الدرس في الأناة، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن المقطع مكانة التأني والأناة كخلق إسلامي عظيم والفرق بينهما وبين الحلم، مستدلاً بآيات تأمر بالتثبت وعدم العجلة في الحكم على الناس. ويضرب أمثلة من قصة أسامة بن زيد ويوسف عليهما السلام لتأكيد أن التأني يحفظ الدماء ويبرئ الساحات.
يستعرض المقطع فضيلة التأني كما دل عليه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والعلماء بأن التأني من الله والعجلة من الشيطان. ويذكر استثناء أعمال الآخرة التي يُستحب فيها المبادرة مع أمثلة عملية في الوضوء والصلاة.
يعرض المقطع أمثلة شرعية متعددة لفضيلة التأني وذم العجلة في الصلاة والصيام وطلب العلم والإنكار على الآخرين والفصل بين المتنازعين وإصدار الفتاوى. ويختم بالتأكيد على حاجة المسلمين اليوم إلى التحلي بالأناة وترك العجلة والانفعال.
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد مواصلة أيها الأحبة في الله مع مدرسة الأخلاق وجميل العادات والصفات التي ينبغي أن يتحلى بها أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان وديننا هو دين المعاملة هو دين السلوك الحسن هو دين الخلق الجميل الحسن كما قال عليه الصلاة والسلام إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق أيها الأحبة في الله حديثنا في هذا المجلس حول خلق جميل وصفة مهمة جدا ألا وهي ما يتعلق به التأني والأناه التأني والأناه وقد ذكر أهل العلم في تعريف التأني والأناه أنه التثبت وترك العجلة التثبت في الأمور وترك العجلة لا يكون الإنسان مستعجلا وقد بر معنا كلاما نحوا من هذا فيما يتعلق به الحلم وبعض أهل العلم يجعل الحلم بمعنى التأني والأناه والذي يظهر أن بينهما فرقا فقد ذكر الإمام أبو هلال العسكر رحمه الله تعالى كما في كما في كتابه الفروق اللغوية ذكر أن الأناه هي التمهل في تدبير الأمور وترك التعجل هذا الأناه أما الحلم فهو الإمهال بتأخير العقاب المستحق تأخير العقوبة عمن يستحقها وهكذا ترك الانتقام مع شدة الغضب عند القدرة عليه قالوا هذا يعتبر حلما والناظر في آيات القرآن وحاديث السنة يجد فيها الحث والترغيب بالتأني وعدم الاستعجال فمن ذلكم قول ربنا عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا فَتَبَيَّنُوا أن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا على ما فعلتم نادمين الجمهور من أهل العلم أو من القراء قرأوا بي فَتَبَيَّنُوا وقرأ حمزة وَالْكَسَاءِ وغيرهما بي فَتَثَبَّتُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَثَبَّتُوا وَالْمُرَادُ من التبين ها هنا التعرف والتفحص والمقصود ب التثبت هو الأناه وعدم العجلة جاء كخبر لا تستعجل حتى تتأكد من صحته فلربما تبني حكما على خبر غير صحيح غير صحيح وهكذا أيضا ربنا عز وجل يقول يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في الأرض أو إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لما لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا كذلك كنتم من قبل يعني على غير هذا الدين فمن الله عليكم بهذا الدين قال فتبينوا فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا وهنا أمر الله عز وجل أهل الإيمان إذا تشككوا في إسلام شخص أو كفره لا يستعجلوا فيحكموا عليه بالكفر فيقوموا بقتله وإنما يتأنّوا ويتثبتوا ويتبينوا من إسلام هذا الإنسان أو كفره فلربما قتل وهو مسلم والله عز وجل قد حرم دماء أهل الإسلام ولهذا في قصة أسامة ابن زيد لما رأى في العدو رجلا يقتل في المسلمين فلحقه هو ورجل من الأنصار فلما علياه بالسيف قال الرجل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال أسامة ابن زيد فأمسك الأنصار أي لم يقتله أما أسامة فقام وقتله فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام لأسامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله فقال أسامة إنما قالها متعوذا لما رأى السيف خاف من القتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة أشققت عن قلبه أشققت عن قلبه أسامة بن زيد من شدة ندمه تمنى أنه لم يسلم إلا تلك اللحظة إلا تلك اللحظة وهذا من تعظيم قتل الأنفس المحرمة وهكذا أيضا ربنا تبارك وتعالى قال كما في سياق قصة يوسف عليه الصلاة والسلام وقال الملك اتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة التي قطعنا أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ذكر الإمام المفسر ابن عطية رحمه الله تعالى قال هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناه وصبرا وطلبا لبراءة الساحة وذلك أنه فيما روي خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحا فيراه الناس بتلك العين أبدا ويقولون هذا الذي راود امرأة مولاه قال فأراد يوسف عليه السلام أن تبين براءته وتتحقق منزلته من العفة والخير فلبت في السجن بضع سنين يا إخوان ما ظنكم في إنسان يمكث في السجن عدة سنوات ثم يأتي أمر الإفراج ماذا سيفعل سيطير فرحا بهذا القرار لكن يوسف كان عنده أناه وعنده كذلك أيضا كان عنده صبر فما خرج حتى تثبت براءته أولا كيف أخرج سيخرج وينال مرتبة في الملك والحكم لكن الناس ما سينسوا ما اتهم به يوسف سيقول هذا الأمير هذا يوم من الأيام راود امرأة العزيز مولاته فيوسف أولا أراد أن تثبت براءته قال ارجع إلى ربك أي إلى الملك فاسأله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم قال لو لبث في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي وهذا فيه مدح من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفعل يوسف عليه الصلاة والسلام وهكذا ربنا عز وجل يقول هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش لماذا يا إخوان في ستة أيام أليس ربنا عز وجل قادر على أن يخلق السماوات والأرض في لحظة الجواب بلى لكن ذكر بعض أهل العلم أن في ذلك حكمة أن في ذلك حكمة ألا وهي أن الله عز وجل علم عباده التؤذة والتأني وأن الأهم هو إحكام الشيء لا الفراغ منه لا يكون همك أنك تنتهي من العمل لا ليكون همك إتقان وإحكام العمل الذي أنت بصدده قال حتى يتأن الإنسان فيما يصنعه فعلم الله سبحان عباده التأني في الأمور التي هم قادرون قادرون عليها وهذه تعتبر حكمة ينبغي على الإنسان أن يتأمل فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الإمام مسلم وغيره قال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس قال له إن فيك خصلتين يحبهم الله في رواية يحبهم الله ورسوله الحلم والأناه الحلم والأناه وهذا فيه الحث ولهذا أشج عبد القيس سأل النبي صلى الله عليه وسلم كما في بعض الروايات هل هل هذين خلقين تخلقت بهما أم من الله عز وجل قال بل من الله يعني الله عز وجل فطره وجبله على هذين الخلقين فحمد فحمد الله عز وجل أن فطره وجبله على خلقين يحبهم الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهكذا جاء في حديث أنس عند البيهقي وأبي يعلى قال النبي صلى الله عليه وسلم التأني من الله والعجلة من الشيطان التأني في الأمور التأني من الله والعجلة من الشيطان قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى قال العجلة من الشيطان فإنها خفة وطيش وحدة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم لاحظ في هذه الكلمات البديعة يقول العجلة من الشيطان فإنها خفة وطيش وحدة تمنعه من التثبت والوقار والحلم وتوجب له وضع وضع الأشياء في غير مواضعها وتجلب عليه أنواعا من الشرور وتمنع عنه أنواعا من الخير أنواعا من الخير هكذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وأيضا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة لاحظ التؤدة يعني التأني والتمهل والصبر في كل شيء خير إلا في ماذا إلا في عمل الآخرة وهذا الحديث أخرجه أبو داود وغيره وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى وقوله عليه الصلاة والسلام إلا في عمل الآخرة قالوا أي لأن في تأخير الخيرات آفات في تأخير أمور الخير آفات وأمور سيئة وأمور سيئة قال الإمام الطيب رحمه الله تعالى قال وذلك لأن الأمور الدنيوية لا يعلم عواقبها في ابتدائها أنها محمودة العواقب حتى يستعجل فيها أو مذمومة فيتأخر عنها هذه الأمور الدنيوية ما يدري أفيها خير له أو أنها شر عليه لكن بخلاف الأمور الأخروية لقوله تعالى فاستبقوا الخيرات وهكذا قوله عز وجل وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض بقي معنا أن للتأني صور وله مواقف فمن أهم صور التأني التأني يا إخوان في باب الطهارة عند الوضوء العجلة مذمومة يا إخوان ولهذا جاء في حديث عائشة وأبي هريرة وعبد الله ابن عمر وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان الماء قليل وحضر وقت الصلاة فجعلوا يمسحون على أرجلهم يمسحون على أرجلهم من قلة الماء فنادى النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار ويل للأعقاب من النار اليوم بعض الناس يستعجل في الوضوء يريد يدرك الركعة قد يترك لمعه في وجهه أو بقعه في يده أو موضع في قدمه لم يغسل بسبب ماذا بسبب العجلة في حديث بن عباس لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى إنه لكبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول عجل يا إخوان بال لا يجلس حتى استنجي أو يستجمر يقوم مصرعا هذه عجلة مذمومة سبب من أسباب عذاب القبر وهكذا التأني في باب الصلاة النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي هريرة إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا اليوم كيف حال كثير من الناس انظر إذا ركع الإمام جري من دورات المياه إلى المسجد ثم ينظر ذات اليمين وذات الشمال أي مكان أقرب كي يدرك الركعة جري في المسجد هذه عجلة من الشيطان بينما التأني مطلوب في هذا الباب أيضا فيما يتعلق بي الصلاة في حديث أبي هريرة في قصة الرجل المسي في صلاته دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه صلى ثم جاء وقال السلام عليك يا رسول الله قال وعليك السلام ارجع فصلي فإنك لم تصلي رجع الرجل يصلي ثم أتى وسلم فقال وعليك السلام ارجع فصلي فإنك لم تصلي إلى أن قال الرجل والذي بعثك بالحق يا رسول الله لا أحسن غيرها فعلمني يا إخوان ما هو الخلل الذي كان يقع فيه هذا الصحابي الجليل عجل يا إخوان في الصلاة عدم الإطمئنان في ركوعه وسجوده وجلوسه واعتداله جعل صلاته باطلة غير صحيحة في باب الصيام أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى أقواما معلقين بعرقيبهم تسيل أشلاقهم دما فسأل من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم عاد وقت الإفطار لم يحل مستعجل يفطر قبل غروب الشمس يفطر قبل غروب الشمس وهذا يدل على أنها عجلة من الشيطان وهكذا قل في العجلة التي تكون أو في ماذا في التأني المطلوب في طلب العلم في طلب العلم ربنا عز وجل أدب نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ذكر غير واحد من أهل العلم أن من أسرار هذه السورة سورة القيامة أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بعض الناس من شدة حرصه على العلم يسأل قبل انتهاء الدرس طيب يجي الكلام عن هذه المسألة في ثنايا الدرس صبر قليل لا تستعجل لا تستعجل وهكذا كما جاء عن الإمام الزهري رحمه الله تعالى أنه قال ليونس ابن يزيد رحمه الله تعالى قال يا يونس قال يا يونس إن العلم أودية وإنك لن تبلغ أحدها إلى أن قال له ماذا فمن طلب العلم جملة فاته جملة الذي يريد أن يحصل العلم دفعة واحدة هذا يفوته العلم جملة قال وإنما يؤخذ على مر الأيام والليالي وهكذا أيضا ما يتعلق به التأني في الإنكار على الآخرين لربما كانت أمور محتملة أمور محتملة أنت داخل إلى المسجد وجدت إنسانا يمشي في الطريق ذهب إلى دكان أو جالس على دكة لربما البعض يستعجل يقول له اتق الله صلاة قم صل طيب صليت في مسجد آخر لماذا لا تتأنى لماذا لا تترك الاستعجال لماذا لا تترك الاستعجال وهكذا في غيرها من الأمور المحتملة يا إخوان لا تستعجل لا تستعجل في الإنكار وكما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم إنها صفية إنها صفية لما ماذا جاءت تزوره في الاعتكاف فلما أرادت أن ترجع وتنقلب قام ليقلبها فمر رجلان من الأنصار فلما رأياه أسرعا قال على رسلكما إنها صفية يعني لا يقع في نفوسكما شيء وشك قال سبحان الله يا رسول الله يعني ما نظن بك شيء قال إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا أو شيئا وهكذا ينبغي على الإنسان في الأمور المحتملة أن يتمهل في الإنكار وأن لا يستعجل في ماذا التشنيع على الآخرين وأخيرا من صور التأني التأني في الأحكام لا تفصل بين متنازعين وأنت غضبان منفعل لا تستعجل وإنما تأنى حتى يهدى ويذهب عنك الغضب حتى فيما يتعلق بالفصل بين الأولاد لا تستعجل جاءك إثنان يتحاكمان أو يسألان حتى في باب الفتية الاستعجال مذموم تأنى إذا لم تكن جازما بالجواب قل أعطوني فرصة لا تستعجل فتجيب بغير بيان ويقيم فتقع في الخطأ فإذا التأني في الفتية وإجابة الأسئلة وهكذا الفصل بين المتنازعين يعتبر ماذا من التأني المطلوب أيها الأحبة في الله الكلام حول التأني والأنا موضوع هام جدا نحن أحوج ما نكون إليه ولا سيما والملاحظة اليوم على كثير من الناس عجلة واستعجال وانفعالات وإلى غيرها من الأمور فحري بنا أيها الإخوة في الله أن نهتم بإقامة هذا الخلق والاتصاف بهذه الصفات أسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم التأني والأناه وأن يجنبنا العجلة والاستعجال وأن يرزقنا محاسن الأخلاق وأن يجنبنا سيئها إنه ولي ذلك والقادر عليه وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين وجزاكم الله خيرا وبارك الله في الجميع