شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 16

الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 16، ألقاها

مقدمة في اعتقاد السلف حول نزول الله

يشرح اعتقاد السلف في نزول الله سبحانه وتعالى، ويبين أن هذا النزول يليق بجلاله وعظمته دون تكييف أو تشبيه. يفرق بين اللوازم الباطلة واللوازم الحق في هذا السياق.

موقف العلماء من صفات الله تعالى وتطبيقها

يروي مواقف بعض العلماء والأئمة في التعامل مع صفات الله تعالى، خاصة مسألة نزول الله إلى السماء الدنيا. يبين أن السلف كانوا يمرون هذه الصفات كما جاءت دون الخوض في الكيفية أو التشبيه.

إثبات صفات الله عز وجل ومناقشات حولها

يتناول مناقشة بين إسحاق وأحد قواد عبد الله حول نزول الله كل ليلة، ويبين إثبات السلف لصفات الله عز وجل دون تأويل. يشير إلى اختلاف الفرق الكلامية في إثبات أو نفي الصفات بناءً على آرائهم العقلية.

أهمية اتباع النصوص على العقل في مسائل الصفات

أهل السنة يثبتون صفات الله ويقدمون السمع على العقل والنصوص على العقول. يؤكدون على أهمية اتباع الكتاب والسنة على حساب الآراء العقلية الشخصية لضمان عدم الحكم بالهوى أو العقل المنفرد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. يمن الله علينا بما بعد، فقد ذكرنا ما ذكره المؤلف رحمه الله في شرح اعتقاد السلف أو في اعتقاد أصحاب الحديث، أو السلف أصحاب الحديث في عقيدتهم في نزول الرب سبحانه وتعالى، وأنه ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى بلا كيف. وقوله "بلا كيف" أي لا يلزم أننا نعرف كيفية ذلك، ولا أيضًا نتخيل مثل هذه الأمور؛ لأن هذا من اللوازم الباطلة. أن اللوازم الأسماء والصفات، اللوازم ما هي؟ لوازم باطلة، واللوازم حق. فاللوازم الباطلة مثل هذا، الكيفية هناك كيفية، لكن لا نعرفها ولا نعلمها، ولهذا نكلها إلى الله، والحركة وغيرها، فهذا كله لا يثبت لله عز وجل، بل هذه من اللوازم الباطلة. وهناك لوازم حق، وهو أن الله عز وجل ينزل بعلمه ورحمته، وينزل كذلك على ما ذكره ربنا سبحانه وتعالى في كتابه ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ وغيرها من الآيات التي تبين أن الله عز وجل ينزل سبحانه وتعالى، وتنزل معه رحمته، فهي من اللوازم الحق. وليس معنى كما يقوله أهل الهوى أنها تنزل رحمته فقط، وهذا باطل، بل الله عز وجل قد ثبت نزوله سبحانه وتعالى في السنة، وثبت نزول رحمته كما قال الله عز وجل ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، فكل هذا ينزل. قال رحمه الله: "أخبرنا أبو بكر بن زكريا شيباني، وهو فقيه فقهاء الشافعية". ومنها الحديث، قال البغدادي: "قال أبو بكر الخطيب: قال سمعنا منه، قال: سمعت أبو حامد بن الشرقي". وأبو حامد بن الشرقي إمام من أئمة المسلمين، لما رآه بن خزيمة، قال: "حياة أبي حامد بن الشرقي تحول بين الناس وبين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان حافظًا، إمامًا من أئمة المسلمين، كان من أصحاب مسلم بن حجاج". قال: "يقول سمعت حمدان السلمي وأبا داود الخفاف، وهم أيضًا من حفاظ الحديث، يقولان: سمعنا إسحاق إبراهيم الحنظلي يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر". وهذا عبد الله بن طاهر هو الذي أخرج البخاري من بخارى؛ لأنه امتنع أن يحدث لما أرسل إلى البخاري أن يأتي إليه، والبخاري ما يريد أن يدخل عليه، فقال له: "العلم يؤتى إليه". فغضب من هذا وأخرج الإمام البخاري من بخارى، لكن مزق الله عز وجل ملكه، شتته. وإلا كان يقرب أهل العلم، ثم كان بعد ذلك خاصمه. قال إسحاق إبراهيم الحنظلي: "قال للأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا»، كيف ينزل؟ قال: قلت: عجز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف، إنما ينزل بلا كيف". أنا "بلا كيف" أي لا نقول كيف، لا نقول كيف حصل. وهذا الأثر قد رواه جماعة عن إسحاق، قال: "وقال حدثنا أبو يعقوب إسحاق إبراهيم العدل، وهو أيضًا فقيه من فقهاء الشافعية، وحافظ من حفاظ الحديث، قال: حدثنا محبوب بن عبد الرحمن القاضي، قال: حدثني جدي أبو بطر محمد بن أحمد بن محبوب، وهو راوي سنن الترمذي، قال: حدثنا أحمد بن منيع، وهو أيضًا من الخراسانيين الثقات، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن العتكي، قال: حدثنا محمد بن السلام، قال: سألت عبد الله بن المبارك عن نزوله ليلة النصف من شعبان، فقال عبد الله: «يا ضعيف، في كل ليلة ينزل». فقال له رجل: «يا أبا عبد الرحمن، كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان منه؟» فقال عبد الله: «ينزل كيف يشاء». في رواية أخرى لهذه الحكاية أن عبد الله بن المبارك قال للرجل: «إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخط له»، أي لا تضرب له الأمثال، ولا تسأل عن الكيف، كما قد ذكر عن مالك وربيعة وغيرهم من السلف أن هذا السؤال لا يجوز في صفات الله جل وعلا. قال: "وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري، وهو حافظ، قال: سمعت إبراهيم بن أبي طالب". وإبراهيم إمام كبير، وحافظ كبير، حتى قال بعض الحفاظ: إنه لم ير مثله في الحفظ، وكان فقيهًا من فقهاء شافعية. قال: "يقول سمعت أحمد بن سعيد أبا عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق إبراهيم -يعني ابن راهويه-، فسئل عن حديث النزول: أصحيح؟ أنه قال: نعم. فقال له بعض قواد عبد الله: «يا أبا يعقوب، أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟» قال: نعم. قال: «كيف ينزل؟» قال له إسحاق: «أثبته فوق حتى أصف لك النزول». فقال الرجل: «أثبته فوق». فقال إسحاق: «قال الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾». فقال الأمير عبد الله: «يا أبا يعقوب، هذا يوم القيامة». فقال إسحاق: «عز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة؟ من يمنعه اليوم؟». وهذا إسناده صحيح، قد صحح إسناده الإمام الألباني رحمه الله بمختصر العلو. وهذا الأثر يدل على إثبات السلف لصفات الله عز وجل. فقال له: «أثبته فوق»، أنا أثبت الفوقية له حتى أصف لك النزول. وأراد: حتى أصف لك النزول، حتى أذكره لك. أنا أراد منه أنه إذا كان يثبت الصفات لله عز وجل، فهو سيثبت الفوقية لله، وكذلك سيثبت أيضًا غيرها من الصفات؛ لأن الكلام في الصفات، أو الكلام في الصفة يكون أيضًا في غيرها من الصفات. فالكلام في الصفات أيضًا يحذو بعضه حذو بعض، فالذي يقال في هذه الصفة يقال في تلك الصفة. ولهذا ألزم أهل السنة الأشاعرة أنهم أثبتوا سبع صفات ولم يثبتوا غيرها، فقالوا: إثباتكم هذه السبع يستلزم أنكم تثبتون تلك الصفات التي نفيتموها وتأولتموها. فإن قالوا: نحن أثبتنا هذه الصفات بالعقل. طيب، أيضًا المعتزلة يقولون: إنهم نفوا هذه الصفات بالعقل كذلك. فبأي عقل نحن؟ هل بعقول أشعرية؟ أم بعقول معتزلة؟ وكلهم يقول: إن هذا معقول، وأن هذا لا ينفيه العقل، وأن هذا كذا. وهذا يدل على خفة عقولهم ومغالطتهم في صفات الله جل وعلا. والواجب هو الإذعان إلى هذه النصوص وإثباتها كما جاءت، وعدم التفريق بين الصفة وصفة. ولهذا لما ألزمت الجهمية، ألزمهم بعض أهل السنة، يقول لهم: كيف تثبتون وجود الله، وهو صفة؟ أنتم تقولون: إن الله موجود، والعبد كذلك موجود، هذا جعلتم الله عز وجل صفة كصفة العبد. فأما الباطنية الفلاسفة قالوا: لا موجود ولا معدوم. وأما الجهمية قالوا: هذه أثبتناها بالعقل، صفة الوجود أثبتوها بالعقل، ونفوا الأسماء والصفات كلها. وهذا يدل على أنهم أهل أهواء، كل واحد يقول: أنا أثبت بعقلي. والمعتزلة أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات بعقولهم، والأشاعرة أثبتوا الأسماء وأثبتوا سبع صفات بعقولهم كذلك. وهذا يدل على أنهم تصرفوا في الشرع بعقولهم، وعقولهم أردتهم إلى مثل هذه المهاوي. وأما أهل السنة فأثبتوا لله عز وجل، وقدموا السمع على العقل، وقدموا الكتاب والسنة على عقولهم؛ لأنه لا يستطيع أن يحكم بعقل، كما قال شيخ الإسلام: «بعقل من منكم نحكم؟ أو نحكم كتاب الله، ونجعل كتاب الله بعد عقولكم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عقولكم؟ هذا كلام باطل». فإن شاء الله نكمل في درس آخر. والله تعالى أعلم.

شاركنا على