على التوحيد، ويؤيد ذلك قوله النبي عليه الصلاة والسلام: "كل مولود يولد على الفطرة". فهذا هو العهد الذي أخذه الله عز وجل على التفسير الثاني، أخذه الله عز وجل على ذرية آدم، ثم تتغير هذه الفطرة بحسب الواقع الذي يعيشه هذا الولد من بني آدم. ولذلك قال: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". نعم. قال: "ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج"، يعني: يضيئون. وهذا في الكلام الذي سيأتي في الجملة، كثير من عباراته وردت في حديث الشفاعة، لكن بعض الألفاظ لم ترد، ولذلك يتوقف فيها، مثل هذا اللفظ: "أنه رأى فيهم الأنبياء مثل السرج"، هذا لم يرد في بعض الروايات. قال: "ورأى فيهم رجلاً من أنورهم، فسأل عنه، فأعلمه أنه داود، فقال: كم عمره؟ قالوا: ستون سنة". هذا ورد في حديث الشفاعة. قال: "أي آدم، وهبت له من عمري أربعين سنة، وكان عمر آدم ألف سنة". ورأى فيهم، أي آدم رأى في ذريته الأعمى والأبرص والمبتلى، قال: "يا رب، لما لا سويت بينهم؟ جعلتهم كلهم في خلقة واحدة". قال: "إني أحب أن أشكر". لماذا؟ لأنه لولا ظلمة الليل لما علم فضل النهار، ولولا العمى لما علم الصمم، أو لما علم نعمة البصر. فالمبتلى إن صبر يزداد له في الأجر، يزداد له في الأجر، والأحاديث في ذلك كثيرة، لمن صبر على الأذى. قال: "فلما مضى من عمر آدم ألف سنة إلا أربعين، أتاه ملك الموت، وكان ملك الموت فيما مضى يأتي الناس، فيأتي الأنبياء فيرونه ويعرفونه، لكن فيما بعد ذاك الزمان لا يكون ذلك، لا يرى أحد ملك الموت". قال: "فقال: إنه بقي من عمري أربعون سنة. فقال: إنك وهبتها لابنك داود. فنسي آدم، فنسيت ذريته، وجحد آدم، فجحدت ذريته". وهذا ورد في حديث الشفاعة، نعم، أصل هذه القصة من حديث أبي هريرة. قال: "فلما مات آدم"، يعني: لما أهبط في الأرض وعاش، يعني: يريد الشيخ هنا أن يبين عمر آدم وأنه عاش في هذه الأرض ألف سنة. "فلما مات آدم بقي أولاده بعده عشرين، عشرة، عشرة قرون على دين أبيهم"، يعني: التوحيد. دين آدم هو التوحيد، لذلك قال: "دين الإسلام". قال: "ثم كفروا بعد ذلك، بعد عشرة قرون، والقرن مائة سنة، القرن مائة سنة، فبعد عشرة قرون ظهر فيهم الشرك والكفر". قال: "وسبب كفرهم الغلو في حب الصالحين"، هذا سبب كفر بني آدم بعد هذه القرون العشرة، الغلو في حب الصالحين. قال: "كما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ [نوح: 23]". وذلك أن هؤلاء الخمسة، وهم: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا، قوم صالحون، يعني: من القرون العشرة قبل إحداث الشرك، كانوا يأمرونهم وينهونهم، يعني: قائمون بأمر الله، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ماتوا في شهر، يعني: ماتوا في وقت متقارب، فخاف أصحابهم من نقص الدين بعدهم، لأن هؤلاء هم صالحوهم، فلما ماتوا خافوا أن الناس يغيرون ويبدلون، فصوروا صورة كل رجل في مجلسه لأجل التذكرة بأقوالهم وأعمالهم، إذا رأوا صورهم ولم يعبدوهم. وهذا المعنى جاء في حديث ابن عباس في البخاري، وبعضهم جعله معلقاً، والصحيح أنه موصول من كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ومحتوى أثر ابن عباس ما ذكره المؤلف هاهنا، وهذا فيه فطنة الصور، وأنها ربما تكون سبباً للوقوع في الشرك. انظر إلى هؤلاء في أول أمرهم لم يعبدوا هؤلاء، وإنما صوروا لهم الصور من باب الذكرى، كما يقول الباب: "تعال نأخذ صورة للذكرى"، فإذا بهم يتعبدون بهذه الصور، كما يفعلون مع آباء حفيظ، يأخذون الصورة، وإذا قبل النوم يجب أن يأخذ نظرة لهذه الصورة، تكون تحت الوسادة، هذا هو نفسه فعل أولئك القوم، التعلق بالصور والصالحين بزعمهم، فما تشعر إلا ويخافونهم كخوفهم من الله أو أشد، ويرجونهم، ويدعونهم، ويستغيثون بهم. قال: "ثم طال الزمان"، يعني: مضى زمناً طويلاً، ومات أهل العلم، لأن جاءت رواية: "فلما مات أولئك ونسي العلم، نسي العلم، ومن نسيان العلم