الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 15، ألقاها
يؤمن السلف بنزول الرب جل وعلا كل ليلة إلى سماء الدنيا دون تشبيه أو تكييف، ويمرون الأخبار الصحيحة بذلك على ظاهرها. كما يثبتون صفات الله الاختيارية مثل المجيء والإتيان كما وردت في القرآن الكريم.
يؤكد الكلام على إثبات نزول الله وإتيانه يوم القيامة كما جاء في النصوص الشرعية، ويرد على المعتزلة الذين يحاولون تأويل هذه النصوص. يُظهر أن إتيان الله حقيقة وليس ملكًا أو رحمته.
المقطع يتناول تفسير الواو في الآية الكريمة، حيث ذكر أقوال السلف في كونها واو استئنافية أو عاطفة، وتفسير المتشابه في القرآن. الراسخون في العلم يؤمنون بالمتشابه كما أنزل ويكلون علم حقيقته إلى الله.
أبو بكر الإسماعيلي روى عن أئمة معروفين بالحديث والثقة والعلم، وسيتم ذكر تفاصيل ذلك في درس لاحق. يشير إلى اكتفائه بالحديث حتى الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك، قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: قال اعتقادهم نزول الرب سبحانه وتعالى ومجيئه بلا كيف. قال: اعتقاد السلف نزول الرب جل وعلا ومجيئه بلا كيف، أي لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله جل وعلا، لكن نؤمن بما وردت به السنة من نزوله سبحانه وتعالى. وقد جاءت الأحاديث بذلك النزول، جاء في السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث متكاثرة يمكن أن تكون متواترة في نزول الرب جل وعلا كل ليلة إلى سماء الدنيا، كما سيأتي في الأحاديث التي سيذكرها المؤلف. وكذلك أيضًا ما يذكره عنها العلماء وعن السلف كعبد الله بن المبارك وسفيان الثوري وإبراهيم النخعي وغيرهم من أئمة السلف لإثبات هذه الصفة لله عز وجل. وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابًا في شرح حديث النزول، وكان يثبت الصفات، لا كما ذكر عنه ذلك الكذاب ابن بطوطة أنه شبه نزول الله عز وجل بنزوله من المنبر، فهذا حاشا وكلا أن يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فهذا قد ألف كتابًا لم يذكر فيه شيء من هذا، بل ذكر ضده، وأن كيفية ذلك لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. وإنما يشبه صفات الله عز وجل بخلقه هم الممثلة، مشبهة أصحاب هشام بن عبد الملك، ليس هو الأمير، لما رجل من المشبهة من الشيعة أو الروافض، كان مذهبهم التشبيه، ثم بعد ذلك صار مذهبهم من الاعتزال. فقال رحمه الله: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب جل وعز كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف. والتمثيل كما ذكرنا قبل أن يجعل له مثل، والتكييف أن يجعل له صورة معينة، يقول مثل كذا أو يفعل كذا، بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره. والنزول صفة من الصفات الاختيارية أو الفعلية التي تثبت بمشيئة الله، تكون تحت مشيئة الله جل وعلا. ولهذا جاء النزول في أول الليل، وجاء في نصف الليل، وجاء في ثلث الأخير من الليل، وهذا كما قال العلماء: إن الله عز وجل متى شاء نزل، سواء كان في أول الليل أو في وسطه أو في آخره. قالوا: يمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى الله. وكذلك يثبتون ما أنزله الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله عز اسمه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. وهذا يثبته أهل السنة كما جاءت، وسيأتي معنا إن شاء الله أنه لا يجوز أن يقال: إنه ينزل ملك أو يأتي ملك، أو قوله: «وجاء ربك» أي جاء ملك، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وأيضًا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾. وقضي الأمر أن الملائكة يأتون كذلك، وقال في آية النحل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. وهذه الآية قاصمة الظهر للمعتزلة، لأن الله عز وجل ذكر الملك وذكر الآيات، فأين سيذهبون؟ فإن قالوا: إنه ملك، فقد ذكره الله عز وجل، وإن قالوا: رحمته ومثلا خيره، فقد ذكر الله عز وجل أنه بعض آيات، فلهذا لا مفر لهم هنا. لابد أن يثبت الظاهر: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. فهذا يدل على أن إتيان الله عز وجل حقيقة، لا مجال للتأويل هنا. كذلك في النزول كما سيأتي إن شاء الله تعالى من كلام أئمة السلف. قال بعضهم: إنما ينزل ملك، قال: من أين ينزل؟ معنا الذي يقول: إنه ينزل ملك، من أين ينزل هذا الملك؟ فإذا كان من عند الله عز وجل، ففيه إثبات الفوقية لله. فإذا فروا من إثبات النزول لله عز وجل، سيقعون في إثبات الفوقية لله سبحانه جل وعلا. وأهل السنة بحمد الله أخذوا ظاهر هذه النصوص ووكلوا كيفية ذلك إلى الله، لكن يؤمنون بما جاء به الله، لكن كيف ينزل الله؟ أعلم هذا لا يعلمه إلا الله. فربنا جل وعلا قد ذكر أنه مستو على عرشه وأنه قريب من عباده، فلا يجوز للإنسان أن يشبه الله عز وجل بخلقه فيضع استطاعة المخلوقين فيفكر باستطاعة الله عز وجل أنها كاستطاعة المخلوقين. قال رحمه الله: وقد قرأت في رسالة الشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان، والتي ألفها في اعتقاد الأئمة: «أن الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم». وقد ذكرنا ترجمة الإمام أبي بكر إسماعيلي الجيلاني رحمه الله فيما تقدم من الكلام عندما ذكر بعض الرسالات أو بعض الرسائل التي ألفت في هذا الباب. وأبو بكر الإسماعيلي هو صاحب مستخرج على البخاري، وهو إمام من أئمة المسلمين وأئمة الحديث. قال: وقد قال الله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. قال: «ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف». فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، وانتهينا إلى ما حكمه سبحانه، وكففنا عن الذي يتشابه، إذ كنا قد أمرنا في قول عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فهنا في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ قد ذكرنا أقوال السلف في هذه الواو. وما يعلم هذه الواو قد ذكر فيها تفسيرين عن السلف، تفسير عن ابن عباس أنها واو استئنافية، وتفسير عن جعفر بن الزبير ومحمد بن جعفر بن الزبير، وجاء كذلك عن مجاهد وعن جماعة أيضًا من السلف أن الواو عاطفة، وكل التفسيرين صحيح. فمن قال: إن الواو عاطفة، فمعنى كلامه أن أهل العلم يعلمون تأويل المتشابه، يعلمون تأويل المتشابه، وهذا المتشابه هو العام والخاص والمطلق المقيد والمجمل المبين، فيعرفها العلماء، يردون المحكم، يردون العام إلى الخاص أو يردون الخاص فيقيدون به العام، ويقيدون المطلق بالمقيد، ويبينون المجمل بالمفصل، وهكذا، فهذا يعرفه العلماء لا غيرهم، لأنهم يعلمون نصوص الكتاب والسنة. فإن قالوا: إن الواو استئنافية في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي أن هذا الأمر تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله. والراسخون في العلم يقولون: «آمنا به كل من عند ربنا»، أن يؤمنون به كما أنزل، يؤمنون به بظاهره كما أنزل، ويقولون: «كل من عند ربنا»، فما عرفوا معناه أثبتوا، وما لم يعرفوا معناه كلوه إلى الله وأفوضوا أمره إلى الله، مثل حقائق الصفات، مثل حقائق نعيم الجنة وعذاب النار، ومثل أيضًا غير ذلك من هذه الأشياء المتشابه التي لا يعلمها إلا الله. فالمتشابه على نوعين: متشابه ما إذا رد إلى المحكم عرف معناه، ومتشابه لا يعرف حقيقته فيرد إلى الله جل وعلا. وقد يكون هذا المتشابه نسبي، فهناك من العلماء من يعلم تأويل المتشابه ومنهم من لا يعلم. ولهذا جعل ابن عباس أنه كان يقول: «أنا ممن يعلم المتشابه»، وفسر الواو هنا على أنها عاطفة. ثم ذكر رحمه الله أسانيد وقصص عن بعض السلف عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الله المبارك، إسحاق بن إبراهيم لما دخل على الأمير عبد الله بن طاهر، وكذلك ذكر عن عبد الله المبارك في صفة إثبات هذه الصفة، وكذلك أيضًا ذكر عن غيرهم من الأئمة. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذه الأسانيد التي ذكرها المؤلف هنا عن أبي بكر الإسماعيلي. وأيضًا يبين من الذين روى عنهم، لأن هؤلاء الذين روى عنهم أبو بكر الإسماعيلي كلهم أئمة معروفون بالحديث وأيضًا معروفون بالثقة ومعروفون أيضًا بالعلم. فإن شاء الله تعالى نذكر ذلك في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.