الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع مواقف السلف من نصوص الصفات الإلهية مثل النزول والرؤية، وقصة صبيغ بن عسل وتأويله للقرآن وكيف تعامل عمر بن الخطاب معه.
ناقش المقطع خطورة الخوض في أسماء الله وصفاته بغير علم، وأشار إلى أن أهل البدع يتميزون بثلاث صفات، ويعتبر الابتداع في الدين أخطر من ارتكاب المعاصي.
الفرق بين الشهوة والشبهة وتأثيرهما على الإنسان، حيث أن الشبهة تؤثر على القلب بشكل أعمق وتستمر بينما يمكن التوبة من الشهوة بسهولة نسبية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكرنا في كتاب العقيدة السلفية للإمام الصابوني -رحمه الله- ذكر بعض الأحاديث وأسهب فيها جدا، رحمه الله، في ذكر أحاديث النزول. ثم ذكر بعض الأخبار التي جاءت عن السلف في التعامل مع هذه النصوص -نصوص النزول-. فذكرنا أثر عبد الله بن المبارك أنه سمع محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن زيد -أو قيل حماد بن أبي حنيفة- قلنا لهؤلاء -أي الجهمية- رأيتم قول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، أنتم آخر كلام في النزول؟ قال: وقوله عز وجل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، فهل يجيء ربنا كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾؟ قال حماد بن أبي حنيفة: يسأل بعض الجهمية، يقول: هذه الآيات فيها أن الله عز وجل يأتي، وكذلك الملائكة، فهل يأتي الله عز وجل؟ أنتم تعتقدون هذا؟ فقالوا: أما الملائكة فيجيئون صفا صفا، وأما الرب تعالى فإننا لا ندري ما عنينا بذلك، ولا ندري كيف مجيئه أو جيئته. فقلنا لهم: إن لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكن نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه. أرأيتم من أنكر أن الملائكة لا تجيء صفا صفا، ما هو عندكم؟ قالوا: هو كافر مكذب. قال: قلنا: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه لا يجيء، فهو كافر مكذب. لماذا نفرق بين مجيء الرب جل وعلا ومجيء الملائكة؟ قال أبو عبد الله بن بطة البغدادي -أيضا في كتابه- ذكر إبراهيم النخعي قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا قال لك الجهمي: أنا لا أؤمن برب يزول عن مكانه، فقل له: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. ثم ذكر -أيضا- بعد ذلك مواقف السلف في هذه القضية، فقال: ورووا عن يزيد بن هارون في مجلسه حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي في الرؤية، وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر». يزيد بن هارون -أبو خالد الواسطي- حافظ من حفاظ أهل الواسط، وإمام من أئمتهم، ذكر مرة في مجلسه حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله في الرؤية: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر». فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد، ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد -أي غضب- قال: «ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به». ويلك، ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث، أو يتكلم فيه بشيء من تفسير نفسه، إلا من سفه نفسه واستخف بدينه؟ إذا سمعتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعوه، ولا تمتدحوا فيه، فإنكم إن اتبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم. هذا أيضا العذر عن يزيد بن هارون: أن المؤمن يؤمن بما جاء في الكتاب والسنة، لا ينبغي أن يتأول أو يحرف ما جاء في الكتاب والسنة، يؤمن بما جاء عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. فقال له: «ما أحوجك إلى ما فعل بصبيغ». صبيغ بن عسل قصته مشهورة في عهد عمر، كما سيذكرها المؤلف هنا قريبا. قصة صبيغ الذي قال له يزيد بن هارون: «ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به»، هي ما رواه يحيى بن السعيد عن سعيد المسير: أن صبيغا التميمي أتى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَالدَّارِيَاتِ دَرْوًا﴾. هذا الصبيغ جاء إلى عمر رضي الله عنه، وقد ذكر عمر أنه يشكل على الناس -يشبه على الناس- في الآيات، يلبس على الناس في الآيات. فقال: فجاء إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الدارييات دروا؟ إيش هذه الداريات؟ فقال له عمر رضي الله عنه: هي الرياح عندما تذر. ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، ما قلته أنا، لا أتكلم في القرآن برأي. قال: فأخبرني عن قوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾؟ قال: هي السحاب. قال: فالحاملات هي السحاب، فأحمل معها الماء؟ قال: ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، ما قلته. ثم قال: فأخبرني عن قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؟ قال: الملائكة. قال له عمر: الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، ما قلته. قال: فأخبرني عن قوله: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾؟ قال: هي السفن. ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، ما قلته. ثم أمر به فضرب مئة سوط، ثم جعله في بيت -أي حبسه- حتى إذا برأ، دعا به، ثم ضربه مئة سوط أخرى، ثم حمله على قتب -على قتب، معنى: على التنور أو القتب، يريدون به الرحل الصغير الذي على قدر السنام- على ظهره، وأجلسه فيه. ويقال أيضا للتنور: قتب، معنى: الحديد الذي يوضع في التنور يقال له: قتب. قال: وكتب إلى أبي موسى الأشعري: أن يخرجه إلى الكوفة -أو هو من الكوفة وأرجعه إليها-، لكن قال لأبي موسى: حرم عليه مجالسة الناس. فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى الأشعري. وهذا يدل على أن عمر هو الباب -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- «باب مغلق أغلق على الفتن». فلما أراد هذا الصبيغ أن يشكك الناس في القرآن، جاء وجلده، ثم أرسله إلى أبي موسى، فحلف بالأيمان المغلظة: أنه ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا، خلاص ذهب ذلك الشك الذي يلبس به على الناس، ذهب من نفسه. قال: فكتب إلى عمر يخبره، فكتب إليه عمر: ما أخاله إلا قد صدق، خل بينه وبين مجالسة الناس. والمهم أن عمر رضي الله عنه أدبه بهذا الأدب العظيم. وقد صحت هذه القصة من طرق عن عمر رضي الله عنه، وإن كان بعضها فيها ضعف، لكن جاءت الطرق تدل على أنها صحيحة. وقال: قد أدبني العبد الصالح. جاء في رواية: أنه ما زال يضربه حتى شجه، فجعل الدم يسيل على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي. لأن ضربه شج في رأسه أذهب ما كان يشكك به على الناس. وهذا لشدة عمر في دين الله عز وجل، لأن هذا الباب لو فتح لضل أناس كثير، لكن أغلقه عمر رضي الله عنه، وهو غلاق للفتن. قال: أن رجلا كان عنده وكيع، فقرأ وكيع حديثا من أحاديث الصفات، فاهتز رجل، فقال: ما لكم تهتكون عنده متشابها؟! قال: كنا نجلس عند علمائنا، وكانوا يقرأون ذلك، ولا يقولون شيئا، مع ما يتكلمون في مثل هذه الأشياء، يمرون بها كما ذكر الله عز وجل. لكن لما دخل الزيغ في القلوب، تجد أن هؤلاء -أهل الأهواء والزيغ- دخل في قلوبهم مثل هذه الأمور. فذكر أولا أن أهل البدع لهم ثلاث صفات تميزهم عن غيرهم -أي الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته-. أولا: أنهم يتكلمون ويخوضون في أسماء الله وصفاته بغير حق، إما أن يقولوا أنها غير مراد لله، وإما أنهم يأتون بمعاني ليست معانيها. وكذلك الذين يتكلمون في كلامه وعلمه وقدرته -أيضا- من المعتزلة وغيرهم. الأمر الثالث: أنهم لا يسكتون، أما سكت عنه الصحابة والتابعون. وهذا قيد عظيم قد استدل به كثير من السلف على أهل البدع: أنه يجب أن يسعهم ما وسع الصحابة والتابعون. الصحابة قرأوا هذه الآيات، والتابعون قرأوا هذه الآيات، لماذا لم يتكلموا فيها؟ لماذا لم يأتوا بمثل ما أتى هؤلاء أهل البدع؟ ولهذا لما رأوا هذه الحجة عليهم، قاموا وقالوا: مذهب السلف أسلم، أنهم يسكتون، ومذهب الخلف أعلم وأحكم -معنى: أن طريقة السلف-. سبحان الله! فالسلف هم أعلم الناس بكتاب الله، فيأتي الخلف وهم أعلم منهم! فهذا باطل. وإنما أرادوا أن يدللوا على طريقتهم. ثم قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد الخفاف -وهو حافظ- قال: أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقيه، قال: حدثنا الربيع بن سليمان -وهو المرادي الجيزي- قال: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك أحب إليه من أن يلقاه بشيء من الأهواء». وهذا كلام عظيم من الإمام الشافعي رحمه الله، قد أخرجه الإمام ابن أبي حاتم بسناد صحيح -أيضا- في آداب الشافعي ومناقبه، وكذلك البيهقي، أخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية. وهو كلام عظيم من الإمام الشافعي رحمه الله، وقد ذكره الإمام الألكائي في شرح اعتقاد أهل السنة من طرق عن الربيع بن سليمان عن الشافعي. فلهذا فالإمام الشافعي يذكر هنا أن أهل الشبهات أعظم من أهل الشهوات، مع أن المرض الذي يأتي بالشهوة -من المعاصي- هذا أقل خطرا من المرض الذي يأتي من الشبهة، لأن الشبهة تكون ملازمة لصاحبها، وأيضا يعتقد أنه على الحق. الشبهة تكون ملازمة لصاحبها ويعتقد أنه على الحق. وكذلك أيضا أما صاحب الشهوة غالبا يعلم أنه على خطأ، والشهوة أيضا غالبا لا تستمر، غالبا يتوب الإنسان منها إذا كان قلبه حيا ويبتعد عنها. لكن الشبهة تتوغل في القلوب، تتوغل في القلوب. هذا ما يذكر إن شاء الله تعالى، نكمل في الدرس اللاحق. الحمد لله رب العالمين.