موت العلماء". قال: "فلما خلت الأرض من العلماء، ألقى الشيطان في قلوب الجهال أن أولئك الصالحين ما صوروا صور مشايخهم إلا ليستشفعوا بهم إلى الله تعالى، إلى الله تعالى، فعبدوهم"، أي: عبدوهم من دون الله، عبدوهم من دون الله عز وجل، بدعائهم والاستشفاع بهم، ونحو ذلك مما لا يصرف إلا لله سبحانه وتعالى. فالآن الشيخ يذكر لنا حالة أهل الأرض منذ موت آدم عليه السلام. قال: "فلما فعلوا ذلك أرسل الله إليهم نوحاً عليه السلام". الآن وقع الشرك في الأرض، وقع الشرك في الأرض، فأرسل الله عز وجل رسولاً من غسله، يدعو إلى التوحيد ويحذر من الشرك، فأرسل الله عز وجل إليهم نوحاً عليه السلام، ليردهم إلى دين آدم وذريتهم، هو دين الإسلام، دين التوحيد، الذين مضوا قبل التبديل. فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه. ثم عمر نوح وأهل السفينة الأرض، يعني: أغرق الله عز وجل من كذب نوحاً، وكم نوح جلس يدعوهم؟ ألف سنة إلا خمسين عاماً، وهو يدعو أولئك إلى التوحيد وإلى الدين الحق، فما آمن معه إلا قليل، ما آمن معه إلا قليل. وهذا فيه عبرة وعظة لأهل الحق، ألا يغتروا بالكثرة، وأن العبرة بإصابة الحق، وأن الداعي إلى الله عز وجل لا يفتر ولا ييأس ولا يتبرم من قلة الأتباع، طالما أنه على الحق وعلى الهدى الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا نبي الله نوح دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما آمن معه إلا قليل، فأخذ هؤلاء القليل وأركبهم في السفينة، فنجاهم الله، وأغرق كل من في الأرض غيرهم. فهذا معنى قولي: "ثم عمر نوح وأهل السفينة الأرض". مبارك الله فيهم، وانتشروا في الأرض أمماً، وبقوا على الإسلام مدة لا ندري ما قدرها، كما قال الله عز وجل: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾ [الإسراء: 3]، يعني: يا ذرية من حملنا مع نوح. فكان بعد الغرق، غرق قومه، لم يكن في الأرض إلا نوح ومن آمن معه، ومن آمن معه. قال: "ثم حدث الشرك"، يعني: بعد زمن نوح، والله أعلم كم مدة بقوا على الإسلام، ثم جاء الشيطان وغيروا وبدلوا، وحدث الشرك، حدث الشرك. قال: "ثم حدث الشرك، فأرسل الله الرسل، وما من أمة إلا وقد بعث الله فيها رسولاً، يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك". فما من أمة إلا وأرسل الله عز وجل لها رسولاً يدعوها إلى التوحيد ويحذرها من الشرك، كما قال الله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، هذه دعوة الرسل، دعوة إلى التوحيد وتحذير من الشرك. ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾ [النحل: 36]، ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: 36]. وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ﴾ [المؤمنون: 44]، يعني: كل رسول يتبع رسول، كلما جاء أمة رسولها كذبوا، يعني: كلما جاء رسول إلى أمة يدعوهم كذبوه وآذوه وعارضوه. قال: "ولما ذكر القصص في سورة الشعراء، ختم كل قصة بقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً ﴾"، يعني: لعبرة وعظة، ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 8، 67، 103، 121، 139، 158، 174، 190]. العبرة: أن الله عز وجل ينجي رسوله ومن اتبعهم، وهكذا ربنا سبحانه وتعالى يهلك المعاندين المعارضين للرسل، ذاك بالصيحة، وذاك بالغراء، وذاك بالريح العاتية، وذاك بالصاخة، ونحو ذلك. كل هذا فيه عبرة وعظة، أن من أطاع الله سعد ونجا، ومن عصاه هلك وشقي، والعياذ بالله. قال: "فقص الله سبحانه ما قص لأجلنا، من أجل أن نأخذ من ذلك العبرة والعظة". فكأن الشيخ يقول: وهكذا سيرة نبينا ينبغي أن ندرسها، وأن نستفيد من أحداثها، ومن كذلك سردها، في أخذ العبرة والعظة. قال: "فقص الله سبحانه ما قص لأجلنا، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ﴾ [يوسف: 111]". طيب، نكتفي بهذا، انتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.