الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 14، ألقاها
يأخذ أهل السنة بكتاب الله وسنة رسوله على ظاهرها دون تأويل أو تحريف، ويستشهد بقول الإمام الشافعي رحمه الله. يرفضون الخوض في مسائل الصفات الإلهية دون دليل واضح.
رد وهب بن منبه على الجعد بن درهم الذي نفى صفات الله تعالى مثل الكلام والخلة، وأثبت أهل السنة الصفات بظاهر النصوص الشرعية. انتقد وهب بن منبه منهج الجعد في نفي الصفات دون دليل.
التأويلات المختلفة للصفات الإلهية تؤدي إلى معان باطلة، وقصة الجعد بن درهم الذي قتل بسبب آرائه حول الصفات ونفيه لبعض الأحداث التاريخية الدينية. أهل السنة يحذرون من مثل هذه البدع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: بعدما ذكر بعض الفروق أو الفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة، أن منهج التلقي عند أهل السنة أنهم يأخذون بكتاب الله، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظاهرها، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: على مراد الله، ويأخذون ما جاء به الرسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله، أي على ظاهرها، على ما جاء لا يردونها وينفونها كما تفعل الجهمية، ولا أيضا يتأولونها كما تفعل المعتزلة والشافعية، ولا أيضا يعملون الحيل عقولهم وراءها حتى يردوا هذه الصفة التي جاءت، والتي نطق بها الكتاب والسنة. قال رحمه الله: وروى يونس بن عبد الصمد بن معقل عن نبيه، ويونس بن عبد الصمد بن معقل بن منبه، معقل بن منبه أخو وهب وهمام، وهم من أهل اليمن، حمام بن منبه معروف صاحب الصحيفة التي رواها عن أبي هريرة، وكذلك أيضا وهب فقيه معروف أيضا، ويروي عن أهل الكتاب، وأخوه معقل، وهذا يونس بن عبد الصمد بن معقل بن منبه اليماني. وهنا قوله: وروى يونس، الله أعلم من الذي رواه، وإلا فقد روى الإمام أحمد عن يونس، الإمام أحمد يروي عن يونس بن عبد الصمد، وسأله عبد الله بن أحمد: عن يونس بن عبد الصمد، قال: قد كتبنا عنه. وهذه من عبارات الإمام أحمد التي فيها التوثيق والتعديل: قد كتبنا عنه، فإن كان رأى فيه شيئا فإنه ينبه، وإلا فقوله: قد كتبنا عنه، معنى ذلك أنه كتابه صحيحة، أو أن حديثه صحيحة. قال: وروى يونس بن عبد الصمد بن معقل عن أبيه معقل بن منبه أن الجعد بن درهم قدم على وهب بن منبه، وهو أخوه يسأل عن صفات الله تعالى، أنه قدم لعله إلى اليمن، والجعد بن درهم من العراق، أو لعله لقيه في مكان، الله أعلم. فقال: قدم على وهب، كأنه قدم إليه إلى اليمن، فقال له وهب بن منبه: ويلك يا جعد، بعض المسألة، إني لا أظنك من الهالكين. بعض المسألة أي: اترك هذه المسائل، فهو كان يشكك في القرآن والسنة، ولا يأخذ بما جاء عن الله عز وجل كما سيأتيه. قال رحمه الله: أي وهب بن منبه: ويلك يا جعد، بعض المسألة، إني لا أظنك من الهالكين، يا جعد، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدا وعينا ووجها لما قلنا ذلك، فاتق الله. قال: ثم لم يلبث جعدا أن قتل وصلب. وهذه كلمة عظيمة من هذا التابعي وهب بن منبه رحمه الله، أخو همام بن منبه الراوي عن أبي هريرة، وهو ثقة، وهب ثقة مثل أخيه، ووهب كان فقيها، وكان أيضا يروي عن أهل الكتاب. فجاءه الجعد بن درهم وسأله عن بعض المسائل في الصفات، وفي تأويلها، وفي نفيها، لأنه كما قال خالد بن عبد الله القسري: الرواية المشهورة التي جاءت عن خالد بن عبد الله القسري، وإن كان في بعض رواياتها شيء من الكلام، لكن اشتهرت حتى كما قال بعضهم: أغنت شهرتها عن الإسناد. وقتل خالد بن عبد الله القسري للجعد بن درهم ثابت من طرق أخرى، هو الذي قتله، وقتله لأنه كما قال في هذه الرواية: ضحوا فتقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى، وأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، أي: أنه ينفي هذه الصفات، ينفي صفة الخلة، وكذلك صفة الكلام لله جل وعلا، فلهذا قتله. كما قلنا: الجعد بن درهم قتله خالد بن عبد الله القسري، وكان أميرا على العراق، وقتل بعد ذلك الجهيد بن صفوان سلف بن قتيبة. فقال وهب بن منبه رحمه الله: يا جعد، بعض المسألة، إني لأظنك من الهالكين، أي: بهذا التشكيك الذي تشكك به، يا جعد، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدا وعينا ووجها لما قلنا ذلك، لأننا لا نتكلم عن الله عز وجل بغير علم، كما أننا لا نعرف ذات الله سبحانه وتعالى، فكذلك لا نعرف الصفات، لكن لأنه أخبرنا بهذه الصفات قلنا بها، أخبرنا بأن له يدين، وأخبرنا بأن له عينين، وأخبرنا بأن له وجها، وكل ذلك أخبرنا به أنه سبحانه وتعالى، فلما أخبرنا بذلك أثبتناه، وقلنا بظاهره. فهل يلام أهل السنة على هذا؟ فأهل السنة طريقتهم واضحة، ولهذا ذكر هذا الأثر لأجل أن يبين طريقة أهل السنة أنها واضحة، أخذوا بالظاهر، ولأن الذي يأخذ بالظاهر لا يقالب بالدليل، وإنما يقالب بالدليل الذي يأخذ خلاف الظاهر، فيقال له: أين دليلك على أن هذا خلاف الظاهر؟ فإن جاء مثلا بشيء مثل ما يقولون أن إثبات الصفات استلزم التشبيه، وما تقول المعتزلة ولا الأشاعرة، فيقال لهم: هذا من أين لكم هذا الكلام؟ إثبات الصفات استلزم التشبيه، ما من أحد منكم إلا وهو يثبت، فهذه الأشاعرة يثبتون السبع الصفات، وكذلك المعتزلة يثبتون صفة الوجود، وكذلك الجهمية، فهذه صفة أيضا، فلماذا تفرقون بين الصفات، هذه تثبت وهذه لا تثبت؟ فهذا قول على الله عز وجل بغير علم. ولو سلمنا لكم أيضا أن هذه الصفة تؤول، فمثلا صفة اليد، لو قلنا أنكم أتيتم بقرينة حتى نصرفها عن ظاهرها، طيب صفة اليد لها في لغة العرب خمس وعشرون معنى، فبأي معنى تجعلونها؟ فتقولون مثلا أنها لها معنى كذا، هو قول على الله عز وجل، فمثلا قول الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، فتجد أن هؤلاء اختلفوا، ومنهم من قال: نعمته، ومنهم من قال: قدرته، ومنهم من قال: رحمته، وهذا كله باطل، لأنه فيه تعدد لرحمة الله، وقد جاء أن رحمة الله المخلوقة أكثر من ذلك، كما أرادوا بها أنها مخلوقة، وكذلك أيضا النعمة، هل هي نعمتان فقط؟ والقدرة، هل هي قدرتان فقط؟ فهذا كله يجعلهم في حيرة، وهذا بسبب أنهم لم يتبعوا ظاهر ما جاء في الكتاب والسنة، فلهذا فهم يأتون بمعان باطلة، معان هم يختارونها. بل يداه مبسوطتان، فإن قالوا: نعمته، فالمعنى قد لا يلائم، فإن قالوا: قدرتاه، فالمعنى أيضا قد لا يلائم، وكذلك إذا قالوا: رحمته، أيضا المعنى هنا لا يلائم، لأن المراد به العطاء، فلهذا فتأويلهم هذه الآيات وهذه الصفات بهذه المعاني، قول على الله عز وجل بغير علم، معنى تحديد المعنى، وتحديد المعنى كما قلنا أن هذه اليد مثلا في لغة العرب تأتي بأكثر من خمس وعشرين أو بخمس وعشرين معنى، فتحديد معنى يحتاج إلى دليل، فلهذا فهو قول على الله بغير علم. فالذي أخذ بالظاهر عنده دليله وهو الظاهر، فهو أخذ بدليل صحيح وهو الظاهر. فقال له: فقال وهب: لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدا وعينا ووجها لما قلنا ذلك، فاتق الله. قال: ثم لم يلبث جعدا أن قتل وصلب. قال: وخطب خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالبصرة، فقال في آخر خطبته: «اصرفوا إلى منازلكم وضحوا بارك الله لكم في ضحاياكم، فإني مضح اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول: لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما»، قال سبحانه جل وعز عما يقول الجعد علوا كبيرا، ونزل عن المنبر فذبحوه بيده، وأمر بصلبه. وهذه القصة قد ذكرها الإمام البخاري في «خلق أفعال عباد»، وذكرها عثمان بن سعيد الدارمي في «الرد على الجهمية»، وكذلك البيهقي في «الأسماء والصفات»، وأيضا ذكرها الإمام الطبراني في «شرح الاعتقاد لسنة»، وفيها وهي من رواية عبد الرحمن بن محمد بن حبيب، وعبد الرحمن بن محمد فيه وثقه ابن حبان، ولم يوثقه غيره، لكن كما قلنا: القصة مشهورة قد اشتهرت من غير طريقه، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله. وكذلك أيضا جاء في كتب التاريخ أن خالد بن عبد الله القسري هو الذي قتل الجعد، فصح قتله، وإن كانت الحكاية هذه فيها ضعف، لكن اشتهرت واشتهر الكلام فيها، لكن أثر وهب بن منبه صحيح. المهم خلاصة ما أراد أن يبين أن أهل السنة أخذوا بظاهر النصوص فقالوا بها، وأما هذا الذي أحدث هذه البدعة وهو الجعد، فقد ارتكب إثما عظيما، لأنه نفى ما جاء عن الله عز وجل، وما جاء عن صفاته، أو ما ذكره الله عز وجل من صفاته، وكذلك ذكره نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.