الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 129، ألقاها
يتناول هذا الفصل أصول المعتزلة الخمسة التي خالفوا بها أصول الإسلام، مع التركيز على ثلاثة أصول رئيسية وهي التوحيد والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يوضح كيف استخدموا هذه الأصول في مخالفة أهل السنة.
يناقش هذا الفصل آراء المعتزلة في مسألة القدر وخلق الأفعال، حيث ينفون قدرة الله على أفعال العباد ويقولون بأن العبد يخلق أفعال نفسه. كما يشرح الانشقاقات داخل المعتزلة وتشابه آرائهم مع المجوسية.
يتناول هذا الفصل الرد على آراء المعتزلة حول الإرادة والمعصية، ويبين مخالفتهم للكتاب والسنة بعدم تفريقهم بين الإرادتين الشرعية والكونية. يؤكد أن أهل السنة يجمعون بين الإرادتين ويؤكدون أن كل شيء يقع بمشيئة الله.
يشرح هذا الفصل كيف يمكن لصاحب البدعة أن يغلب صاحب السنة ببيانه وفصاحته، لكن ذلك لا يعني أن الحق معه. ينبه إلى ضرورة النظر في الحقائق وليس الاكتفاء بالبيان والفصاحة.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الذي مضى في الكلام عن المعتزلة وطريقة خروجهم، وقلنا: إن لهم خمسة أصول هدموا بها أصول الإسلام. وذكرنا منها: المنزل بين المنزلتين، والأمر الثاني إنفاذ الوعيد. والركن الثالث عندهم التوحيد، سموه التوحيد، لكن ليس كتوحيد أهل السنة، وإنما التوحيد عندهم نفي الصفات وإثبات الأسماء، أنهم يثبتون أسماء مجردة بلا صفات. اشتهر هذا عنهم، وسطروا في كتبهم: أنهم يقولون «عليم بلا علم»، ويقولون أيضًا: أنه ينفون صفات المعاني، بل وصفات الأفعال، أنه ينفون أكثر الصفات، بل كلها إلا ما كانت صفات لازمة كما يسمونها، مثل الوجود. وإلا فهم ينفون الصفات، ولهذا سموهم من نفاة الصفات. فيقولون: «سميع بلا سمع»، «بصير بلا بصر»، «عليم بلا علم»، وغيرها من هذه الترهات والأشياء الباطلة، وأيضًا تكذيب للقرآن، وتعطيل لصفات الله جل وعلا. فتستروا تحت هذا بنفي الصفات، سموه التوحيد، وهو تكذيب ونفي لصفات الله عز وجل. والركن الرابع الذي عندهم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا تستر تحته بالخروج على الحكام الظلمة. إن المعتزلة من أصولهم الخروج على الحكام الظلمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهم يقولون: المعروف ما هو عندنا معروف فنأمر به، والمنكر ما عندنا منكر فننكره، ويريدون الإنكار بكل وسيلة، خاصة بالسيف. فلا ينظرون إلى نصوص الصبر على الأئمة، على جور الأئمة، وإنما ينظرون إلى إنكار المنكر. يقولون: إن المنكر لابد أن ينكر مهما كان، فينكرون على الحكام. غالبًا ما تجد في عقائدهم وفي حياتهم منكرات، لكن ما ينكرونها، بل عندهم منكرات عظيمة في الاعتقاد، كنفي الصفات ونفي عقاب القبر ونفي غيرها من هذه الأمور التي يقولون أنها لا تدخل العقل، ولا أيضًا تناسب العقل، أي عقولهم. فهم يقدمون العقل على النقل، يقدمون العقل على الكتاب والسنة. فيقولون: إن المنكر ينكر ولو على الحاكم، فيخرجون عليه بالسيف. فلهذا تبنوا هذا الفكر، وهو فكر الخوارج أولًا، ثم أخذ هؤلاء المعتزلة وسموا هذا الأصل عندهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهذا الأصل الرابع الذي عندهم. والأصل الخامس يسمونه العدل، يسمونه العدل. وهذا الأصل يأخذونه من نفاة القدر، أو أخذوه من نفاة القدر من أهل البصرة، كمعبد بن خالد الجهني وغيره. ثم تلقفه هؤلاء، عمرو بن عبيد وغيلان، وجماعة من رؤوسهم، ودعوا إليه. كان بشر بن مرسيلي أيضًا يقول بهذا، وأيضًا أبو الهديل بن العلاف، والنظام وغيرهم من هؤلاء المعتزلة من رؤوس المعتزلة، كانوا يقولون بنفي القدر. ويقولون: إنه لا قدر على الإنسان، ليس له دخل، وإنما هو... لا أقصد أنهم يقولون أنهم نفاة، هم مثبتة، لكنهم غلاة في النفي، فسلبوا العبد المشيئة، سلبوا العبد المشيئة في فعله. يقولون: لا دخل للعبد في فعله، وإنما... لا دخل لله عز وجل في فعل العبد، وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. وهذا يخالف قول الله جل وعلا: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. وهم