الدرس في الستر، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع أهمية الستر على المسلمين وتعريفاته عند أهل العلم، مبيناً أنه إخفاء العيب وعدم إظهاره خاصة لمن عرف بالاستقامة. ويستعرض الأدلة القرآنية المحرضة على الستر والناهية عن التجسس وإشاعة الفاحشة في المؤمنين.
يؤكد المقطع على وجوب ستر المسلم وعدم تتبع عوراته مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال المفسرين. ويحذر من المجاهرة بالمعصية التي تذهب العافية، مبيناً أن الستر سبب لسترة الله للعبد في الدنيا والآخرة.
يستعرض المقطع صور الستر المتعددة: ستر النفس عن المجاهرة، ستر الغير عند زلاتهم، ستر الميت عند الغسل، وستار الحياة الزوجية. ويعتبر كشف أسرار الزوجين من أعظم الخيانة محذراً من تتبع عورات المسلمين وفضحهم.
يشكو المتحدث قلة الستر بين الناس ويسأل الله أن يستر عليه وعليهم في الدنيا والآخرة. ويطلب من الله أن يرزقهم الأخلاق الحسنة ويجنبهم الصفات السيئة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع مدرسة الأخلاق وجميل العادات والصفات التي ينبغي أن يتحلى بها أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان. فديننا هو دين الأخلاق، دين المعاملة، دين الإحسان، فينبغي أن نعمل بما جاء في كتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الإحسان في عبادة الله عز وجل، وهكذا الإحسان في معاملة الآخرين، سواء كان في معاملة الوالدين، أو معاملة الزوجة، أو معاملة الأولاد، أو معاملة الأرحام، أو معاملة الجيران، أو معاملة إخواننا أهل الإسلام، بل حتى في معاملة أهل الكفر. كم من الكفار من دخلوا في هذا الدين بسبب رؤيتهم لمعاملة المسلمين الحسنة لهم، وجادلهم بالتي هي أحسن، كما مر معنا في درس العصر: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾. وتعامل المسلمين بالمعاملات المحرمة، واتصافهم بالصفات السيئة، وتخلقهم بالأخلاق القبيحة، كم كان سبباً في نفرة الكثير من الناس عن هذا الدين، والعكس بالعكس: المعاملة الحسنة والتحلي بالأخلاق الفاضلة يعتبر دعوة للآخرين إلى هذا الدين. أيها الأحبة في الله، حديثنا في هذا المجلس حول خلق جميل ووصف حميد، ألا وهو ما يتعلق بالستر. والستر يكون في حق الآخرين، والستر مضمونه ومداره يدل على التغطية وهكذا الإخفاء، وكل شيء سترته فيعتبر مغطى ومخفياً. وقد عرف أهل العلم الستر بعدة تعاريف، منها: قالوا الستر على المسلم إن وقع في معصية، شريطة ألا يعلنها ويجاهر بها، فهذا هو تعريف الستر كما عرفه الحافظ ابن حجر وغيره من أهل العلم. وهكذا أيضاً قيل في تعريف الستر: قالوا هو إخفاء العيب وعدم إظهاره. فمن كان معروفاً بالاستقامة وحصل منه الوقوع في المعصية، ننصحه ونستر عليه، فالواجب نصحه وأن نستر عليه وأن لا نفضحه. والناظر في آيات القرآن وأحاديث السنة يجد فيها الحث والترغيب في الستر على أهل الإسلام. ومن ذلك قول ربنا تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "قال: أي يحبون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، لهم عذاب أليم في الدنيا أي بالحد، أي إقامة الحدود عليهم، وفي الآخرة بالعذاب". إذن ربنا عز وجل يحثنا على عدم إشاعة الفاحشة في أهل الإيمان، وذلك يكون بالستر عليهم. وهكذا قوله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ﴾. شاهدنا من هذه الآية في قوله عز وجل: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾. قال الإمام مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى: "خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله". وقال الإمام الطبري رحمه الله تعالى عند قوله عز وجل: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾: "ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره يبتغي بذلك الظهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره وبه فحمدوا أو ذموا، لا على ما لا تعلمون من سرائره". فالواجب هو مراعاة جانب الستر على المسلم. وهكذا أيضاً قوله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَخْفُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: "معنى تستترون أي تستخفون، في قول أكثر العلماء، أي ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذراً من شهادة الجوارح عليكم، ولأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عمله". فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية. اليوم الواحد لو أراد أن يفعل معصية، ماذا سيسلك أولاً؟ سيبتعد عن أنظار الناس بحيث لا يراه أحد ولا يطلع عليه أحد. طيب، تستخفي من الناس، استخفي من جوارحك، لأن يوم القيامة هنا مستنطقات تشهد عليك: يدك تشهد عليك، ورجلك تشهد عليك، وهكذا غيرها من الجوارح تشهد عليك. تستخفي من الناس ولا تستخفي من هذه الجوارح التي ستفضحك في يوم القيامة. وهكذا أيضاً النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يا إخوان يحث على الستر، ويدعو إلى الستر على الآخرين. وليس معنى الستر أن نشارك في انتشار المعاصي وانتشار الفساد، لكن إنسان أخطأ، وقع في زلة، غلط، والغالب عليه الخير والستر، الغالب عليه الصلاح، فمثل هذا يستر. أما من كان مجاهراً بالمعصية ومعلناً لها، فهذا قد كشف عن سوأته وأظهر للناس عورته، فماذا يغني عنه الستر؟ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرين». قال عليه الصلاة والسلام: «وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه». هذا حاصل أو ليس بحاصل يا إخوان؟ هذا حاصل. كم من إنسان يعمل من الخطايا ما يعمل بالليل، ولا أحد يعلم بذلك إلا الله عز وجل، استره الله، فيصبح أول ما يلقى أصحابه يقول: والله البارحة صلحنا وفعلنا وعملنا. كل أمتي معافى إلا المجاهرين. هذه مجاهرة بالمعصية، وهي لربما كانت سبباً في ذهاب العافية. ومن هذا المجاهرة بفعل المعاصي وارتكاب الفواحش. وهكذا حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: قال عليه الصلاة والسلام: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». وقوله: «ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة»، دعوة وحث على الستر. وهكذا في حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه عند أبي داود وأحمد وغيرهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عورة... أو فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته». تتبع عورات الآخرين وتتبع الزلات هذا ليس من أخلاق أهل الإسلام. لا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، جزاء وفاق، الجزاء من جنس العمل. قال: «ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته، يفضحه في بيته». فهذا من الأمور المهمة جداً. أخيراً مما يتعلق بالستر: هو أن للستر صوراً وأنواعاً ينبغي مراعاتها. من هذه الصور: ستر المسلم على نفسه. أن تبتلاك الله عز وجل بمعصية، لا تفضح نفسك، سترك الله. استر على نفسك، استر على نفسك، وإياك والمجاهرة. كل أمة معافى إلا المجاهرين. وليس معنى هذا أن الإنسان يلازم المعاصي ويرتكب الفواحش، لا، انتبه: قد يفضحك الله في يوم، وإذا لم تفضح في الدنيا قد تفضح يوم القيامة، لكن إذا ابتليت بهذا الشيء فاستر على نفسك. وهكذا أيضاً ما يتعلق بالستر على الغير: أحد إخوانك، أحد المسلمين، وقع في زلة، لا تفضحه. والله البارحة رأيت فلان فعل وفعل، شفت بعيني، والله يا عبد الله، استر على أخيك. لو كنت أنت في موضعه، هل تحب أن الناس يسترون عليك أم لا؟ الجواب: نعم. إذن فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة. وهكذا بالنسبة للستر على الميت: غسلت ميتاً فرأيت منه شيئاً غريباً، لا تذهب وتتحدث بذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من غسل ميتاً فكتم، غفر الله له»، أربعين مرة، أربعين مرة، أكد يقول عليه الصلاة والسلام. وأخيراً مما يتعلق بالستر: الستر بين الزوجين. يا إخوان، هذا من أعظم الستر. الشخص الزوج يطلع على أشياء في زوجته لا يطلع عليها غيرُه، والزوجة بالمثل، الواجب هو الستر. ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعظم الخيانة أن يفضي الرجل إلى المرأة وتفضي المرأة إلى الرجل، ثم يكشف سترها. يخرج الصباح يقول: والله البارحة عملنا وعملنا وصلحنا وسوينا، أصحابه يضحكون، آه، أتت عادة، عادة أتاني، قالوا: أيضاً فعلنا وفعلنا. ما يصلح هذا، هذا من أعظم الخيانة وأقبحها. طيب، قدر الله مشكلة بين الزوجين، فتفارقا، طلاق، وبسبب مشاكل وخلافات، هل معنى هذا أن الزوج يفضح أو يكشف ستر المرأة؟ يقول: فلانة كانت معي، والله هذه فيها من العيوب كذا وكذا وكذا. ما هذه الوقاحة؟ ما هذه الخيانة؟ ما هذه البذاءة؟ أو المرأة بالمثل تقول: فلان كان معي، لكن كان وكان وكان. فالواجب والمطلوب هو الستر فيما يتعلق بالبيت الأسري والحياة الزوجية. حتى أقرب الناس إليك، كأمك وأبيك وأخيك وصديقك، لا تطلعه على هذه الأسرار التي تقع فيما يتعلق بالحياة الزوجية. أيها الأحبة في الله، حديث عن الستر، حديث عظيم، ونحتاجه في حياتنا اليومية، سواء في تعاملنا مع أهالينا، أو تعاملنا مع أقاربنا وجيراننا، أو تعاملنا مع أصحابنا. وللأسف الشديد يا إخوان، قل الستر اليوم في أوساط الناس إلا من رحم الله عز وجل. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يستر علي وعليكم في الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، وأن يجنبنا الصفات السيئة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الله أكبر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر