الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 3، ألقاها
يتناول تعريف العلم وأهمية أصوله، حيث يشرح معنى العلم وأنه بحر واسع. يُظهر آراء العلماء حول أول من تكلم بـ 'أما بعد' وتفسيراتهم لفصل الخطاب.
يشرح أهمية معرفة القواعد والأصول الفقهية في فهم العلم، ويبين أن إلمام الشخص بهذه القواعد يمكنه من التمكن من العلم. يشير إلى تواضع الشيخ في نسبة القواعد إلى أهل العلم.
يتناول مفهوم المصالح والمفاسد، موضحًا أن الدين جاء لجلب المصالح ودرء المفاسد. قسم العلماء المصالح إلى ثلاثة أقسام: ضرورية وحاجية وتحسينية.
يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. يعتبر هذا الدعاء من السنن المستحبة في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الناظم رحمه الله: وبعد، فالعلم بحور زاخرة، لن يبلغ الكادح فيه آخره. قال الشارح: قوله وبعد، اختلف أهل العلم رحمهم الله في الفائدة منها، فقال بعض العلماء: يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر. وقال بعضهم: يؤتى بها للانتقال من المقدمة إلى صلب الموضوع، وهذا القول هو الصواب، وهو كما قال: وبعد أو أما بعد، فيؤتى بها للانتقال من المقدمة إلى صلب الموضوع. فقوله وبعد، أي وبعد الحمد لله جل وعلا والثناء عليه، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فالعلم هذا ابتداء في الدخول في الموضوع. قال: واختلف العلماء رحمهم الله في أول من تكلم بأما بعد، فقيل: داوود عليه السلام، وقيل: يعقوب عليه السلام، وقيل: بأنه يعرب ابن قحطان، وقيل: قس بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي. قال ابن حجر: والأول أشبه، أي أنه داوود عليه السلام. وفسر قول الله جل وعلا في سورة ص: ﴿وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾، في أحد تفاسير الآية: أن المراد بفصل الخطاب هو أما بعد، كما أخرج ذلك ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن أبي بردة عن أبي موسى، قال: أول من قال أما بعد داوود عليه السلام. وبمثله قال الشعبي رحمه الله. وقيل: فصل الخطاب الأيمان والشهود، وقيل: إصابة القضاء. قال: وقوله فالعلم، العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه. ولو قال: معرفة الشيء على ما هو عليه، فهو أفضل. فهذا الذي ينبغي أن يقال في تعريف العلم: أنه معرفة الشيء على ما هو عليه. وذلك أن كثيرا من التعريفات التي في أصول الفقه أدخل فيها بعض الأشاعرة شيئا من عقائدهم الباطلة التي يعتقدونها. وعلم أصول الفقه توسع فيه أهل الكلام في كثير من أموره وتعاريفه، حتى أنى أهل العلم والمحققون منهم إلى تصفية هذا العلم مما دخله من شوائب أهل الكلام، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والإمام ابن القيم، وكذلك الإمام الشنقيطي رحمه الله في كتابه المذكرة. قال: قوله بحور، جمع بحر، والبحر معروف، واسع وعميق، فهذا وصف للعلم بسعته كسعة البحر. كما أن البحر لا ساحل له في سعته، كذلك العلم ليس له ساحل. قال: ولا شك أن العلم بحور وفنون متنوعة، كعلم العقيدة، وعلم الفقه، وعلم الحديث، إلى آخره. وكما قال القائل: إنما العلم بحر زاخر. قال قبل ذلك: ما حوى العلم جميعا أحد، لا ولو ما رسه كل سنة، إنما العلم بحر زاخر، فاتخذ من كل شيء أحسن، فليس يستطيع الإنسان أن يحوي العلم كله، فمهما تحصل من العلم، فقد فاته منه الشيء الكثير. وما أوتيت من العلم إلا قليلا، قليل مهما يعني علم العبد مما علمه الله سبحانه وتعالى، فهو لا شيء بالنسبة إلى علم الله جل وعلا. وكما قال موسى للخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر. قال: قوله زاخرة، أي ممتلئة. قوله: لن يبلغ الكادح فيه آخره، الكادح هو المجد في العمل: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه﴾، كادح يعني تجتهد وتعمل وتجد. قال: أي أن الإنسان مهما جد واجتهد، فإنه لن يبلغ آخر العلم، لأنه لن يستطيع أحد أن يبلغ البحر مهما كان. وبهذا نستفيد من كلام المؤلف رحمه الله أن الإنسان لا يلزم أن يكون فقيها مدققا، يعني أن يبلغ الغاية في الفقه، أو أن يكون أصوليا محررا، أو أن يكون محدثا حافظا، هذا ليس بلازم. قال: لكن في أصوله تسهيل لنيله، فاحرص تجد سبيلا. يقول الناظم رحمه الله: لكن في أصوله تسهيل، أي في أصول العلم ما يسهل لك الوقوف على كثير من العلم لنيله، فاحرص تجد سبيلا، أي يحرص على أصول العلم وقواعده، تجد سبيلا إلى الحصول على كثير من العلم. قال الشارح: قوله لكن في أصوله، أي أن في أصول العلم تسهيل لنيله. وهذه فائدة من فوائد أصول الفقه والقواعد الفقهية. قال: قوله في أصوله، تقدم تحرير ذلك. قوله فاحرص، الحرص شدة الرغبة في الشيء. قوله تجد سبيلا، يعني طريقا إلى معرفة العلم والوصول إلى ما قصدت معرفته، وذلك بضبط هذه الأصول والقواعد. قال الناظم رحمه الله: فاغتنم القواعد والأصول، فمن تفوت يحرم الوصول. قوله فاغتنم، خذ واظفر بالقواعد والأصول. كما أن المجاهد يحرص على أن يظفر بالغنيمة تبعا للجهاد في سبيل الله. قال: قوله فمن تفوت، من اسم شرط جازم، وتفوت فعل الشرط. قوله يحرم الوصول، يحرم جواب الشرط، وحرك لالتقاء الساكنين، والأصل أنه ساكن. قال: يعني يحرم أن يصل إلى مقصوده من التمكن من العلم. ففرق بين شخص ألم بهذه الأصول والقواعد، فإنه يتمكن من العلم، وبين شخص قد فاتته هذه الأصول والقواعد، فإنه سبب للحرمان من التمكن. قالوا: هذا ليس خاصا فقط بأصول الفقه وقواعده، بل في مصطلح الحديث، إذا ألم بقواعد الجرح والتعديل، وما يتعلق بقواعد التصحيح إلى آخره، فإنه يضبط علم الحديث. وإذا فاتته مثل هذه القواعد، فإنه يحرم الوصول إلى الضبط. قال الناظم رحمه الله في البيت الثامن: وهاك من هذه الأصول جملة، أرجو بها عالي الجنان نزلة. قال: قوله هاك، اسم فعل أمر بمعنى خذ. قال: وهاك لا يتغير إذا خاطبت به الواحد والاثنين والجماعة، وإنما يتغير كاف الخطاب فقط. قوله من هذه، تبعيضية، فالشيخ رحمه الله لم يذكر كافة الأصول والقواعد، وإنما ذكر منها جملة. قال: والذي ذكره الشيخ رحمه الله إذا تأمله الإنسان، يجد أنه استوعب مهمات الأصول والقواعد، كما سيأتي إن شاء الله. قوله أرجو، يعني أسأل الله عز وجل. ونسأل الله عز وجل لشيخنا أن يحقق له مطلوبه، بأن يجيب سؤله، آمين. قوله عالي الجنان، نزل، وهنا في النسخة عندنا عالي الجنان بغير ياء، وفي نسخة أخرى التي شرحها الشيخ رحمه الله عثيمين بإثبات الياء. قال: ثم قال في الشرح: عالي بإسكان الياء. قال: والأصل أن تفتح لأجل استقامة الوزن، يعني عالي الجنان نزل. وهنا حذف الياء، والظاهر الله أعلم الصواب إثباتها: أرجو بها عالي الجنان نزلا، لأن الأصل عالي الجنان. قال: يعني العالي منها، وهي جنة الفردوس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة». والحديث في البخاري. والنزل: الضيافة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح»، يعني كلما ذهب إلى المسجد في الصباح أو رجع منه، أعد الله له نزلا وضيافة في الجنة. والحديث في الصحيحين. قال: قوله الجنان، جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله لأوليائه في الآخرة، وسميت بهذا الاسم لأنها تجن من دخلها، لكثرة أشجارها، يعني من دخلها غابة، ولم ير شيئا لكثرة أشجارها. قال: قوله نزلا، أي منزلا وضيافة. قال الناظم رحمه الله في البيت التاسع: قواعدا من قول أهل العلم، وليس لي فيها سوى ذا النظم. قال: قوله قواعدا، بالفتح، لكن نونا، وإن كان لا ينصرف لضرورة النظم، ما المانع له من الصرف؟ نعم، صيغة منتهى الجموع، وهي نعم ونونا هنا لضرورة النظم. قال: قوله وليس لي فيها سوى ذا النظم، يعني أن الشيخ رحمه الله لم يأت بها من عنده، وإنما هذه القواعد سطرها العلماء رحمهم الله، وحرروها وكتبوها. وهذا من تواضعه رحمه الله. قال: وهذا من تواضع المصنف اللامن عثيمين رحمه الله، أنه ما نسب هذه القواعد إلى نفسه، وإنما أخذها من أهل العلم، واستفاد منها مما كتبه وسطره العلماء، فنظمها بهذا النظم. قال: وهذا من تواضع العالم وطالب العلم، ومعرفة لأهل العلم فضلهم ومنزلتهم، وعدم الاغترار والعجب. قال: وهناك كتب كثيرة في القواعد للعلماء رحمهم الله، ذكروها نثرا، فقام الشيخ رحمه الله ونظم هذه القواعد. قال: القواعد والأصول، هذا عنوان لما سيذكره بعد من القواعد الفقهية. قال الناظم رحمه الله: القواعد والأصول. قال الشارح: القواعد والأصول، هذا عنوان لما سيذكر بعد من القواعد الفقهية والأصولية، وقد تقدم تعريفهما والفرق بينهما. قال الناظم رحمه الله في البيت العاشر: الدين جاء لسعادة البشر، والانتفاء الشر عنهم، والضرر. قال الشارح: قوله الدين جاء لسعادة البشر، قال الشيخ السعدي رحمه الله في منظومته: الدين مبني على المصالح في جلبها، والدرء للقبائح. قال: فنظير قول الشيخ رحمه الله: الدين جاء لسعادة البشر، قول الشيخ السعدي رحمه الله: الدين مبني على المصالح إلى آخره. وهذا الشروع في ذكر القواعد والأصول، وهذه أول قاعدة ابتدأها الشيخ رحمه الله في هذا البيت، وهي قاعدة أن الدين مبني على جلب المصالح وتحقيقها، ودرء المفاسد وتقليلها. قال: وإذا تأملت الشريعة، فهي كما ذكر الشيخ رحمه الله، وكما ذكره قبله أيضا الشيخ السعدي: أن الدين جاء لسعادة البشر، إذ الدين مبني على مصالح الخلق، وبهذا تحصل سعادتهم. فالله عز وجل أكمل الدين وأتمه، وبناه على المصالح. ويتضح هذا بمعرفة هذه المصالح. قال: المصالح جمع مصلحة، والمصلحة على وزن مفعلة، وهي في اللغة المنفعة. وأما في الاصطلاح، فهي المنفعة التي قصدها الشارع لعباده، من حفظ أديانهم، وعقولهم، وأموالهم، ونسلهم، وأنفسهم. قال: وبعضهم يعبر بدل الناس: الضروريات الخمس. ودفع كل ما يفوت هذه المصالح أو يخل بها، إذن المصالح كل ما قصد الشريعة لحفظه من الضروريات الخمس، فهو مصلحة. وكل ما جاءت الشريعة لدفعه مما يضر هذه الضروريات، فهي المفسدة. قال: ومن أدلة على اعتبار الشريعة للمصلحة، قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ الآية. قال: فتأمل ما أمر الله به، تجده مصلحة ومنفعة. وقل ما أمر الله سبحانه وتعالى به، ففيه مصلحة، سواء من العبادات والطاعات، أو ما يتعلق بحقوق الخلق، من بر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، وغير ذلك. قال: العدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، سواء كان الواجب منه أو المستحب، وكل فيه مصلحة. قال: وتأمل ما نهى عنه، تجده مفسدة ومضرة. فكل ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، أو رسوله، فلا ينهى عنه إلا لمفسدة تعود على الإنسان في دينه أو دنياه. قال: والتوحيد فيه من المصالح العظيمة، كتسليم القلب لخالقه، ولما صرفه عن التوجه لغير الله تعالى، وعدم الخنوع لمخلوق مثله، لا ينفعه ولا يضره. والخنوع بمعنى الذل والخضوع. قال: والفوز بجزاء الموحدين، والنجاة من عقاب المشركين. وهذا أعظم الأوامر والواجبات التي افترضها الله سبحانه وتعالى، هو التوحيد الذي به سعادة المرء في الدنيا والآخرة. قال: وبقية الواجبات كلها مكملات للتوحيد. قال: والصلاة صلة بين العبد وربه، يناجي ربه، ويجد فيها راحة قلبه، وقرة عينه، وتكفير سيئاته، وزيادة حسناته، فيها من المصالح الشيء العظيم. قال: والزكاة طهرة للقلوب والأخلاق والأموال، والفقراء والأغنياء. وهكذا الصوم والحج إلى آخره، يعني من الفرائض الواجبات التي افترضها الله سبحانه وتعالى، ففيها من المصالح العظيمة ما يبهر العقل ويحيره. قال: ولو تأمل العبد العبادات الشرعية والمعاملات، وجد من حكمها ومصالحها ما يبهر العقل، مع أنه لا يدرك إلا جزءا يسيرا من حكمها ومصالحها، وقد يفوته الشيء الكثير. قال: والأحكام الشرعية جاءت لمصلحة المكلفين، وذلك بحفظ الكليات الخمس: الدين والعقل والمال والنفس والنسل. قال: والعلماء رحمهم الله يقسمون المصالح إلى ثلاثة أقسام: مصالح ضرورية، ومصالح حاجية، ومصالح تحسينية. قال: المصالح الضرورية هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وهي تشمل حفظ الضروريات الخمس التي اتفقت الشرائع على حفظها. قال: إذا تأملت الشريعة، وجدتها قد جاءت بحفظ الدين من عدة أوجه. قال: وجاءت الشريعة بحفظ العقل من عدة أوجه. قال: وجاءت الشريعة بحفظ المال من عدة أوجه. قال: وجاءت الشريعة بحفظ النفس من عدة أوجه. قال: وفائدة نسبة للنسل والعرض، فقد جاءت الشريعة بحفظه من عدة أوجه. قالوا: المصالح الحاجية، طيب نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.