يقولون: إن مشيئة العبد غير تابعة لمشيئة الله. فيقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه. ثم حدثت فيهم فرق، المجوسية التي سماها السلف المجوسية القدرية، مجوس هذه الأمة. فقالوا: بأن العبد لا يخلق الشر، لكنه يخلق الخير. أو يقولون: إن العبد يخلق الشر، وأقصد ويفعل الشر ويخلقه، ولا دخل لله عز وجل في خلق الشر وفي فعله. فيقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وخاصة الشر، فهو الذي يخلق مثل ما قال المجوس: إن للنور إله وللظلمة إله. فيقولون: إن النور إله هو الله، والظلمة إله هو الشيطان. هكذا يقولون. لهذا قال المتنبي: «وكم في الليل من يد تحدث أو نعمة حصلها الإنسان وخير». وهذا يبين أن المانوية، وهي فرقة من فرق المجوس، تكذب. لأنهم يقولون: إن الظلمة تأتي بالشر، والنور يكون فيه الخير. فقال هؤلاء المعتزلة مثلهم، قالوا: إن العبد يخلق الشر، فعلًا الشر العبد يخلق، ولا دخل لله عز وجل فيه. فلهذا سموا مجوس هذه الأمة، لأنهم قالوا بقول المجوس. لكن أصل قول المعتزلة أنهم ينفون أن يكون لله عز وجل دخل في فعل العبد واستطاعة العبد. بل يقولون: كله من العبد، يخلق هو الذي يخلق فعل نفسه، والاستطاعة أيضًا هي للعبد، لا دخل لله عز وجل، سواء كانت الاستطاعة قبل الفعل أو بعده، أقصد قبل الفعل أو مع الفعل. فهو الذي يفعله، وهو الذي تكون عنده استطاعة للفعل. وهذا افتراء وكذب ومخالف لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن الله عز وجل قد بيّن أن العبد له مشيئة، لكن هذه المشيئة تابعة لمشيئة الله جل وعلا. فما يكون شيء في الكون إلا بمشيئته النافذة في كل شيء سبحانه وتعالى. ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. فلهذا فهذا الدليل هو الواحد في القرآن، وغيره من الأدلة الكثيرة تبين عوار هذه الفرقة المعتزلة، وأنهم خالفوا الكتاب والسنة. ولهذا يقولون: إن العاصي هو الذي يعصي، لا دخل لله في معصيته. قالوا: لو كان لله عز وجل دخل في معصيته لكان ظالمًا له. وهذا بسبب أنهم لم يفقهوا أدلة الكتاب والسنة. فأهل السنة يقولون: إن العبد له مشيئة يفعل بها الفعل، وعنده استطاعة قبل الفعل، يذهب إلى الخير يذهب إلى الشر. لكن وجود هذا الفعل في هذا الكون لا يكون إلا بإذن الله وبمشيئة الله جل وعلا، الذي يقول للشيء كن فيكون. فليس هناك شيء يخرج عن مشيئة الله عز وجل أبدًا، أي شيء يقع في الكون، ولو كان صلاة العبد أو معصية العبد أو غيره، لا يخرج عن مشيئة الله جل وعلا. وبسبب عدم تفريقهم أيضًا بين الإرادتين، فقد وقعوا في هذا. فعند المعتزلة أن الإرادة شرعية فقط، وعند الأشاعرة أن الإرادة كونية فقط، لأنهم جبرية. وأما أهل السنة فيجمعون بين الإرادة الشرعية والكونية. فلهذا كانت هذه المعتزلة من الفرق الضالة التي قال فقهاء أهل السنة بهذه الأصول الخمسة التي زعموا، فهدموا بها أصول الإسلام، جاءوا بأصول غريبة عن دين الله جل وعلا. وحذر منهم السلف أيما تحذير، بل كانوا يحذرون ممن يجلس معهم. لما دخل سفيان خراسان، فقيل له: من هو رأسكم في هذه البلاد؟ قال: ومن بطانته؟ قالوا: القدرية. فقال: هو قدري عندنا، وقدري عندنا مذموم، لأنه جالس لهؤلاء القدرية. ولهذا أيضًا كانوا يفرون منهم العلماء. فلما لقي عمرو بن عبيد عبد الرزاق بن همام الصنعاني في البصرة، فقال عمرو بن عبيد: «ادخل نتكلم شيئًا». قال: «لا، سمعت أنك قدري». فقال: «ادخل نتكلم». فقال: «إن القلب ضعيف، وليس الدين لمن غلب». قال: «إن القلب ضعيف، وليس الدين لمن غلب». أنا قد يكون عندك بيان وفصاحة، وكذا تغلبني، لكن ليس الدين لمن غلب، وإنما الدين ما كان اتباعًا لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قد يكون رجل من أهل البدع، لكن يعطي فصاحة ويعطي بيانًا في كلامه، فقد يغلب من هو على السنة في كلامه، لكن ليس معنى ذلك أن الحق معه، لا، ليس أن الحق معه، وإنما بسبب بيانه فإنه غلب ذلك الشخص الذي قد يكون عاجزًا عن التعبير، وقد يكون أيضًا عنده شيء من القصور في معرفة السنة ومعرفة شبه هؤلاء.